Akhbar Cairo

تحول أولويات ترامب في حرب إيران يثير قلقًا إقليميًا

تحول في حسابات البيت الأبيض تجاه إيران

تكشف المعطيات التي ظهرت خلال يونيو/حزيران 2025 أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) أعاد ترتيب أولوياته في ما يتعلق بالحرب المرتبطة بإيران، بعدما كان الخطاب المعلن يركز بصورة أساسية على توجيه ضربة حاسمة إلى العناصر المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني. ووفق ما أوردته تقارير إعلامية أمريكية مدعومة بتسريبات ومواقف علنية لاحقة، فإن هذا الهدف لم يختفِ تمامًا، لكنه تراجع مؤقتًا أمام اعتبارات أخرى تتصل بإدارة التصعيد، واحتواء كلفته، ومنع انزلاقه إلى حرب أطول وأكثر تعقيدًا.

هذا التحول لا يبدو تفصيلًا تكتيكيًا عابرًا، بل يعكس إدراكًا داخل واشنطن بأن أي تصعيد واسع ضد إيران لا يتوقف أثره عند المنشآت النووية وحدها، بل يمتد إلى أمن الطاقة العالمي، وحركة الملاحة، واستقرار حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. كما أن القراءة الأمريكية للمشهد بعد الضربات لم تعد مطابقة تمامًا للخطاب السياسي المتشدد الذي سبقها.

ماذا قالت التقارير الأمريكية؟

بحسب ما ظهر في تغطيات وشهادات بثتها CNN خلال 17 و18 و25 يونيو/حزيران 2025، فإن ترامب بدا في مرحلة من المراحل أكثر ميلًا إلى استخدام القوة العسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، مع تشدد واضح في لهجته العلنية تجاه طهران، بما في ذلك حديثه عن “الاستسلام غير المشروط” ورفضه إظهار استعجال للعودة إلى مسار تفاوضي تقليدي. لكن التقارير نفسها أظهرت أيضًا أن الرئيس الأمريكي كان يوازن بين خيار الضربات وبين هاجس التورط في حرب ممتدة لا يريدها سياسيًا أو عسكريًا.

وفي السياق نفسه، نقلت وكالة أسوشيتد برس في 24 يونيو/حزيران 2025 عن أشخاص مطلعين على تقييم استخباراتي أمريكي أولي أن الضربات الأمريكية لم تؤدِّ إلى “محو كامل” للمكونات الأساسية للبرنامج النووي الإيراني، بل أرجأته لبضعة أشهر فقط. هذا التقييم الأولي فتح فجوة بين لغة البيت الأبيض التي تحدثت عن تدمير واسع، وبين التقديرات الفنية الأكثر تحفظًا حول النتائج الفعلية على الأرض.

وبعد ذلك بفترة، أشارت أسوشيتد برس مجددًا، في تقرير أحدث نُشر أواخر أغسطس 2025، إلى أن أهداف واشنطن في الحرب بعد مرور ستة أشهر باتت أكثر اتساعًا من مجرد استهداف المشروع النووي، مع صعود ملف مضيق هرمز وأمن الملاحة إلى مقدمة الاهتمامات الأمريكية. هذه النقطة مهمة لأنها توضح أن مركز الثقل في الاستراتيجية الأمريكية تحرك من “الضربة الحاسمة” إلى “إدارة تبعات الحرب”.

من النووي إلى الممرات البحرية

التحول من أولوية ضرب البرنامج النووي الإيراني إلى التركيز على أمن الملاحة في مضيق هرمز ليس مسألة تقنية. فالمضيق يظل أحد أهم الشرايين التي تعبر من خلالها نسبة مؤثرة من تجارة الطاقة العالمية، وأي تهديد لحركته ينعكس مباشرة على أسعار النفط، وتكاليف الشحن، ومعدلات التضخم في الأسواق المستوردة للطاقة، ومنها أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذا التطور يتجاوز الجغرافيا البعيدة. فكل اضطراب ممتد في الخليج يضغط على سلاسل الإمداد العالمية، ويؤثر في كلفة النقل والتأمين، ويترك أثرًا غير مباشر على اقتصادات المنطقة بأسرها. لذلك فإن متابعة تغير أولويات ترامب لا تندرج فقط ضمن أخبار البيت الأبيض، بل ترتبط أيضًا بحسابات الاستقرار الاقتصادي والسياسي في الإقليم.

