ترامب يبرر هجومه على الإعلام: لا أحصل على تغطية جيدة
ترامب ومعركته المفتوحة مع الإعلام الأمريكي
عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) إلى تبرير هجومه المتكرر على عدد من وسائل الإعلام الأمريكية بالقول إنه لا يحصل على تغطية إعلامية جيدة أو منصفة. هذا الموقف ليس جديدًا في الحياة السياسية الأمريكية، لكنه يكتسب وزنًا أكبر كلما تصاعد التوتر بين البيت الأبيض والمؤسسات الصحفية الكبرى، خصوصًا عندما يتحول الخلاف من نقد سياسي إلى إجراءات تمس الوصول الإعلامي والتغطية اليومية.
وبحسب ما أظهرته مقابلات وتصريحات موثقة خلال فترات مختلفة من مسيرته السياسية، فإن ترامب ينظر إلى جزء معتبر من الإعلام الأمريكي باعتباره خصمًا سياسيًا أكثر منه ناقلًا للأخبار. وفي مقابلة أجرتها معه وكالة أسوشيتد برس في 21 أبريل 2017، قبل إتمام أول 100 يوم من ولايته الأولى، قال إنه كان يعتقد أنه بعد الفوز في الانتخابات سيحصل على تغطية أفضل، في إشارة إلى شعوره بأن وسائل إعلام كبرى تتعامل معه بعدائية مستمرة. كما وثقت سجلات The American Presidency Project تلك المقابلة ضمن أرشيف الرئاسة الأمريكية.
من الشكوى إلى الاشتباك المباشر
خلال السنوات الماضية، لم يكتف ترامب بانتقاد التغطية الصحفية، بل جعل من الهجوم على الإعلام جزءًا من خطابه السياسي الموجه إلى قاعدته الانتخابية. ومع عودته إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، تصاعد هذا النهج بصورة أكثر حدة، مع قرارات مثيرة للجدل طالت مؤسسات إعلامية بعينها.
ففي سبتمبر 2026، نقلت وكالة أسوشيتد برس أن ترامب أعلن منع شبكات ومؤسسات من بينها CNN وPolitico وMS NOW من دخول البيت الأبيض، مبررًا الخطوة بما وصفه بالتغطية غير المواتية و"الأخبار الزائفة". وبعد ذلك بأيام، عاد الجدل ليتجدد عندما استبعدت الإدارة الأمريكية شبكة CNN من رحلة على متن الطائرة الرئاسية Air Force One، في خطوة اعتُبرت امتدادًا للصراع مع الصحافة المعتمدة في واشنطن.
هذا النوع من القرارات يثير حساسية خاصة داخل الأوساط الإعلامية والحقوقية في الولايات المتحدة، لأن المسألة لا تتوقف عند حدود السجال السياسي، بل تمس عمليًا قدرة الصحفيين على متابعة أنشطة الرئيس ونقلها للرأي العام. ولهذا السبب، دخلت مؤسسات إخبارية في مسار قانوني للاعتراض على قيود الوصول، معتبرة أن ما يحدث يتجاوز حدود الخلاف السياسي التقليدي.
لماذا يكرر ترامب أنه لا ينال تغطية جيدة؟
في جوهر هذا الخطاب، يقدم ترامب نفسه بوصفه رئيسًا يتعرض لمعاملة إعلامية قاسية رغم ما يعتبره إنجازات سياسية واقتصادية وأمنية. ومن زاويته، فإن المشكلة ليست في الأداء بل في الطريقة التي تُروى بها الأخبار. هذا المنطق يخاطب جمهورًا واسعًا من أنصاره الذين يرون بالفعل أن الإعلام الأمريكي التقليدي منحاز ضده.
وفي أحدث الشواهد على ذلك، أوردت أسوشيتد برس في تغطية منشورة في 1 أكتوبر 2026 أن ترامب اشتكى من ضعف تسويق ما يعتبره نجاحات إدارته، وقال إن المشكلة تتعلق بسوء تقديم هذه الإنجازات للرأي العام أكثر من كونها أزمة نتائج. وتزامن ذلك مع مناخ سياسي ضاغط، بعد استطلاع رأي أجراه مركز AP-NORC أظهر تراجعًا ملحوظًا في تقييم الأمريكيين لأدائه في ملفات اقتصادية ومعيشية، بينها تكلفة المعيشة.
من هنا، يمكن فهم هجوم ترامب على الإعلام باعتباره أداة دفاعية وهجومية في آن واحد: دفاعية لأنه يستخدمها لتفسير التراجع في الشعبية أو تصاعد الانتقادات، وهجومية لأنها تمنحه فرصة لحشد مؤيديه ضد خصم واضح ومحدد. وفي السياسة الأمريكية، غالبًا ما يكون تحديد "خصم داخلي" وسيلة فعالة لتعبئة الأنصار، خصوصًا في أجواء الاستقطاب الحاد.
