ترامب يراهن على صفقة مع إيران: تهدئة مؤقتة أم مناورة ضغط؟
ترامب يفضّل الصفقة.. لكن من موقع التهديد
عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) إلى استخدام لغته التفاوضية المألوفة مع إيران: إبقاء الخيار العسكري حاضرًا في الخلفية، مع إظهار تفضيل معلن لتسوية سياسية يقول إنها أفضل من “قتل الناس”. في الجوهر، لا تبدو هذه الصيغة خروجًا عن أسلوبه بقدر ما هي إعادة ترتيب للأدوات: ضغط عسكري، رسائل ردع، ثم فتح باب صفقة إذا بدت كلفتها السياسية والاقتصادية أقل من كلفة الحرب.
المؤكد من التقارير الحديثة أن ترامب قال خلال الأيام الأولى من أغسطس 2026 إن المفاوضات تمثل “الفرصة الأخيرة” لإيران لتجنّب تصعيد الضربات الأمريكية، وإنه يتوقع أن تركز المحادثات على إعادة فتح الملاحة عبر مضيق هرمز إلى جانب معالجة المخاوف الأمريكية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني. كما أفادت تقارير دولية بأن ترامب تحدث عن خطة لهجوم كبير جرى إرجاؤه لإعطاء الدبلوماسية مزيدًا من الوقت.
ما الذي نعرفه عن مسار التفاوض الآن؟
المشهد الحالي أكثر تعقيدًا من مجرد تبادل تصريحات. فوكالة أسوشيتد برس نقلت في 5 أغسطس 2026 أن إيران قالت إن اتفاقًا بوساطة عُمانية بشأن مضيق هرمز وصل إلى “المرحلة النهائية” من الصياغة، بينما قال ترامب إن اتفاقًا قد يُعلن خلال الأسبوع نفسه. وفي اليوم السابق، تحدثت الوكالة نفسها عن تقدم بين إيران وسلطنة عُمان لإعادة فتح المضيق، بما قد يساهم في تهدئة الحرب الدائرة منذ أشهر.
هذا مهم لأن النزاع لم يعد يُقرأ فقط من زاوية الملف النووي. فالمضيق تحول إلى عقدة مركزية في الصراع؛ إذ تشير التقديرات التي أوردتها أسوشيتد برس إلى أن نحو خُمس النفط والغاز المتداول عالميًا كان يمر عبره قبل أن تؤدي الحرب إلى اضطراب حركة الشحن. لهذا، فإن أي تقدم تفاوضي هنا لا يمس طهران وواشنطن وحدهما، بل يطال أسعار الطاقة، والتأمين البحري، وسلاسل الإمداد، وتكلفة الاستيراد في دول مثل مصر.
بين الرواية الأمريكية والإنكار الإيراني
أحد أوجه الأزمة هو الفجوة بين ما يقوله ترامب علنًا وما تقبله طهران في خطابها الرسمي. تقارير منشورة خلال الأشهر الماضية أشارت إلى أن ترامب تحدث عن “محادثات جيدة جدًا ومثمرة” مع إيران، بينما تكرر في المقابل نفي إيراني لبعض صيغ الاجتماعات المباشرة أو الرسمية، مع الإقرار بوجود رسائل ووساطات عبر أطراف ثالثة. هذه الفجوة ليست تفصيلًا إعلاميًا؛ إنها جزء من التفاوض نفسه، لأن كل طرف يحاول تقديم مسار الاتصالات لجمهوره الداخلي باعتباره انتصارًا لا تنازلًا.
من هنا يمكن فهم عبارة ترامب المنسوبة إليه عن أنه كان يستعد لـ“أكبر هجوم منذ الحرب العالمية الثانية” قبل أن يطلب الإيرانيون إجراء محادثات. حتى إذا تعاملنا معها بوصفها جزءًا من المبالغة السياسية المعتادة في خطاب ترامب، فإنها تؤدي وظيفة واضحة: ترسيخ صورة أن التفاوض جاء نتيجة ضغط أمريكي هائل، لا نتيجة اعتراف واشنطن باستحالة الحسم العسكري.
لماذا يفضّل ترامب الصفقة الآن؟
1) كلفة الحرب مفتوحة
التقارير الأخيرة تُظهر أن التصعيد لم يعد محدود الأثر. الحرب المستمرة منذ أواخر فبراير 2026 أرهقت الملاحة والطاقة ورفعت حساسية الأسواق تجاه أي حادث في الخليج. كما أن تجدد الهجمات على السفن، أو تعطيل المرور في هرمز، يعني أن أي ضربة إضافية قد تكون مكلفة اقتصاديًا حتى لحلفاء واشنطن.
