ترامب وإيران.. التهديد بالقصف ثم العودة إلى التفاوض
نمط متكرر: تهديد عسكري يسبقه تصعيد ويلحقه تراجع
خلال السنوات الأخيرة، تحوّل ملف إيران إلى واحد من أكثر الملفات التي أظهر فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) أسلوبه التفاوضي القائم على الضغط الأقصى ثم فتح باب التراجع التكتيكي. الفكرة لم تكن جديدة: رفع سقف التهديد إلى حد الحديث عن ضربات مباشرة، ثم إرجاء التنفيذ أو تجميده بدعوى منح الدبلوماسية فرصة إضافية، أو انتظار «اتفاق أفضل»، أو إعادة تقييم الكلفة السياسية والعسكرية.
هذا النمط لا يهم واشنطن وطهران وحدهما، بل يعني المنطقة العربية مباشرة، خصوصًا دول الخليج والعراق وبلدان الممرات البحرية الحيوية، لأن أي تصعيد أمريكي-إيراني ينعكس فورًا على أمن الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز وأسواق النفط والغاز التي تتابعها القاهرة والعواصم العربية بدقة.
أول محطة بارزة: يونيو 2019 بعد إسقاط الطائرة المسيّرة
تظل واقعة 20 يونيو 2019 الأشهر في هذا السياق. بعد إسقاط إيران طائرة أمريكية مسيّرة، جرى تداول تقارير واسعة عن موافقة ترامب على توجيه ضربات عسكرية ثم إيقافها في اللحظات الأخيرة. ترامب قال لاحقًا إن من بين أسباب التراجع أن الرد المقترح قد يؤدي إلى سقوط نحو 150 شخصًا، معتبرًا أن ذلك لا يتناسب مع إسقاط الطائرة. هذه الواقعة رسخت صورة رئيس يقترب من حافة المواجهة ثم يتراجع قبل التنفيذ.
وبالنسبة للمنطقة، حملت تلك اللحظة رسالة مزدوجة: واشنطن مستعدة للتهديد، لكنها ليست بالضرورة راغبة في حرب مفتوحة مع إيران إذا كانت الكلفة مرتفعة. وهذا التقدير ظل حاضرًا في حسابات العواصم العربية منذ ذلك الوقت.
الضغط الأقصى في 2025.. لهجة أشد ولكن مع هامش تفاوض
مع عودته إلى البيت الأبيض، أعاد ترامب في 4 فبراير 2025 سياسة «الضغط الأقصى» على إيران عبر مذكرة رئاسية هدفت إلى حرمان طهران من مسارات امتلاك سلاح نووي، وتشديد العقوبات، ومواجهة نفوذها الإقليمي. هذا القرار أعاد الملف الإيراني إلى صدارة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وأرسل إشارة واضحة بأن الإدارة الجديدة لن تتعامل بمرونة مع البرنامج النووي أو شبكات طهران المسلحة في الإقليم.
لكن اللافت أن الخطاب المتشدد لم يمنع استمرار الحديث الأمريكي عن إمكان التفاوض. وهنا بدا التناقض الظاهري: تصعيد في العقوبات والتهديد، مع إبقاء باب التفاهم مواربًا إذا قبلت إيران بالشروط الأمريكية أو خففت من مستوى التصعيد.
يونيو 2025: واشنطن تنأى بنفسها عن الضربات الإسرائيلية
في 12 يونيو 2025، أكدت الإدارة الأمريكية رسميًا أنها لم تشارك في الضربات الإسرائيلية ضد إيران، مشددة على أن أولويتها حماية القوات الأمريكية في المنطقة. هذا الموقف عكس حرصًا على تفادي الانزلاق المباشر إلى مواجهة شاملة، رغم المناخ المشحون بين الطرفين.
وبالمعنى السياسي، بدا أن ترامب أراد الإبقاء على عنصر الردع من دون تحمل كلفة فتح حرب أمريكية كاملة على الأراضي الإيرانية في تلك اللحظة. بالنسبة للمنطقة العربية، كان ذلك مهمًا لأن اتساع الحرب كان سيهدد فورًا الملاحة والطاقة وسلاسل الإمداد.
من التلويح إلى الضرب الفعلي ثم العودة إلى التهدئة
المشهد ازداد تعقيدًا لاحقًا في يونيو 2025، حين تحدث البيت الأبيض عن ضربات أمريكية وُصفت بأنها استهدفت منشآت نووية إيرانية، مع تأكيد الإدارة أن هذه العمليات جاءت بعد استنفاد المسارات الدبلوماسية، وأن واشنطن لا تريد لإيران امتلاك سلاح نووي. ورغم هذا الانتقال من التهديد إلى الفعل، عاد الخطاب نفسه ليؤكد أن الهدف ليس حربًا بلا نهاية، بل فرض معادلة تفاوض جديدة.
هذا التبدل بين استخدام القوة والحديث عن «فرصة أخيرة» للتفاوض كرّس الانطباع بأن ترامب لا يتعامل مع إيران بمنطق ثابت، بل بمنهج تفاوضي متقلب: يرفع الكلفة أولًا، ثم يختبر ما إذا كانت طهران ستقدم تنازلات.