الصحافة الأمريكية بين الحرية والاستقطاب
بالنسبة إلى القارئ في مصر وإفريقيا، تبدو هذه المعركة مهمة ليس فقط لأنها تخص الولايات المتحدة، بل لأنها تعكس كيف تؤثر العلاقة بين السلطة والإعلام في صورة الديمقراطيات الكبرى عالميًا. الولايات المتحدة تقدم نفسها تاريخيًا بوصفها حامية لحرية الصحافة، لكن التوترات المتكررة بين الرئاسة ووسائل الإعلام تكشف أن هذه الحرية تبقى عرضة لاختبارات سياسية حادة، خاصة في اللحظات الانتخابية والاستقطابية.
كما أن أثر الخطاب الأمريكي يمتد خارج حدوده. فعندما يهاجم رئيس أمريكي الصحافة بشكل متكرر، فإن ذلك ينعكس على النقاشات العالمية حول مصداقية الإعلام وحدود النقد المشروع وحقوق المؤسسات الصحفية في الوصول إلى المعلومات. وفي فضاءات إفريقية عديدة، حيث لا تزال معارك حرية التعبير مستمرة، تتابع النخب السياسية والإعلامية هذا النموذج الأمريكي باهتمام شديد، سواء للتحذير منه أو للاستفادة من دروسه.
ما الذي يعنيه هذا الصدام سياسيًا؟
الصدام بين ترامب ووسائل الإعلام ليس مجرد خلاف شخصي مع مذيعين أو صحف بعينها، بل جزء من معركة أكبر على من يملك رواية الواقع أمام الجمهور. الإعلام التقليدي في أمريكا يرى أن مهمته محاسبة السلطة وتدقيق روايتها، بينما يتعامل ترامب مع كثير من هذا التدقيق باعتباره استهدافًا مقصودًا.
وتكمن المفارقة في أن هذا الاشتباك يحقق منفعة متبادلة أحيانًا: ترامب يحصل على حضور دائم في العناوين الرئيسية، ووسائل الإعلام تستفيد من المتابعة العالية لكل ما يرتبط باسمه. لكن عندما ينتقل الأمر إلى التضييق على التغطية أو تقليص الوصول، يصبح السؤال أكبر من نسب المشاهدة والانتشار، ويتحول إلى مسألة مؤسسية تتعلق بحق الجمهور في المعرفة.
- أولًا: ترامب يعتبر التغطية السلبية دليلًا على انحياز إعلامي ضده.
- ثانيًا: مؤسسات صحفية ترى أن الهجوم الرئاسي يهدد حرية الوصول إلى المعلومات.
- ثالثًا: القاعدة الانتخابية الجمهورية تتفاعل بقوة مع خطاب "الإعلام المعادي".
- رابعًا: التوتر يتصاعد أكثر في لحظات التراجع في الشعبية أو اشتداد الضغط السياسي.
زاوية إفريقية: لماذا يهمنا الخبر؟
إدراج هذا الملف ضمن تغطية قسم أفريقيا له ما يبرره من منظور أوسع: صورة الولايات المتحدة في القارة لا تتشكل فقط عبر السياسات الخارجية، بل أيضًا عبر شكل الحكم والخطاب العام داخلها. في عواصم إفريقية كثيرة، من أديس أبابا إلى نيروبي وكيب تاون وأبوجا، يُنظر إلى علاقة واشنطن بإعلامها بوصفها مؤشرًا على متانة المؤسسات الأمريكية.
وبالنسبة لمصر، فإن متابعة هذا النوع من الملفات تساعد القارئ على فهم كيف تتقاطع السياسة مع الإعلام في أكبر قوة دولية مؤثرة في ملفات القارة، من الأمن في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، إلى المنافسة الدولية على النفوذ في إفريقيا. فكلما زاد انشغال الإدارة الأمريكية بصراعاتها الداخلية، انعكس ذلك على أولوياتها الخارجية، بما فيها ملفات إفريقية حساسة.
خلاصة المشهد
إصرار ترامب على القول إنه لا يحصل على تغطية إعلامية جيدة يكشف جانبًا ثابتًا في شخصيته السياسية: الرغبة في خوض المعركة على مستوى السرد الإعلامي بقدر خوضها على مستوى القرار السياسي. وبينما يرى أنصاره أنه يواجه مؤسسة إعلامية متحيزة، يحذر منتقدوه من أن تحويل الصحافة إلى خصم دائم يضغط على قواعد العمل الديمقراطي ذاتها.
وفي كل الأحوال، فإن ما يجري في واشنطن اليوم لا يخص الداخل الأمريكي وحده. فهذه المعركة، بكل ما تحمله من رسائل حول السلطة والإعلام والثقة العامة، تظل ذات صدى واسع في إفريقيا والعالم العربي، حيث تتزايد الأسئلة يومًا بعد يوم حول من يصنع الخبر، ومن يملك روايته، ومن يحدد في النهاية ما إذا كانت التغطية "جيدة" أم فقط غير مريحة للسلطة.