Akhbar Cairo

تحرك عربي طارئ في القاهرة لمواجهة الاستيطان وتهجير الفلسطينيين

اجتماع غير عادي في القاهرة بطلب فلسطيني

تتجه الأنظار إلى مقر جامعة الدول العربية في القاهرة، حيث يعقد مجلس الجامعة على مستوى المندوبين الدائمين دورة غير عادية بطلب من دولة فلسطين وبدعم من الدول الأعضاء، لبحث سبل التحرك العربي المنسق في مواجهة التوسع الاستيطاني وسياسات التهجير القسري والانتهاكات المتواصلة في القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة. وبحسب ما أعلنته وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية «وفا»، فإن الاجتماع مقرر يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، في ظل تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين وممتلكاتهم، إلى جانب اتساع نشاط جماعات المستوطنين تحت حماية سلطات الاحتلال.

ويمثل هذا الاجتماع امتدادا لتحركات عربية سابقة انطلقت من القاهرة خلال الأشهر الماضية، ركزت على حماية القدس والتصدي لسياسات فرض الأمر الواقع. كما يأتي في توقيت حساس بالنسبة للمنطقة، مع تنامي المخاوف من أن تتحول إجراءات الاستيطان والهدم والإخلاء إلى مسار ينسف بصورة أوسع فرص التسوية السياسية وحل الدولتين الذي لا تزال مصر ودول عربية أخرى تتمسك به باعتباره الإطار الأكثر واقعية لإنهاء الصراع.

ماذا يناقش مجلس الجامعة العربية؟

الطرح الفلسطيني داخل الاجتماع يركز، وفق المعطيات المعلنة، على آليات توفير حماية دولية للشعب الفلسطيني، وضمان احترام قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية المرتبطة بالوضع القانوني لمدينة القدس. وصرح السفير مهند العكلوك، المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى جامعة الدول العربية، بأن الجلسة تنعقد في ظل تصاعد هجمات قوات الاحتلال وعصابات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم، بما يستدعي تحركا عربيا أكثر تنسيقا وفعالية على المستويات السياسية والدبلوماسية والقانونية.

ومن المتوقع أن يتناول النقاش العربي كذلك مسألة توثيق الانتهاكات، ودعم الجهود الفلسطينية في المحافل الدولية، وإسناد التحركات الرامية إلى وقف هدم المنازل ومصادرة الأراضي، خاصة في القدس الشرقية ومحيطها، حيث ترتبط ملفات الإخلاء القسري والاستيطان بمحاولات تغيير الطابع الديموغرافي والقانوني للمدينة. ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة من منظور مصري وعربي، لأن القدس تظل في صدارة ملفات الأمن القومي العربي والوجدان الشعبي في المنطقة.

القدس في قلب التحرك العربي

القدس ليست مجرد عنوان سياسي في الاجتماع، بل هي جوهر الملف المطروح. فجامعة الدول العربية كانت قد دعت في دورة غير عادية سابقة، عُقدت في القاهرة في 2 أبريل 2026، إلى تحرك عربي وإسلامي ودولي منسق لحماية المدينة ومقدساتها الإسلامية والمسيحية عبر أدوات سياسية ودبلوماسية واقتصادية وقانونية، مع التشديد على وقف الأنشطة الاستيطانية والتهجير القسري ومصادرة الأراضي الفلسطينية.

كما شددت الجامعة العربية أخيرا على أن القدس الشرقية جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 وعاصمة دولة فلسطين، معتبرة أن أي إجراءات تستهدف تغيير وضعها القانوني أو التاريخي أو السكاني هي إجراءات باطلة وفقا لقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 478 الصادر في 20 أغسطس 1980، الذي رفض الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير وضع القدس.

أرقام وتحذيرات دولية تعزز الموقف الفلسطيني

التحرك الفلسطيني داخل الجامعة العربية يستند أيضا إلى معطيات ميدانية وتقارير أممية حديثة. فمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة «أوتشا» قال في تقريره الصادر في 1 مايو 2026 إن الضفة الغربية سجلت خلال عام 2026 أعلى متوسط شهري لتهجير الفلسطينيين بسبب عمليات الهدم المرتبطة بعدم الترخيص منذ أكثر من 17 عاما من التوثيق الأممي. وأوضح التقرير أن أكثر من 620 فلسطينيا نزحوا جراء عمليات الهدم منذ بداية العام حتى نهاية أبريل، بمتوسط يقارب 160 شخصا شهريا.

