Akhbar Cairo

ترامب في الأمم المتحدة: خطاب القوة وإعادة تشكيل العالم

ترامب يعود إلى نيويورك بخطاب عنوانه القوة الأميركية

عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) إلى منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، اليوم الثلاثاء 22 سبتمبر 2026، في لحظة دولية شديدة الحساسية تتقاطع فيها ملفات الحرب والتنافس الجيوسياسي والطاقة والذكاء الاصطناعي. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام أميركية عن مسؤول في البيت الأبيض، فإن الخطاب صيغ ليشرح كيف تستخدم الإدارة الأميركية نفوذها السياسي والعسكري لإدارة أزمات مزمنة وإعادة تشكيل البيئة الدولية بما يخدم المصالح الأميركية.

الرسالة الأساسية، وفق التمهيد الصادر من واشنطن، لا تتعلق فقط بعرض موقف أميركي من الأزمات الجارية، بل بتقديم تصور أوسع لدور الولايات المتحدة في النظام الدولي. وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن مسؤولا في البيت الأبيض قال إن ترامب سيشرح كيف يوظف "قوة أميركا" لمواجهة تحديات طويلة الأمد و"إعادة تشكيل العالم" لصالح الولايات المتحدة، مع الإشارة إلى أمثلة تشمل منع إيران من امتلاك سلاح نووي، ومواجهة عنف العصابات، وزيادة الحضور العسكري الأميركي في غرينلاند.

توقيت الخطاب: أسبوع أممي مزدحم بالأزمات

تكتسب كلمة ترامب أهميتها أيضا من توقيتها؛ فالمناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة بدأت رسميا الثلاثاء 22 سبتمبر 2026، وتستمر حتى السبت 26 سبتمبر، ثم تُستأنف يوم الاثنين 28 سبتمبر، بحسب الموقع الرسمي للأمم المتحدة. وتحمل دورة هذا العام شعارا يركز على استعادة الثقة وإدارة التحولات وبناء أمم متحدة أكثر قدرة على الإنجاز للجميع.

هذا السياق يهم القارئ المصري والعربي على نحو مباشر، لأن جدول أعمال الأسبوع الرفيع المستوى لا ينفصل عن قضايا المنطقة: أمن الطاقة، الملاحة الدولية، التهدئة في الشرق الأوسط، وتداعيات الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد والأمن. وفي ظل الضغوط الواقعة على المؤسسات الدولية، يأتي خطاب الرئيس الأميركي كجزء من صراع أوسع على تعريف من يملك زمام المبادرة في النظام العالمي، وهل ما تزال الأمم المتحدة قادرة على لعب دور فاعل أم أنها تتحول أكثر فأكثر إلى منصة تعكس موازين القوى بدلا من أن تضبطها.

إيران في صدارة الرسائل الأميركية

الملف الإيراني حضر بقوة في التوقعات المسبقة للخطاب. فأسوشيتد برس أشارت إلى أن ترامب تحدث أمام الجمعية العامة في ظل توتر عالمي مرتبط بالحرب مع إيران، كما نفى خلال مداخلاته أن تكون الترسانة الأميركية من الأسلحة المتقدمة قد استنزفت بسبب تلك الحرب. هذا الربط بين الخطاب الأممي والملف الإيراني يعكس أولوية واضحة لدى الإدارة الأميركية: تقديم استخدام القوة باعتباره أداة ردع ووسيلة لفرض شروط تفاوضية جديدة.

ومن منظور عربي، يظل هذا التطور بالغ الحساسية. فأي تصعيد أميركي-إيراني ينعكس سريعا على أسعار الطاقة وحركة الشحن وسلاسل الإمداد، خاصة مع ارتباط الأسواق العالمية بممرات بحرية حيوية في المنطقة. كما أن أي حديث أميركي عن منع طهران من امتلاك سلاح نووي يفتح مجددا أسئلة التوازن الإقليمي، وحدود الردع، وفرص العودة إلى مسارات سياسية أقل كلفة على المنطقة.

ما الذي تريد واشنطن قوله من على منبر الأمم المتحدة؟

البيت الأبيض حاول، من خلال التمهيد للخطاب، أن يقدم صورة رئيس يربط بين السياسة الخارجية والداخلية في آن واحد. الفكرة هنا أن الإدارة لا تتحدث عن القوة الأميركية باعتبارها شعارا مجردا، بل باعتبارها وسيلة لحماية ما تعتبره مصالح وطنية مباشرة: الأمن، النفوذ، الطاقة، والقدرة على ردع الخصوم. ولهذا بدا الخطاب المتوقع أقرب إلى إعلان رؤية منه إلى مجرد مداخلة دبلوماسية تقليدية.

