Akhbar Cairo

ترامب وإيران: لماذا لا تكفي لغة السيطرة لصنع الاستقرار؟

بين انعدام الثقة وإعلان السيطرة: ماذا يقول ترامب فعلاً عن إيران؟

حين يتحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) عن إيران بلغة حادة، فهو لا يكتفي بإرسال رسالة إلى طهران وحدها، بل يخاطب كذلك الداخل الأمريكي، وحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، وأسواق الطاقة التي تراقب أي إشارة مرتبطة بمضيق هرمز أو بمستقبل التوتر العسكري. وفي أحدث مواقفه العلنية، كرر ترامب أنه لا يثق في إيران، مؤكداً في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة “تسيطر على الوضع”، وأضاف أنه يتلقى تهديدات كثيرة، وأن الشخصيات ذات التأثير الكبير تكون عادة هدفاً لمثل هذه التهديدات. هذه الصياغة لا تبدو مجرد تعليق عابر، بل جزء من خطاب سياسي متكامل يقوم على الجمع بين إظهار الصلابة الشخصية وتأكيد التفوق الأمريكي.

الثابت، وفق الصفحة الرسمية للبيت الأبيض، أن ترامب يشغل حالياً منصب الرئيس الـ45 والـ47 للولايات المتحدة، بعد عودته إلى البيت الأبيض في 20 يناير 2025، بينما عرضت جمعية البيت الأبيض التاريخية الصورة الرسمية الأحدث له بتاريخ 2 يونيو 2025 بعدسة المصور دانيال توروك. كما أصدرت الإدارة الأمريكية خلال 2025 و2026 سلسلة بيانات تؤكد أن إيران ما زالت تُعامل في واشنطن باعتبارها تهديداً للأمن القومي الأمريكي ولمصالح الولايات المتحدة في المنطقة.

لغة القوة أكثر من كونها خطة سياسية

من المهم هنا التمييز بين مستويين في خطاب ترامب. الأول هو المستوى الإعلامي، حيث يفضّل الرئيس الأمريكي العبارات القاطعة من نوع “لا أثق” و”نحن نسيطر”. أما المستوى الثاني فهو العملي، وفيه تبدو الصورة أكثر تعقيداً؛ إذ تشير تغطيات حديثة لوكالة أسوشيتد برس إلى أن واشنطن لا تزال تتحرك داخل مساحة تفاوضية وأمنية مرتبطة بمضيق هرمز، وأن أي اتفاق محتمل مع طهران يتطلب تنازلات أو على الأقل صياغات لا تُظهر الولايات المتحدة في موقع المتراجع. بمعنى آخر، إعلان السيطرة لا يلغي وجود أزمة مفتوحة، بل قد يكون جزءاً من إدارة هذه الأزمة نفسياً وسياسياً.

ومن زاوية تحليلية، فإن حديث ترامب عن التهديدات التي يتعرض لها يخدم أكثر من غرض. فهو أولاً يعزز صورة “الزعيم المستهدف لأنه مؤثر”، وهي صورة استخدمها مراراً في مسيرته السياسية. وثانياً، يربط أمنه الشخصي بالصراع الأكبر مع خصوم الولايات المتحدة، بما يجعل أي تهديد ضده امتداداً للمعركة مع إيران أو مع قوى إقليمية حليفة لها. وثالثاً، يمنح الخطاب بُعداً درامياً يسهّل تسويقه انتخابياً وإعلامياً، حتى عندما تكون الوقائع على الأرض أكثر تشابكاً من الشعارات.

أين تقف إيران في هذه المعادلة؟

في المقابل، لا تُظهر المؤشرات المتاحة أن طهران تتعامل مع التصريحات الأمريكية باعتبارها نهاية للمواجهة. تقارير حديثة نقلتها وسائل عربية عن رويترز خلال 2026 تحدثت عن تشدد إيراني في التفاوض، وعن تمسك طهران بمطالب كبيرة إذا انتقلت الاتصالات إلى صيغة أكثر جدية، بينها ضمانات أمنية وتعويضات وملفات مرتبطة بحرية الملاحة. كما أشارت تقارير أخرى إلى استمرار قنوات الرسائل غير المباشرة، بما يعني أن التوتر العلني لا يمنع استمرار الدبلوماسية الخلفية.

هنا تظهر المفارقة الأساسية: ترامب يعلن أنه لا يثق في إيران، لكن السياسة الأمريكية نفسها لا تستطيع تجاهل أن أي انفجار واسع مع طهران ستكون له تكلفة مباشرة على حركة التجارة والطاقة وأسعار الشحن والتأمين. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذه النقطة ليست بعيدة أو نظرية؛ لأن أي اضطراب ممتد في الخليج أو البحر الأحمر ينعكس سريعاً على كلفة الواردات والطاقة، ويؤثر على سلاسل الإمداد العالمية التي تمس السوق المصرية بشكل غير مباشر.

