ترامب يجدد هجومه على تمويل سد النهضة ويصفه بالخطأ الكبير
ترامب يعيد ملف سد النهضة إلى الواجهة من زاوية التمويل وتأثيره على مصر
عاد ملف سد النهضة الإثيوبي إلى صدارة النقاشات المرتبطة بالأمن المائي المصري بعد تصريحات جديدة أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام لم يتسنَّ التحقق منه بشكل موثوق، لذا يُذكر اسمه دون حساب)، انتقد فيها ما قال إنه تمويل أمريكي للمشروع، واعتبر أن حجز مياه النيل عن مصر خلق أزمة شديدة الحساسية. ورغم أن هذا النوع من التصريحات ليس جديدًا تمامًا في خطاب ترامب بشأن السد، فإن تكراره مجددًا يعكس استمرار حضور القضية في الخطاب السياسي الأمريكي عندما يتعلق الأمر بالعلاقة بين القاهرة وأديس أبابا.
وفي التغطيات المصرية الأخيرة، نقلت وسائل إعلام محلية أن ترامب وصف تمويل السد بأنه قرار خاطئ، مؤكدًا أن أزمة النيل بالنسبة إلى مصر ليست مسألة فنية عابرة، بل ترتبط مباشرة بأمنها القومي واحتياجاتها الأساسية من المياه. كما عادت الإشارة إلى حديثه عن رغبته في المساهمة في تسوية الأزمة، وهي نقطة سبق أن طُرحت أكثر من مرة خلال الشهور الماضية.
ما الذي قاله ترامب تحديدًا؟
المنشور الأحدث في الإعلام المصري جاء امتدادًا لتصريحات سابقة لترامب في 21 يناير 2026، عندما تحدث عن أزمة السد وقال إن الولايات المتحدة “موّلت” المشروع، وإنه يرى أن الأمر كان خطأ كبيرًا لأنه يتعلق بنهر النيل الذي تعتمد عليه مصر. ثم عاد في 17 يونيو 2026، خلال لقاء جمعه بالرئيس عبد الفتاح السيسي على هامش قمة مجموعة السبع في مدينة إيفيان الفرنسية، ليقول إن مصر عوملت بشكل غير عادل في هذا الملف، وإن واشنطن تدعم القاهرة في ما يتصل بالشواغل المائية المرتبطة بالسد.
أهمية هذه التصريحات بالنسبة للقارئ المصري لا تكمن فقط في بعدها السياسي، وإنما أيضًا في أنها تعيد التأكيد على أن قضية مياه النيل لا تزال حاضرة في دوائر النقاش الدولي، حتى مع تعثر المسارات التفاوضية وعدم ظهور اختراق حاسم حتى الآن.
الموقف المصري: لا بديل عن اتفاق قانوني ملزم
من الجانب المصري، يظل الموقف الرسمي ثابتًا: التمسك بالتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل السد، بما يمنع الإضرار بحصة مصر المائية ويؤمن مصالح دولتي المصب. وفي يوليو 2026، أكد مسؤولون بوزارة الموارد المائية والري، وفق ما نقلته تقارير صحفية مصرية، أنه لا توجد تحركات رسمية جديدة بشأن وساطة أمريكية، وأن أي استئناف للمفاوضات من دون مرجعيات واضحة لن يؤدي إلى نتيجة مختلفة عن جولات التفاوض الطويلة السابقة.
هذا الموقف يستند إلى حقيقة راسخة في الخطاب المصري الرسمي، وهي أن نهر النيل يمثل المصدر الرئيسي للمياه في مصر. ووفق وثائق وزارة الموارد المائية والري، تبلغ حصة مصر من مياه النيل 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، بينما تؤكد بيانات رسمية مصرية أن النيل يمثل النسبة الأكبر من الموارد المائية السطحية للبلاد، في ظل محدودية مصادر المياه الأخرى. كما سبق أن أشار بيان رسمي منشور عبر الهيئة العامة للاستعلامات إلى أن مصر تحصل على نحو 97% من احتياجاتها المائية من النيل.
