Akhbar Cairo

ترامب يتحدث عن اتفاق مع إيران وسط رهانات هرمز

ترامب يعيد ملف إيران إلى الواجهة

عاد ملف العلاقات الأمريكية الإيرانية إلى صدارة المشهد الدولي بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@potus على إنستغرام) قال فيها إن الإيرانيين يريدون بشدة إبرام اتفاق، مضيفًا أن الولايات المتحدة تسيطر بالكامل على مضيق هرمز. ورغم أن هذا النوع من التصريحات ليس جديدًا في الخطاب الأمريكي تجاه طهران، فإن توقيته هذه المرة يكتسب أهمية خاصة في ظل استمرار التوترات المرتبطة بالملاحة والطاقة في الخليج، وما يترتب عليها من انعكاسات مباشرة على اقتصادات المنطقة، بما فيها مصر.

اللافت أن التصريحات الأمريكية جاءت ضمن سياق أوسع يتناول مستقبل الترتيبات الأمنية في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي يظل أحد أهم شرايين التجارة العالمية في النفط والغاز. كما تعكس هذه التصريحات تمسك واشنطن بالضغط السياسي والاقتصادي على إيران، بالتوازي مع الإبقاء على باب التفاوض مفتوحًا إذا ما توفرت شروط اتفاق جديد أو تفاهم مرحلي.

ما الذي قاله ترامب تحديدًا؟

بحسب تقارير متقاطعة نشرتها وسائل إعلام دولية استنادًا إلى تصريحات ومواقف من الإدارة الأمريكية، أكد ترامب أن طهران تبدو حريصة على التوصل إلى اتفاق، وربط ذلك بملف مضيق هرمز وحرية الملاحة فيه. كما تردد الموقف نفسه في تغطيات دولية أشارت إلى أن الخطاب الأمريكي يركز على إعادة فتح الممرات البحرية الحيوية وضمان عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، مع استخدام لغة ضغط عالية تجاه طهران.

في المقابل، تبقى مسألة “السيطرة الكاملة” على مضيق هرمز توصيفًا سياسيًا أمريكيًا أكثر منه وصفًا قانونيًا بسيطًا، لأن المضيق يقع في منطقة شديدة الحساسية جغرافيًا واستراتيجيًا، وتتشابك فيه اعتبارات السيادة والمياه الدولية والوجود البحري للقوى الإقليمية والدولية. لذلك ينظر إلى هذه العبارة في الأوساط الدبلوماسية بوصفها رسالة ردع أكثر من كونها إعلانًا تقنيًا عن وضع ميداني ثابت.

لماذا يهم مضيق هرمز مصر والمنطقة؟

بالنسبة للقارئ المصري، قد يبدو مضيق هرمز بعيدًا جغرافيًا، لكنه في الحقيقة يرتبط مباشرة بأمن الطاقة، وأسعار الشحن، واستقرار سلاسل الإمداد، وحركة التجارة التي تنعكس في النهاية على قناة السويس والبحر الأحمر. ووفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، مرّ عبر المضيق في 2025 ما يقرب من 15 مليون برميل يوميًا من النفط الخام، أي نحو 34% من تجارة النفط الخام العالمية، ما يوضح حجم الحساسية الشديدة لأي اضطراب في هذا الممر.

كما تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن المضيق يُعد أحد أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، وأن جزءًا معتبرًا من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية يمر عبره أيضًا. وهذا يعني أن أي تصعيد عسكري أو أمني هناك لا يرفع فقط احتمالات اضطراب الإمدادات، بل ينعكس سريعًا على الأسعار العالمية، وهو ما تتابعه القاهرة عن كثب بحكم تأثيره على تكلفة الطاقة والنقل وسوق السلع.

قناة السويس في قلب المعادلة

أي حديث عن الخليج والممرات البحرية لا ينفصل عن قناة السويس، لأن اضطراب طرق التجارة في هرمز أو البحر الأحمر يعيد رسم خرائط الشحن العالمية. وقد أكدت هيئة قناة السويس برئاسة الفريق أسامة ربيع أن الهيئة كثفت خلال 2025 اتصالاتها مع الخطوط الملاحية الكبرى لمواكبة التطورات الأمنية في البحر الأحمر وباب المندب، والعمل على استعادة معدلات العبور الطبيعية.

وتظهر البيانات الرسمية المصرية حجم الضغوط التي تعرضت لها القناة في الفترة الماضية. فبحسب تصريحات رسمية نقلتها الهيئة العامة للاستعلامات، تراجعت إيرادات قناة السويس في 2024 إلى 3.991 مليار دولار مقارنة بـ10.25 مليارات دولار في 2023، كما أشار الرئيس عبد الفتاح السيسي في 9 مارس 2025 إلى أن مصر تخسر نحو 800 مليون دولار شهريًا بسبب الاضطرابات الإقليمية. ومن هنا، فإن أي تهدئة في هرمز أو البحر الأحمر تمثل مصلحة اقتصادية مباشرة لمصر.