مضيق هرمز: العقدة التي تمنع الحسم الكامل

إذا كان هناك ملف واحد يختصر جوهر الأزمة، فهو مضيق هرمز. هذا الممر البحري ليس تفصيلاً جغرافياً، بل عقدة استراتيجية تحدد كيف يُقاس النفوذ في الخليج. أسوشيتد برس أفادت في تغطيات متلاحقة خلال أغسطس 2026 أن هناك حديثاً عن ترتيبات أو تفاهمات مرتبطة بإعادة فتح المسار الحيوي، لكن مع خلاف جوهري حول من يملك حق فرض شروطه هناك. وتؤكد الإدارة الأمريكية، في تصريحات رسمية منشورة على موقع البيت الأبيض، أن إيران “لا تسيطر على المضيق”، وأن البحرية الأمريكية تحتفظ بقدراتها في المنطقة. ومع ذلك، فإن مجرد بقاء الملف مفتوحاً يعني أن السيطرة الأمريكية، كما تُعرض في الخطاب السياسي، ليست مرادفاً لحل نهائي أو لاستقرار مضمون.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة عبارة ترامب عن “السيطرة على الوضع” باعتبارها أقرب إلى إدارة المخاطر لا إلى إنهاء الأزمة. فالسيطرة قد تعني منع الانزلاق الفوري، أو الحفاظ على التفوق العسكري، أو ردع الخصم من تجاوز خطوط حمراء. لكنها لا تعني بالضرورة أن جذور الصراع قد اختفت، ولا أن الثقة عادت، ولا أن الإقليم دخل مرحلة تسوية مستقرة.

كيف يقرأ الشرق الأوسط هذه الرسائل؟

في الشرق الأوسط، خصوصاً لدى الدول التي تفضّل خفض التصعيد وحماية الممرات المائية، لا تُستقبل مثل هذه التصريحات باعتبارها مجرد استعراض سياسي. بل تُقرأ بوصفها مؤشراً على نوايا واشنطن المقبلة: هل تتجه إلى ضغط اقتصادي أطول؟ هل تُبقي خيار الضربات قائماً؟ أم أنها تريد تحسين شروط التفاوض فقط؟ تقرير حديث لموقع أكسيوس أشار إلى أن ترامب لمح إلى نهج أكثر “هدوءاً” مع إيران، يقوم على ترك الضغط الاقتصادي يتراكم بدلاً من التسرع في هجوم جديد، وهو ما يفتح الباب أمام استنتاج مهم: الخطاب العنيف لا يعني دائماً قراراً عسكرياً وشيكاً، بل قد يكون أداة مساومة محسوبة.

بالنسبة لمصر، يبقى المعيار العملي هو أثر هذه السياسة على استقرار الإقليم، وحركة الملاحة، وأسعار النفط، ودرجة التوتر في البحرين الأحمر والعربي. فالقاهرة، مثل كثير من العواصم العربية، ليست معنية فقط بما يقوله ترامب، بل بما إذا كانت واشنطن قادرة فعلاً على تحويل معادلة الردع إلى تهدئة مستدامة. وحتى الآن، لا توجد أدلة كافية على أن الطريق صار ممهداً تماماً نحو تسوية نهائية.

خلاصة الرأي: خطاب الهيبة لا يعادل بالضرورة حلاً

تصريحات ترامب الأخيرة عن إيران تكشف جوهر أسلوبه السياسي: التشديد على القوة، والتلويح بالتهديد، وصناعة صورة الزعيم الذي يواجه أخطاراً لأنه “مؤثر”. لكن في ميزان السياسة الدولية، لا تكفي لغة الثقة بالنفس وحدها لإغلاق ملف معقد مثل الملف الإيراني. فطالما بقيت أزمة الثقة قائمة، وطالما ظل مضيق هرمز ورقة نزاع، وطالما استمرت الرسائل المتبادلة عبر الوسطاء، فإن الحديث عن “السيطرة على الوضع” يظل وصفاً لحظةً بلحظة، لا عنواناً لتسوية مكتملة.

بكلمات أوضح: واشنطن قد تكون قادرة على الردع، لكنها لم تثبت بعد أنها قادرة على إنتاج استقرار دائم بشروطها وحدها. وهنا تحديداً تكمن المسافة بين الخطاب السياسي الصلب، والواقع الإقليمي الذي لا يزال يفرض على الجميع، بما فيهم ترامب، التفاوض مع التعقيد لا الاكتفاء بإعلانه من فوق المنصات.