هل موّلت الولايات المتحدة السد فعلًا؟
هذه النقطة تحديدًا هي الأكثر إثارة للجدل في تصريحات ترامب. فبينما كرر الرئيس الأمريكي القول إن بلاده موّلت السد، تظهر المعلومات المتاحة من الجهات المرتبطة بالمشروع رواية مختلفة. شركة Webuild الإيطالية، وهي المقاول الرئيسي للمشروع، تؤكد على موقعها الرسمي أن بناء سد النهضة الكبير جرى تمويله بالكامل من موارد محلية إثيوبية ومن خلال برنامج سندات حكومي. كما أن تقارير صحفية مصرية نقلت في فبراير 2026 نفيًا من رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لهذه الرواية، مع الإشارة إلى أن المشروع لم يحصل، بحسب تلك الرواية، على تمويل دولي مباشر كما قال ترامب.
لذلك، فإن الأدق صحفيًا هو القول إن ترامب اتهم الولايات المتحدة بتمويل السد، بينما تشير المصادر المتاحة المرتبطة بالمشروع إلى أن تمويله كان إثيوبيًا محليًا. هذا التباين مهم لأنه يوضح أن الجدل الحالي لا يدور فقط حول السد نفسه، بل أيضًا حول الرواية السياسية المحيطة به وكيفية توظيفه في الخطاب الدولي.
حقائق أساسية عن السد تعني مصر مباشرة
بحسب البيانات المنشورة من الشركة المنفذة، يقع السد على النيل الأزرق في إقليم بني شنقول-جومز الإثيوبي، على مسافة تقارب 14 كيلومترًا من الحدود السودانية، ويُعد أكبر مشروع كهرومائي في أفريقيا، بقدرة مركبة تبلغ 5150 ميغاواط. كما توضح المصادر نفسها أن السعة الكلية للخزان تصل إلى نحو 74 مليار متر مكعب. وفي سبتمبر 2025، أعلنت Webuild اكتمال المشروع وافتتاحه بوصفه أكبر محطة كهرومائية في القارة.
وبالنسبة لمصر، لا تتعلق المسألة برفض التنمية في إثيوبيا بقدر ما ترتبط بكيفية إدارة السد في سنوات الجفاف والجفاف الممتد، وضمان عدم حدوث ضرر جسيم لدول المصب. ولهذا يظل الحديث المصري عن السد مرتبطًا دومًا بمصطلحات مثل الأمن المائي والحقوق التاريخية والتشغيل المنسق، وليس فقط ببناء منشأة لتوليد الكهرباء.
لماذا تهم تصريحات ترامب الشارع المصري؟
في مصر، يُنظر إلى أي موقف دولي يقر بحساسية ملف النيل باعتباره تطورًا يستحق المتابعة، حتى إن لم يترجم فورًا إلى مبادرة سياسية جديدة. تصريحات ترامب الأخيرة تحمل هذا المعنى تحديدًا، لأنها تعيد التذكير بأن ملف السد لم يختفِ من الحسابات الدولية، وأن الضغوط السياسية والإعلامية حوله ما زالت مستمرة.
لكن في المقابل، لا تبدو القاهرة معتمدة على التصريحات وحدها. فالموقف المصري في الشهور الأخيرة، كما عكسته تصريحات مسؤولي الري والتغطيات الرسمية، يميل إلى التركيز على الحلول المؤسسية الواضحة، أي اتفاق قانوني ملزم وآلية تشغيل شفافة يمكن الاحتكام إليها، بدل الاكتفاء بالمواقف السياسية العامة أو الوساطات غير المحددة.
خلاصة المشهد
يمكن القول إن تصريحات ترامب الجديدة لم تغيّر جوهر الأزمة، لكنها أعادت تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا حساسية بالنسبة للمصريين: أمن المياه. فسواء اتفقت المصادر أو اختلفت حول مسألة تمويل السد، تبقى الحقيقة الأهم أن مصر تنظر إلى تدفقات النيل باعتبارها مسألة وجودية لا تقبل المجازفة.
ومع استمرار التعثر في الوصول إلى اتفاق نهائي، يبدو أن ملف سد النهضة سيظل حاضرًا في الأخبار والتصريحات الدولية، لكن الحسم الحقيقي بالنسبة لمصر سيظل مرهونًا بخطوة عملية واضحة تضمن قواعد عادلة وملزمة للملء والتشغيل، وتحفظ حق المصريين في موردهم المائي الأهم.