ترامب يتمسك بالضغط على إيران وتعثر تفاهم هرمز
تعثر جديد في ملف هرمز بين واشنطن وطهران
تتزايد المؤشرات إلى أن التفاهم الذي جرى تداوله خلال الأشهر الماضية بشأن إعادة فتح مضيق هرمز لم يعد يحظى بالزخم نفسه داخل واشنطن، في وقت يتمسك فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالضغط على إيران وعدم تقديم تنازلات سريعة تتعلق بتخفيف الحصار البحري أو العقوبات. التطور الأخير يعكس اتساع الفجوة بين الطرفين، ويؤكد أن ملف الملاحة في الخليج ما زال رهينة حسابات عسكرية وسياسية معقدة تتجاوز مجرد عبور السفن.
تقارير منشورة في وسائل إعلام عربية ودولية خلال سبتمبر 2026 نقلت عن مصادر مطلعة أن الإدارة الأمريكية لا تبدو مستعدة حاليًا للعودة إلى تفاهم سابق كان مطروحًا لإعادة فتح المضيق مقابل مسار تفاوضي أوسع مع طهران. كما أظهرت تغطيات حديثة أن البيت الأبيض ما زال يربط أي انفراج عملي بتغيير ملموس في السلوك الإيراني وبضمانات تخص أمن الملاحة الدولية. في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 22 سبتمبر 2026، دافع ترامب عن نهجه تجاه إيران وأشار إلى ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل والعودة إلى طاولة التفاوض، ما يعكس أن الموقف الأمريكي لم يتحول إلى تسوية نهائية حتى الآن.
ما الذي تعثر بالضبط؟
جوهر الخلاف يدور حول ترتيب الأولويات: إيران تريد مقاربة تتضمن تخفيفًا للضغط البحري والعقوبات واعترافًا أوسع بمطالبها الأمنية والسيادية في محيط الخليج، بينما تسعى واشنطن إلى تأمين الملاحة أولًا، ومن ثم الانتقال إلى ملفات أكبر مثل البرنامج النووي وإنهاء الحرب وتهدئة الهجمات على السفن. هذا التباين جعل أي مذكرة تفاهم سابقة أو مقترحات وساطة لاحقة عرضة للاهتزاز السريع.
تغطيات مصرية نُشرت في 25 سبتمبر 2026 أشارت إلى أن وسطاء نقلوا مقترحات إيرانية تتحدث عن جدول زمني قصير يفضي في نهايته إلى فتح هرمز، لكن في المقابل نُقل عن مصادر أمريكية أن ترامب لا ينوي رفع الحصار البحري المفروض على إيران في هذه المرحلة. وفي مواد منشورة خلال أغسطس 2026، ظهرت كذلك معطيات عن رفض أمريكي وإقليمي لشروط إيرانية شملت مطالب تتعلق بترتيبات المرور والسيطرة على المضيق.
لماذا يبدو موقف ترامب قابلًا للتغير رغم التشدد؟
السياسة الأمريكية الحالية تقوم على مزيج من الضغط وترك باب الصفقة مواربًا. فالبيت الأبيض عاد أكثر من مرة إلى خطاب يقول إن القوة الأمريكية في المنطقة تمنح واشنطن موقعًا تفاوضيًا قويًا، لكنه لم يغلق الباب أمام اتفاق إذا لبى المصالح الأمريكية. وفي يوليو 2026، تحدثت إفادة منشورة على موقع البيت الأبيض عن استمرار أقصى ضغط على إيران مع إبقاء الباب مفتوحًا لاتفاق يخدم المصالح الأمريكية. لذلك، يمكن فهم الحديث عن احتمال تغير المواقف على أنه مرتبط بنتائج الوساطات، وكلفة استمرار التوتر، وما إذا كانت طهران ستقدم تنازلات حقيقية في ملف الملاحة.
أهمية مضيق هرمز بالنسبة للمنطقة العربية
بالنسبة للقارئ في مصر والمنطقة العربية، لا يتعلق الأمر بخلاف سياسي بعيد، بل بممر بحري يمس صميم الاقتصاد والطاقة. فوفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بلغ متوسط تدفقات النفط عبر مضيق هرمز في النصف الأول من عام 2025 نحو 20.9 مليون برميل يوميًا، أي ما يعادل قرابة 20% من استهلاك السوائل النفطية عالميًا وربع تجارة النفط البحرية في العالم. ولهذا فإن أي اضطراب في المضيق ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة، وتكاليف الشحن، وأسواق التأمين البحري.