2026: الحرب الأوسع ثم وقفها بقرار رئاسي
بحسب وثائق رسمية أمريكية نُشرت في 2026، فإن الأعمال القتالية بين الولايات المتحدة وإيران التي بدأت في 28 فبراير 2026 انتهت بوقف إطلاق نار أمر به ترامب في 7 أبريل 2026. كما تحدثت الإدارة لاحقًا عن اتفاق أوسع مع إيران أُعلن في 19 يونيو 2026، وقدّمته بوصفه نتيجة لمزيج من الضغط العسكري والتفاوض السياسي.
هنا يظهر شكل آخر من التراجع: ليس فقط إلغاء ضربة قبل وقوعها، بل وقف حملة عسكرية بعد انطلاقها، ثم الانتقال إلى خطاب الاتفاق. وبالنسبة للمتابع العربي، فالمغزى واضح: حتى بعد المواجهة المباشرة، ظل البيت الأبيض يبحث عن مخرج تفاوضي يضمن عدم الغرق في حرب طويلة في الخليج.
لماذا يتراجع ترامب؟
1- كلفة الحرب على المنطقة والقوات الأمريكية
أي مواجهة مع إيران لا تبقى داخل حدودها. القواعد الأمريكية في الخليج والعراق، والممرات المائية، وأسواق الطاقة، كلها تدخل دائرة الخطر. لذلك فإن قرار الضربة لا يتعلق فقط بالقدرة العسكرية، بل أيضًا بمدى تحمل واشنطن وحلفائها ردًا إيرانيًا واسعًا.
2- النفط ومضيق هرمز
أسعار الطاقة تظل عاملًا حاسمًا. وفي أحدث موجات التهدئة، هبطت أسعار النفط بأكثر من 5% بعد تعليق الهجمات الأمريكية على إيران، في إشارة إلى حساسية الأسواق الشديدة لأي قرار يخص الحرب أو وقفها. وهذا البعد يهم مصر والمنطقة لأن ارتفاع النفط يضغط على كلفة الاستيراد والشحن والتضخم.
3- التفاوض بوصفه أداة لا بديلًا
ترامب يستخدم التهديد غالبًا لتحسين شروط التفاوض، لا لإغلاقه. فحتى حين يرفع سقف المواجهة، يعود لطرح فكرة الاتفاق أو إعطاء الوسطاء فرصة. هذا ما يجعل التراجع جزءًا من أسلوبه، لا مجرد تردد عابر.
4- الحسابات الداخلية الأمريكية
الرئيس الأمريكي يعرف أن حربًا طويلة في الشرق الأوسط قد تتحول إلى عبء داخلي سياسي واقتصادي، خصوصًا إذا ارتفعت الخسائر أو أسعار الوقود أو توسعت رقعة الاشتباك. لذلك يظل خيار التهدئة حاضرًا حتى في ذروة التصعيد.
كيف تقرأ المنطقة العربية هذا النمط؟
في العالم العربي، لا يُنظر إلى التراجع الأمريكي عن ضرب إيران باعتباره ضعفًا بالضرورة، بل بوصفه اعترافًا بأن إشعال حرب كبرى في الخليج ستكون له ارتدادات تتجاوز واشنطن وطهران. الدول العربية المطلة على الخليج، وكذلك مصر بوصفها معنية بأمن البحر الأحمر واستقرار الطاقة والتجارة، تتابع هذا الملف من زاوية عملية: هل يقترب الإقليم من مواجهة واسعة أم من تسوية مؤقتة؟
المؤكد أن نمط «التهديد ثم التراجع» صار جزءًا من شخصية إدارة ترامب في التعامل مع إيران. لكنه أيضًا يكشف حقيقة أعمق: المنطقة شديدة الهشاشة إلى درجة تجعل أي قرار عسكري أمريكي ضد طهران محفوفًا بكلفة لا يمكن تجاهلها.
الخلاصة
سواء كان الحديث عن ضربة أُلغيَت في 2019، أو عن ضغوط 2025، أو عن وقف القتال في 2026، فإن الخيط المشترك واحد: ترامب يلوّح بالقوة إلى أقصى مدى، ثم يعود غالبًا إلى مساحة التفاوض حين تصبح كلفة المواجهة أعلى من مكاسبها. لهذا تبدو العلاقة مع إيران، حتى الآن، محكومة بمعادلة غير مستقرة: تصعيد محسوب، ورسائل نارية، ثم تراجع يفتح بابًا جديدًا للدبلوماسية.
- أبرز التواريخ: 20 يونيو 2019، 4 فبراير 2025، 12 يونيو 2025، 28 فبراير 2026، 7 أبريل 2026، 19 يونيو 2026.
- أهم الملفات المرتبطة: البرنامج النووي الإيراني، أمن الخليج، مضيق هرمز، أسعار النفط، وحماية القوات الأمريكية في المنطقة.
- الدلالة الإقليمية: أي قرار أمريكي تجاه إيران لا يخص الطرفين وحدهما، بل يمتد أثره مباشرة إلى العالم العربي.