وفي القدس الشرقية تحديدا، تواصلت التحذيرات من اتساع خطر الإخلاء القسري. وتشير بيانات أممية أخرى إلى أن نحو 200 أسرة فلسطينية في القدس الشرقية معرضة لخطر التهجير بسبب قضايا إخلاء منظورة أمام المحاكم الإسرائيلية، بينما تبقى مناطق مثل سلوان وبطن الهوى وخان الأحمر من أبرز بؤر الضغط الاستيطاني. كما حذرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في مايو 2026 من المضي في تهجير تجمع خان الأحمر البدوي شرقي القدس ومن توسع المشروع الاستيطاني في منطقة E1، الذي يهدد بزيادة تقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية.

التحرك العربي بين القانون والدبلوماسية

من الناحية القانونية، يأتي الاجتماع العربي بينما لا تزال التداعيات السياسية والقانونية للرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في 19 يوليو 2024 حاضرة بقوة. المحكمة تناولت في رأيها آثار سياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وناقشت بصورة مباشرة ملفات الاحتلال طويل الأمد والاستيطان والضم والتشريعات المرتبطة بها. وهذا يمنح الدبلوماسية الفلسطينية والعربية سندا إضافيا في الدفع باتجاه مواقف دولية أكثر صرامة.

وعمليا، يرجح أن يركز الجانب العربي على عدة مسارات متوازية:

  • دبلوماسيا: تكثيف الاتصالات مع الأمم المتحدة والقوى الدولية المؤثرة لوقف الاستيطان والهدم والتهجير.
  • قانونيا: دعم التحركات الفلسطينية في المؤسسات القضائية والحقوقية الدولية.
  • سياسيا: تثبيت الموقف العربي الرافض لأي تغيير أحادي في وضع القدس أو الأراضي المحتلة.
  • إعلاميا وإنسانيا: إبراز أثر الانتهاكات على الحياة اليومية للفلسطينيين، خاصة في القدس والضفة الغربية.

لماذا يهم هذا الملف القارئ المصري؟

بالنسبة إلى القارئ في مصر، يحمل هذا الاجتماع أهمية تتجاوز البعد التضامني التقليدي مع فلسطين. فالقاهرة تستضيف مقر الجامعة العربية، وتلعب منذ عقود دورا مركزيا في إدارة الملفات الإقليمية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، سواء على المستوى السياسي أو الإنساني أو الدبلوماسي. ومن ثم، فإن أي تحرك عربي يخرج من القاهرة في هذا الملف يكتسب وزنا خاصا، لا سيما حين يتعلق بالقدس والاستيطان والتهجير، وهي قضايا تمس الاستقرار الإقليمي مباشرة.

كما أن مصر ظلت من أكثر الدول العربية تمسكا بمرجعية القانون الدولي ورفض الإجراءات الأحادية التي تغيّر وضع الأراضي المحتلة. وفي ظل استمرار التوتر في الضفة الغربية والقدس، فإن الرهان العربي لا يقتصر على إصدار مواقف سياسية، بل يمتد إلى محاولة بناء ضغط دبلوماسي منظم يحد من التوسع الاستيطاني ويمنع تحويل الوقائع الميدانية إلى حقائق دائمة.

ما الذي يمكن أن يخرج به الاجتماع؟

من السابق لأوانه حسم مخرجات الدورة غير العادية قبل صدور قرارها الرسمي، لكن السوابق القريبة تشير إلى أن المجلس قد يجدد دعوته إلى تحرك عربي جماعي أكثر تماسكا، مع تحميل المجتمع الدولي، وخاصة مجلس الأمن، مسؤولية حماية المدنيين الفلسطينيين ووقف انتهاكات الاحتلال. كذلك قد يعيد التأكيد على رفض الضم والاستيطان والتهجير القسري، وعلى التمسك بالوضع القانوني للقدس الشرقية باعتبارها جزءا من الأرض الفلسطينية المحتلة.

في المحصلة، يعكس الاجتماع المرتقب في القاهرة إدراكا عربيا بأن ملف الاستيطان والتهجير لم يعد مجرد تفصيل تفاوضي، بل بات في صلب الصراع على الأرض والهوية والمستقبل السياسي لفلسطين. ومع تزايد المؤشرات الأممية على تفاقم الإزاحة القسرية وتكثف المشاريع الاستيطانية، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك عربي منظم، يحول التضامن السياسي إلى أدوات متابعة وضغط مستمرة، خاصة في ما يتعلق بالقدس، بوصفها عنوانا سياسيا ودينيا وإنسانيا لا يمكن فصله عن أي تسوية عادلة في المنطقة.