الأثر لا يقتصر على دول الخليج المنتجة للنفط فقط، بل يمتد إلى الدول العربية المستوردة للطاقة أو المرتبطة بحركة التجارة العالمية، ومنها مصر التي تراقب باستمرار تداخل مسارات الطاقة والنقل البحري بين الخليج والبحر الأحمر وقناة السويس. صحيح أن هرمز ليس جزءًا من الممرات المصرية، لكن اضطرابه يربك السوق العالمية كلها، ويؤثر على تسعير الشحن والوقود وسلاسل الإمداد.
انعكاسات مباشرة على أسعار النفط والنقل
بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أظهرت أيضًا أن أسواق النفط خلال الربع الثاني من 2026 شهدت تقلبات واضحة بسبب تعثر إعادة فتح المضيق أمام الحركة التجارية، مع ارتفاع في تذبذب أسعار خام برنت. كما أشارت تقديرات أمريكية رسمية في يونيو 2026 إلى أن اضطرابات تدفق الخام والمنتجات النفطية عبر هرمز زادت الاعتماد على الإمدادات الأمريكية ودفعت الصادرات الصافية الأمريكية إلى مستويات قياسية خلال الربيع.
هذه الصورة تفسر سبب تمسك واشنطن بورقة الملاحة: المضيق ليس مجرد ملف أمني، بل أداة تأثير اقتصادية وسياسية كبرى. وفي المقابل، ترى طهران أن موقعها الجغرافي يمنحها أيضًا ورقة تفاوض لا يمكن تجاهلها.
الرهان على الوساطات الإقليمية
تعقيد الملف جعل الوسطاء الإقليميين أمام مهمة صعبة. فالتقارير المتاحة تشير إلى وجود محاولات لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، لكن المعضلة أن كل طرف يريد من الآخر الخطوة الأولى. الولايات المتحدة تريد مرورًا آمنًا ومستدامًا للسفن التجارية، بينما تريد إيران مكاسب ملموسة تسبق أي التزام نهائي منها. وبين المطلبين تتسع مساحة الشكوك، خاصة مع استمرار الحديث عن استعدادات لحرب أطول إذا فشلت الجهود السياسية.
من زاوية عربية، نجاح الوساطة يبقى الخيار الأقل كلفة. فالتصعيد في الخليج لا يهدد الدول المطلة عليه فقط، بل يرفع مستوى التوتر في الإقليم بأسره، من أسواق النفط إلى خطوط التجارة وحتى ملفات الأمن البحري في البحر الأحمر والبحر العربي.
ماذا يعني ذلك خلال الأسابيع المقبلة؟
السيناريو الأقرب حاليًا هو استمرار الجمود الحذر: لا اتفاق شامل، ولا تراجع أمريكي واضح عن سياسة الضغط، ولا في المقابل إغلاق كامل لباب التفاوض. ترامب، الذي يقود الملف بخطاب يقوم على إظهار القوة ثم التفاوض من موقع متقدم، قد يبدل تكتيكه إذا حصل على تعهدات يعتبرها كافية لفتح المضيق وضمان أمن الشحن. لكن حتى هذه اللحظة، لا توجد مؤشرات موثقة على اتفاق نهائي أو عودة مؤكدة إلى مذكرة التفاهم السابقة.
- أولًا: واشنطن ما زالت تركز على حرية الملاحة قبل أي تنازلات كبيرة لإيران.
- ثانيًا: طهران تواصل رفع سقف مطالبها في ما يخص الحصار البحري وترتيبات هرمز.
- ثالثًا: أسواق الطاقة العالمية ستظل شديدة الحساسية لأي تطور ميداني أو سياسي في المضيق.
- رابعًا: الدول العربية تتابع الملف باعتباره قضية أمن اقتصادي وإقليمي لا مجرد نزاع ثنائي.
خلاصة المشهد
الخبر الأهم ليس فقط أن ترامب يرفض، حتى الآن، تخفيف الضغط البحري على إيران، بل أن مستقبل مضيق هرمز ما زال معلقًا بين منطق الردع ومنطق الصفقة. وبينهما تقف المنطقة كلها أمام اختبار جديد: هل تنجح الوساطات في تثبيت ممر آمن للتجارة والطاقة، أم يستمر الخليج في دفع كلفة المواجهة المفتوحة؟ بالنسبة للعالم العربي، وخاصة الدول المتأثرة بأسواق الطاقة والشحن، فإن الإجابة لن تبقى حبيسة الدبلوماسية الأمريكية الإيرانية، بل ستنعكس على الاقتصاد والأمن والاستقرار الإقليمي في آن واحد.