Akhbar Cairo

ترامب يراهن على العقوبات في مواجهة إيران ومضيق هرمز

تحول أمريكي من الميدان إلى الاقتصاد

في أحدث مؤشر على تبدل تكتيكات واشنطن تجاه طهران، ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) إلى تفضيل مسار الضغط الاقتصادي على العودة إلى هجوم عسكري واسع، رغم استمرار الخلافات مع إيران بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز. هذا التحول لا يعني انتهاء التهديد العسكري تماماً، لكنه يعكس رهانا أمريكيا واضحا على إنهاك الاقتصاد الإيراني ورفع كلفة المماطلة السياسية على القيادة في طهران.

ترامب قال في مقابلة نُشرت الأحد 9 أغسطس 2026 إن إدارته “تُخفّض مستوى” التعاطي مع إيران، وإنها “شبه تفاوض” فقط بينما تراقب أثر الضغوط الاقتصادية، مشدداً على أن إيران تمر بوضع مالي صعب مع تضخم مرتفع وشح في الموارد، بحسب ما نقلته Axios. كما أشار إلى أن واشنطن لا تتجه في الوقت الحالي إلى إطلاق تهديدات عسكرية جديدة، بعد أسبوع واحد فقط من حديث تقارير أمريكية عن اقتراب قرار باستئناف عمليات قتالية أكبر.

لماذا يعود مضيق هرمز إلى الواجهة؟

يمثل مضيق هرمز شرياناً استراتيجياً لأسواق الطاقة في الخليج والعالم، ولذلك فإن أي اضطراب فيه ينعكس سريعاً على أسعار النفط وكلفة الشحن والتأمين. بالنسبة إلى القارئ المصري، لا تتعلق المسألة فقط بصراع بعيد جغرافياً، بل بأمن إمدادات الطاقة في المنطقة، وأسعار الخام، وضغوط التضخم التي قد تمتد آثارها إلى اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

خلال الأيام الماضية، عادت المفاوضات المرتبطة بالممر البحري إلى الواجهة مع حديث رسمي إيراني عن اقتراب التوصل إلى صيغة تفاهم مع سلطنة عُمان حول إدارة الملاحة في المضيق. وكالة أسوشيتد برس نقلت في 4 و6 أغسطس 2026 أن الجانبين الإيراني والعُماني أحرزا تقدماً، وأن مسودة اتفاق بشأن المضيق دخلت مراحلها النهائية.

وفي 23 يونيو 2026، أكدت وزارة الخارجية العُمانية في بيان مشترك مع إيران التزام البلدين بسلامة العبور في مضيق هرمز، مع استمرار الحوار عبر مجموعة عمل مشتركة للوصول إلى تفاهمات تخص إدارة الملاحة والخدمات والتكاليف المرتبطة بها، وفق المعايير الدولية. البيان شدد أيضاً على إبقاء المضيق ممراً آمناً ومفتوحاً للملاحة الدولية.

ما الذي يريده ترامب من سياسة “الضغط الأقصى”؟

التحول الحالي ليس منفصلاً عن سياسة أوسع أعادت إدارة ترامب تثبيتها منذ بداية ولايته الجديدة. ففي 4 فبراير 2025، أعلن البيت الأبيض استعادة سياسة “الضغط الأقصى” على إيران عبر مذكرة رئاسية للأمن القومي، تتضمن توجيهات لوزارة الخزانة بفرض أقصى ضغط اقتصادي، وتشديد آليات التنفيذ ضد منتهكي العقوبات، والعمل على خفض صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر، إلى جانب توجيهات تخص قطاعات الشحن والتأمين والموانئ.

ومن زاوية البيت الأبيض، فإن الأدوات الاقتصادية تبدو أقل كلفة سياسياً من توسيع العمليات العسكرية، خصوصاً في لحظة تتداخل فيها حسابات الداخل الأمريكي مع مخاوف الأسواق من قفزات جديدة في أسعار النفط. كما أن الإدارة الأمريكية تحاول إظهار أنها ما زالت تحتفظ بكل الخيارات، لكنها تفضل الآن استخدام الحصار المالي، والعقوبات، والضغط على تجارة النفط، بدلاً من المجازفة بجولة صدام مفتوحة قد تربك المنطقة بأكملها.