2) ضغط الحلفاء الإقليميين
أسوشيتد برس ذكرت أن ترامب أرجأ هجمات جديدة بعد تدخل أو اتصالات من حلفاء خليجيين، بينهم قطر والسعودية والإمارات. وهذا يعكس حقيقة أساسية: دول المنطقة تريد ردع إيران، لكنها لا تريد أيضًا انفجارًا شاملًا ينسف الاستقرار ويصيب صادرات الطاقة والتجارة الدولية.
3) الحسابات الداخلية الأمريكية
في السياسة الأمريكية، يظل شعار “القوة بلا حرب طويلة” أكثر قابلية للبيع انتخابيًا من الانخراط في نزاع مفتوح. لذلك يبدو ترامب مهتمًا بإظهار أنه قادر على انتزاع تنازلات عبر التهديد، ثم تسجيل “صفقة” يمكن تسويقها داخليًا باعتبارها ثمرة الحزم لا التراجع.
ماذا يعني ذلك لمصر؟
من زاوية مصرية، لا تبدو القضية بعيدة. فالقاهرة أعلنت رسميًا في 8 يونيو 2026 أهمية التوصل سريعًا إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يراعي شواغل دول المنطقة، مع التشديد على أن هذا الاتفاق يجب أن يساعد في استعادة الأمن والاستقرار ومعالجة ملف حرية الملاحة في مضيق هرمز. كما شددت مصر في بيانات أخرى خلال مايو ويوليو 2026 على رفض استهداف السفن التجارية واعتبار تعطيل طرق الملاحة الدولية تهديدًا خطيرًا للأمن الإقليمي وإمدادات الطاقة العالمية.
بالنسبة للقارئ المصري، المسألة ترتبط مباشرة بثلاث دوائر:
- أسعار الطاقة: أي اضطراب مطول في هرمز يضغط على أسعار النفط والغاز عالميًا، بما ينعكس على كلفة الواردات.
- التجارة والشحن: ارتفاع مخاطر الملاحة يعني ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وهو ما يطال السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج.
- الأمن الإقليمي: اتساع الحرب يضيف بؤرة توتر جديدة في جوار عربي شديد الهشاشة أصلًا، من غزة إلى البحر الأحمر والخليج.
هل نحن أمام صفقة حقيقية أم هدنة قابلة للانفجار؟
القراءة الأكثر واقعية تقول إننا لسنا أمام سلام مستقر بعد، بل أمام هدنة تفاوضية تحت الضغط. فالتقارير نفسها التي تتحدث عن قرب اتفاق تؤكد أيضًا أن المحادثات تتعثر أحيانًا بفعل “الأحداث على الأرض”، وأن الهدنة السابقة التي أُعلنت في منتصف يونيو لم تصمد طويلًا قبل أن تتجدد التوترات حول الملاحة في هرمز.
بمعنى آخر، تصريح ترامب بأنه يفضّل الصفقة لأنه لا يريد قتل الناس لا ينبغي قراءته بصفته تحولًا أخلاقيًا مفاجئًا في السياسة الأمريكية، بل باعتباره اعترافًا عمليًا بأن القوة العسكرية وحدها لم تُنتج بعد نهاية نظيفة للصراع. وإذا كانت طهران بالفعل تسعى إلى مخرج تفاوضي، فهي تفعله من موقع الإنهاك والضغط. وإذا كانت واشنطن تقبل المسار التفاوضي، فهي تقبله من موقع إدراك أن استمرار الحرب يهدد مصالح أكبر من مجرد تسجيل ضربة جديدة.
الخلاصة
تصريحات ترامب الأخيرة تكشف أن ملف إيران عاد إلى معادلته المفضلة: تكبير التهديد إلى أقصى حد، ثم فتح باب الصفقة في اللحظة الأخيرة. لكن نجاح هذه المقاربة هذه المرة سيظل رهينًا بشيء واحد: هل تستطيع واشنطن وطهران تحويل التفاهم حول مضيق هرمز إلى مسار أوسع وأكثر ثباتًا، أم أن المنطقة ستبقى عالقة بين تهدئة مؤقتة وتصعيد مؤجل؟ بالنسبة لمصر، المصلحة واضحة: دعم أي تسوية سريعة تحفظ حرية الملاحة، وتكبح أسعار الطاقة، وتمنع انزلاق الشرق الأوسط إلى حرب أوسع لا يحتاجها أحد.