لماذا غيّر ترامب أولوياته؟

هناك عدة عوامل تفسر هذا التحول. أولًا، بدا أن التقديرات العسكرية والاستخباراتية لم تمنح الإدارة الأمريكية صورة حاسمة عن إمكانية إنهاء الملف النووي الإيراني بضربة واحدة. ثانيًا، فإن تجربة الولايات المتحدة الطويلة في الشرق الأوسط تجعل أي رئيس أمريكي أكثر حذرًا من الانزلاق إلى حرب مفتوحة النتائج. ثالثًا، أن إيران لا تختزل قدرتها على الرد في البرنامج النووي فقط، بل تمتلك أدوات ضغط متعددة، من الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى أوراق النفوذ الإقليمي وتهديد الممرات البحرية.

ومن ثم، فإن تأجيل أولوية استهداف العناصر النووية لا يعني بالضرورة تبني مسار دبلوماسي كامل، بقدر ما يعكس إعادة تموضع مؤقتة داخل استراتيجية أوسع: الحفاظ على الضغط، مع تجنب خطوة قد تشعل المنطقة بصورة تتجاوز قدرة واشنطن على التحكم في مسارها.

ماذا عن الموقف المصري؟

منذ بداية التصعيد، حافظت القاهرة على موقف واضح يقوم على رفض توسيع دائرة الحرب والدعوة إلى الحلول السياسية. وزارة الخارجية المصرية أعلنت إدانتها للهجمات الإسرائيلية على إيران في 13 يونيو/حزيران 2025، ووصفتها بأنها تصعيد خطير يهدد أمن المنطقة والسلم الدولي. كما شاركت مصر في بيان مشترك ضم عددًا من الدول الإسلامية والعربية شدد على رفض الاعتداءات الإسرائيلية على إيران، والتأكيد على احترام سيادة الدول وتسوية النزاعات سلميًا.

هذا الموقف المصري لا ينطلق فقط من ثوابت دبلوماسية معروفة، بل من قراءة عملية لمخاطر اتساع الصراع. فالقاهرة تدرك أن انفجار مواجهة شاملة بين الولايات المتحدة أو إسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يمكن أن يفتح أبوابًا واسعة لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، بما يشمل الأمن البحري، وأسواق الطاقة، ومجمل التوازنات الإقليمية.

هل نحن أمام تهدئة أم إعادة تمهيد للتصعيد؟

الإجابة الأقرب إلى الواقع هي أن المشهد لا يزال معلّقًا بين الاحتمالين. فمن ناحية، يوحي تراجع أولوية استهداف مكونات البرنامج النووي الإيراني بوجود مساحة للمراجعة وربما للمساومة. ومن ناحية أخرى، فإن بقاء الضغوط العسكرية والسياسية، إلى جانب استمرار الخلاف الأمريكي الإيراني حول النتائج الحقيقية للضربات وشروط أي تفاوض لاحق، يعني أن المنطقة لم تغادر بعد دائرة الخطر.

كما أن الخلاف بين الخطاب السياسي والتقييم الاستخباراتي الأولي داخل الولايات المتحدة يضيف طبقة جديدة من الغموض. فإذا كانت الضربات قد أبطأت البرنامج النووي الإيراني فقط ولم تنهَه، فإن السؤال التالي يصبح: هل تكتفي واشنطن بهذا القدر، أم تعود لاحقًا إلى الخيار نفسه تحت ضغط الاعتبارات الداخلية أو الإقليمية؟

الخلاصة

ما جرى في ملف إيران خلال صيف 2025 يشير إلى أن ترامب لم يعد يتعامل مع الحرب من زاوية واحدة. فبدل التركيز الأحادي على شل البرنامج النووي الإيراني، ظهرت أولويات موازية تتعلق بمنع التورط الطويل، وتأمين الملاحة، وإدارة التداعيات الاستراتيجية الأوسع. بالنسبة لمصر والمنطقة، يظل هذا التحول مؤشرًا مهمًا على أن الأزمة لم تُحسم، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، تختلط فيها الحسابات العسكرية بالاقتصاد والطاقة والدبلوماسية.

  • أبرز ما يعنيه التحول الأمريكي: تراجع أولوية الضربة الحاسمة مقابل إدارة تبعات الحرب.
  • أهم ملف صاعد: أمن الملاحة في مضيق هرمز وتأثيره على الطاقة العالمية.
  • الرسالة المصرية: لا حل مستدامًا عبر التصعيد العسكري، والتهدئة السياسية ضرورة إقليمية.