أدوات الضغط الأمريكية تشمل:

  • العقوبات المالية على كيانات وأفراد مرتبطين بإيران.
  • تشديد الرقابة على الشحن والتأمين والموانئ.
  • استهداف صادرات النفط باعتبارها المصدر الأهم للعملة الصعبة.
  • استخدام التهديد العسكري كورقة ردع من دون اللجوء الفوري إلى التصعيد.

أزمة داخلية في طهران أم توزيع أدوار؟

الحديث عن انقسام داخل إيران لا يزال يحتاج إلى حذر في التوصيف، لكن المؤشرات المتاحة توحي بوجود تباين في كيفية إدارة ملف المضيق والتفاوض مع واشنطن. تقارير أمريكية وغربية تحدثت عن تأخر إعلان تفاهم متوقع، وعن تقديم إيران مطالب إضافية مرتبطة بعودة حركة الشحن، فيما أشارت أسوشيتد برس إلى أن طهران أعادت ترتيب بعض مواقعها الأمنية العليا بالتوازي مع هذه المرحلة الحساسة.

هذا يعني أن المشهد داخل طهران ليس بسيطاً: هناك من يريد ترجمة المكاسب الميدانية والسيادية إلى شروط تفاوضية أوضح، وهناك من يدرك أن استمرار الاختناق الاقتصادي يهدد الاستقرار الداخلي. ومن هنا تبدو سياسة ترامب الجديدة قائمة على استغلال هذا التوتر الداخلي: لا حرب شاملة الآن، لكن أيضاً لا انفراجة مجانية.

ماذا يعني ذلك للمنطقة العربية؟

بالنسبة إلى المنطقة العربية، وخاصة دول الخليج ومصر، فإن أي تغيير في سياسة واشنطن تجاه إيران ستكون له تبعات تتجاوز لغة البيانات. استقرار مضيق هرمز ينعكس على حركة التجارة والطاقة، وعلى كلفة الاستيراد، وعلى توقعات الأسعار في الأسواق. كما أن عُمان برزت مجدداً كوسيط إقليمي مهم، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف.

ومن منظور عربي، فإن تفضيل الضغط الاقتصادي على الحرب قد يُنظر إليه بوصفه خياراً أقل تدميراً للمنطقة، لكنه ليس بالضرورة أقل خطورة على المدى البعيد. فالعقوبات المشددة، إذا طالت، قد تدفع إلى جولات شد وجذب في البحر، أو إلى استخدام أوراق ضغط غير مباشرة عبر الممرات البحرية والقوى الحليفة لطهران في الإقليم.

النفط والأسواق: الهاجس الأكبر

ترامب نفسه ربط بين موقفه الحالي وبين السوق، مشيراً إلى أن سعر النفط يدور عند مستوى يزيد قليلاً على 75 دولاراً للبرميل، معتبراً أن المستهلك الأمريكي بات يشعر بضغط أقل من ذي قبل. ورغم أن هذا التصريح يعكس رؤية سياسية أمريكية داخلية، فإنه يكشف بوضوح أن معركة هرمز ليست عسكرية فحسب، بل اقتصادية أيضاً، وأن النفط ما زال في قلب القرار.

وفي الشرق الأوسط، يظل أي تحسن في أمن الملاحة خبراً إيجابياً للدول المستوردة والمصدّرة معاً. أما إذا تعثرت المفاوضات، فإن الأسواق ستعود سريعاً إلى تسعير المخاطر، بما يعنيه ذلك من تقلبات قد تمتد آثارها إلى تكلفة النقل والسلع الأساسية.

خلاصة المشهد

الرسالة الأمريكية الحالية يمكن تلخيصها في معادلة واضحة: تجميد الاندفاع العسكري، مع تصعيد الضغط الاقتصادي. ترامب لا يمنح إيران تطمينات سياسية، لكنه في الوقت نفسه لا يبدو مستعجلاً لفتح جبهة أوسع. وبين واشنطن وطهران، يبقى مضيق هرمز عنوان الصراع الأبرز، لأنه يجمع بين السيادة، والأمن البحري، والطاقة، والتجارة الدولية.

حتى الآن، تبدو الكفة راجحة لمزيد من العقوبات والاختبارات التفاوضية، لا لمواجهة مباشرة فورية. لكن في منطقة شديدة الحساسية مثل الخليج، تبقى المسافة قصيرة دائماً بين ضغوط الاقتصاد وشرارة الميدان، وهو ما يجعل أي تطور في هذا الملف محل متابعة دقيقة في العواصم العربية، من مسقط إلى القاهرة.