وتكشف أجندة اليوم نفسه عن هذا المعنى؛ فبعد كلمة ترامب، كان مقررا أن يعقد لقاءات مع رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام، ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي، إضافة إلى اجتماع غير رسمي مع الرئيسة الفنزويلية القائمة بالأعمال ديلسي رودريغيز، بحسب ما أوردته أسوشيتد برس نقلا عن البيت الأبيض. وتشير هذه اللقاءات إلى أن واشنطن تريد أن تجمع بين خطاب القوة والتحرك العملي مع حلفاء وشركاء وخصوم في ملفات متشابكة.

الأمم المتحدة بين اختبار الشرعية وواقع موازين القوة

العودة الأميركية إلى منبر الجمعية العامة تأتي أيضا في وقت تتعرض فيه الأمم المتحدة نفسها لأسئلة صعبة بشأن الفاعلية والشرعية. فموقع الأمم المتحدة يبرز هذا العام ملفات تمتد من الحوكمة الرقمية والذكاء الاصطناعي إلى المناخ والصحة والسلام والأمن. لكن الواقع السياسي يفرض معضلة أعمق: القرارات الدولية تظل رهينة إرادات الدول الكبرى، بينما تتراكم الأزمات بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على احتوائها.

ومن هنا، فإن حديث ترامب عن "إعادة تشكيل العالم" يمكن قراءته باعتباره مؤشرا إلى نزعة أكثر صراحة نحو إعادة ترتيب الأولويات الدولية وفقا لمصالح القوى الكبرى، لا وفقا لاعتبارات التوافق الجماعي فقط. وهذه المقاربة ليست جديدة بالكامل في السياسة الأميركية، لكنها تكتسب وزنا إضافيا حين تصدر من رئيس يربط علنا بين التفوق الأميركي وإعادة رسم قواعد اللعبة الدولية.

لماذا يهم هذا التطور مصر والمنطقة العربية؟

بالنسبة إلى المتابع في مصر، لا يقف الخبر عند حدود السجال الأميركي الداخلي أو المشهد الأممي في نيويورك. فكل تحول في تعريف واشنطن لدورها العالمي يترك بصمة على الإقليم العربي، سواء عبر أسعار النفط والغاز، أو ممرات التجارة، أو أنماط التحالفات، أو مقاربات التسوية في بؤر النزاع. كما أن ربط القوة الأميركية بملفات مثل إيران والأمن البحري والردع العسكري يجعل الشرق الأوسط في قلب الحسابات، حتى عندما تُعرض القضية بصياغة أميركية داخلية.

كذلك، فإن تزايد الحديث الدولي عن الذكاء الاصطناعي خلال أسبوع الأمم المتحدة يضيف بُعدا جديدا يمس دول المنطقة. فالتنافس على التكنولوجيا لم يعد منفصلا عن الأمن القومي أو النفوذ الاقتصادي. وفي هذا السياق، تبدو الرسالة الأميركية مزدوجة: الحفاظ على التفوق العسكري، وامتلاك اليد العليا في أدوات المستقبل، من السلاح إلى الخوارزمية.

خلاصة المشهد

في المحصلة، لم يكن التمهيد لخطاب ترامب في الأمم المتحدة مجرد إعلان بروتوكولي عن مشاركة رئيس دولة في المناقشة العامة، بل كان إشارة واضحة إلى خطاب يريد أن يضع القوة الأميركية في صدارة المشهد الدولي. الرسالة التي سبقت الكلمة تقول إن واشنطن لا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تسعى إلى توجيه مسارها وإعادة ترتيب نتائجها بما ينسجم مع مصالحها.

وبينما تتواصل أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة حتى 28 سبتمبر 2026، سيبقى السؤال الأهم بالنسبة إلى المنطقة العربية هو ما إذا كان هذا النهج الأميركي سيدفع نحو مزيد من التصعيد في الملفات الساخنة، أم أنه سيُستخدم كورقة ضغط لفرض تسويات جديدة. وفي الحالتين، فإن ما يجري في نيويورك لا يظل داخل قاعات المنظمة الدولية، بل يمتد أثره إلى أسواق الطاقة، وتوازنات الأمن، وحسابات العواصم العربية في مرحلة تتسم بسيولة غير مسبوقة في النظام الدولي.