بين التفاوض والضغط.. ماذا تريد واشنطن؟

قراءة التصريحات الأمريكية توحي بأن إدارة ترامب تحاول تثبيت معادلة مزدوجة: استمرار أقصى درجات الضغط على إيران، مع الإيحاء بأن الطريق لا يزال مفتوحًا أمام اتفاق إذا قبلت طهران بشروط تتعلق بالبرنامج النووي وسلوكها الإقليمي وحرية الملاحة. هذا النمط ليس جديدًا في السياسة الأمريكية، لكنه يكتسب حدة إضافية حين يقترن بملف حساس مثل هرمز.

ومن المهم هنا التمييز بين الرغبة في الاتفاق وبين قرب التوصل إليه فعليًا. فالتجارب السابقة أظهرت أن التصريحات السياسية المتفائلة لا تعني بالضرورة أن صياغة الاتفاق قد حُسمت، خصوصًا مع وجود قضايا معقدة تشمل تخصيب اليورانيوم، وآليات التفتيش، والعقوبات، وضمانات التنفيذ. لذلك يتعامل مراقبون مع كلام ترامب بوصفه جزءًا من إدارة التفاوض عبر الإعلام بقدر ما هو مؤشر على تطور حقيقي في المباحثات.

كيف تنظر طهران إلى الرسائل الأمريكية؟

إيران عادة ما ترفض الخطاب الذي يربط التفاوض بالإكراه العسكري أو الاقتصادي، وتصر على أن أي اتفاق يجب أن يراعي مصالحها وسيادتها. وبينما تظهر في بعض المراحل مؤشرات إلى مرونة تكتيكية، فإن الموقف الإيراني غالبًا ما يتشدد كلما ارتفع منسوب التهديد العلني. لذا فإن فرص التقدم لا تعتمد فقط على ما يقوله ترامب، بل على طبيعة القنوات الخلفية والوساطات الإقليمية والدولية القادرة على تقريب المواقف.

وفي هذا السياق، تلعب بعض العواصم الإقليمية أدوارًا متزايدة في التهدئة وفتح قنوات الاتصال، سواء لمنع اتساع المواجهة أو لتأمين الملاحة. وهذا المسار يهم أيضًا الدول الأفريقية المطلة على البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لأن أي خلل طويل في حركة التجارة والطاقة ينعكس على تكاليف الواردات وعلى الأمن الغذائي واللوجستي في مساحات واسعة من القارة.

الانعكاسات المحتملة على أفريقيا والاقتصاد المصري

من زاوية تخص قسم “أفريقيا”، فإن التوتر حول هرمز لا يقتصر أثره على الخليج. دول شرق أفريقيا والقرن الأفريقي تعتمد على استقرار طرق الملاحة في البحر الأحمر والمحيط الهندي لتأمين التجارة والوقود والسلع الأساسية. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة والشحن يضاعف الضغوط على اقتصادات هشة أصلًا، من السودان إلى دول الساحل وشرق القارة.

أما في مصر، فإن أي اختراق دبلوماسي يخفف التوتر في هرمز قد يدعم استقرار أسعار الطاقة ويمنح قطاع الشحن فرصة للتعافي التدريجي، وهو ما قد ينعكس إيجابًا على قناة السويس. وقد أعلنت الهيئة بالفعل خلال 2025 عن حوافز وتخفيضات لجذب بعض السفن الكبيرة، في محاولة لتسريع عودة الخطوط الملاحية إلى المسارات التقليدية عبر القناة بدلًا من الدوران حول رأس الرجاء الصالح.

خلاصة المشهد

تصريحات ترامب بشأن رغبة إيران في إبرام اتفاق، إلى جانب حديثه عن السيطرة الأمريكية على مضيق هرمز، تعكس مرحلة شديدة السيولة في واحد من أكثر ملفات العالم حساسية. وحتى الآن، لا يوجد ما يؤكد التوصل إلى اتفاق نهائي، لكن المؤكد أن المفاوضات والرسائل المتبادلة حول هرمز ستظل عنصرًا حاسمًا في معادلة الأمن الإقليمي والطاقة العالمية.

وبالنسبة لمصر، لا يُقرأ هذا الملف بوصفه خبرًا بعيدًا، بل باعتباره تطورًا يمس مصالح حيوية تبدأ من أسعار النفط ولا تنتهي عند إيرادات قناة السويس. لهذا تبدو متابعة ما يجري في هرمز جزءًا من قراءة أوسع لأمن المنطقة الأفريقية والعربية معًا، حيث تتداخل الجغرافيا البحرية مع الاقتصاد والسياسة في مشهد واحد شديد التعقيد.