Akhbar Cairo

ترامب يربط أمن السعودية وإسرائيل بدوره بعد هجمات أرامكو

ترامب يعيد الجدل حول حماية الخليج بعد هجمات أرامكو

أعاد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) إحياء واحدة من أكثر مقولاته إثارة للجدل في ملفات الشرق الأوسط، عندما دافع عن سياسته تجاه السعودية بعد الهجمات التي استهدفت منشآت أرامكو في سبتمبر 2019، قائلاً، في سياق تبرير موقفه، إنه يقوم بالكثير من أجل الجميع، ومشيرًا إلى أن السعودية وإسرائيل ما كانتا لتبقيا في وضعهما القائم لولا دوره على رأس الإدارة الأمريكية آنذاك. وتأتي هذه التصريحات ضمن مرحلة شديدة الحساسية شهدت تصاعدًا حادًا في التوتر بين واشنطن وطهران، وتزايدًا في الهجمات المرتبطة بالحرب اليمنية وتداعياتها الإقليمية.

أصل القصة يعود إلى تداعيات الهجوم الذي وقع يوم 14 سبتمبر 2019 على منشأتي بقيق وخريص التابعتين لأرامكو السعودية، وهو هجوم أدى إلى تعطيل نحو 5.7 ملايين برميل يوميًا من إنتاج النفط، أي ما يزيد على نصف إنتاج المملكة في ذلك الوقت ونحو 5% من الإمدادات العالمية. هذا التطور لم يكن مجرد حادث أمني عابر، بل تحول إلى اختبار مباشر لمدى التزام الولايات المتحدة بأمن حلفائها الخليجيين، وخصوصًا السعودية.

ماذا قال ترامب تحديدًا؟

في الأيام التالية للهجوم، أوضح ترامب أنه يعتقد أن إيران تبدو مسؤولة عن الضربة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه لا يريد الانزلاق إلى حرب جديدة. وفي تصريحات أخرى، قال إن السعودية يجب أن تتحمل نصيبًا كبيرًا من كلفة أي حماية أمريكية، مضيفًا أن على الرياض أن “تدفع” إذا قررت واشنطن اتخاذ إجراء دفاعي أو عسكري. كما عاد في خطاب جماهيري إلى إبراز فكرته الأساسية: أن وجوده في البيت الأبيض منع حالة فوضى أوسع، وربط ذلك بدور الولايات المتحدة في حماية شركائها بالمنطقة، ومنهم السعودية وإسرائيل.

هذا الخطاب لم يكن جديدًا بالكامل في قاموس ترامب السياسي. ففي أكثر من مناسبة، ربط الرجل بين المظلة الأمنية الأمريكية وبين المقابل المالي أو الاستراتيجي الذي تتوقعه واشنطن من حلفائها. كما دافع سابقًا عن أهمية السعودية بالنسبة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، معتبرًا أن موقعها وشراكتها مع واشنطن ينعكسان أيضًا على التوازنات المرتبطة بأمن إسرائيل.

هجمات بقيق وخريص: لماذا كانت مفصلية؟

استهداف بقيق وخريص لم يكن حدثًا اعتياديًا في سوق الطاقة. فمنشأة بقيق تُعد من أهم مراكز معالجة النفط الخام في العالم، وأي تعطّل فيها ينعكس فورًا على الأسواق الدولية. وبحسب تقارير استندت إلى بيانات أرامكو ومصادر مطلعة، فإن الهجوم تسبب في أكبر اضطراب مفاجئ في الإمدادات النفطية منذ عقود، وأثار قفزة حادة في الأسعار قبل أن تعلن السعودية أنها تعمل على استعادة الطاقة الإنتاجية سريعًا.

وفي ذلك الوقت، أعلنت جماعة الحوثي في اليمن مسؤوليتها عن الهجوم، لكن الولايات المتحدة والسعودية مضتا في تحميل إيران المسؤولية عن العملية. كما ذكرت وزارة الخارجية الأمريكية في مواقفها اللاحقة أن التحقيقات السعودية والأمريكية خلصت إلى أن الحكومة الإيرانية كانت وراء الضربة، رغم استمرار الجدل السياسي والدبلوماسي حول طبيعة الأدلة وحدود التصعيد الممكن.

بين الردع وتجنب الحرب

المفارقة الأساسية في موقف ترامب آنذاك أنه جمع بين لهجة ردعية قوية وبين reluctance واضحة للدخول في مواجهة عسكرية واسعة. فقد استخدم تعبير “locked and loaded” في إشارة إلى جاهزية الولايات المتحدة، لكنه عاد ليؤكد أنه ينتظر التحقق وتقييم السعودية للمسؤولية قبل اتخاذ أي قرار نهائي. وفي موازاة ذلك، فضّل نهج الضغط السياسي وبناء تحالف ردع على الانخراط الفوري في حرب مباشرة مع إيران.

بالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه النقطة مهمة لفهم طريقة إدارة واشنطن لأزمات الشرق الأوسط: فالإدارة الأمريكية، حتى عندما تُظهر انحيازًا واضحًا لحلفائها، تظل حذرة من الأكلاف العسكرية والاقتصادية لأي حرب مفتوحة في الخليج. وهذا ما يفسر لماذا بدت تصريحات ترامب في ذلك التوقيت مزدوجة: تأكيد الالتزام السياسي من جهة، ورفض التورط العسكري السريع من جهة أخرى.

السعودية وإسرائيل في معادلة ترامب

الشق الأكثر إثارة في تصريحات ترامب كان ربطه الصريح بين بقاء السعودية وإسرائيل وبين دوره الشخصي. هذا الربط يعكس رؤية سياسية تبسيطية لكنها مؤثرة جماهيريًا، تقوم على أن الوجود الأمريكي هو الضامن النهائي لتوازن القوى في المنطقة. وفي هذه الرؤية، لا تُفهم السعودية فقط بوصفها شريكًا نفطيًا أو أمنيًا، بل أيضًا باعتبارها عنصرًا رئيسيًا في هيكل الردع الإقليمي الذي ترى واشنطن أنه يصب في مصلحة إسرائيل كذلك.

لكن هذه الصياغة أثارت في وقتها انتقادات واسعة، لأن خصوم ترامب رأوا فيها مبالغة شخصية وتوظيفًا انتخابيًا لأزمة دولية معقدة. كما أنها بدت، بالنسبة لكثيرين، تقليصًا لمؤسسات الدولة الأمريكية وتحالفاتها إلى دور فردي يختزله الرئيس وحده، وهو طرح لا ينسجم تمامًا مع طبيعة صنع القرار في واشنطن. هذه القراءة تبقى استنتاجًا سياسيًا من مجمل المواقف المعلنة آنذاك، وليست اقتباسًا مباشرًا من مصدر بعينه.

ما الذي تكشفه الواقعة عن توازنات المنطقة؟

أظهرت أزمة أرامكو أن أمن الطاقة العالمي لا يزال مرتبطًا بصورة مباشرة باستقرار الخليج، وأن أي ضربة دقيقة لمنشآت حيوية في السعودية يمكن أن تهز السوق الدولية خلال ساعات. كما أبرزت أن حدود القوة الأمريكية لا تُقاس فقط بقدرتها العسكرية، بل أيضًا بمدى استعدادها لاستخدام هذه القوة فعليًا عندما يتعرض حلفاؤها لهجوم كبير.

ومن زاوية أوسع، فتحت تصريحات ترامب الباب أمام تساؤلات استمرت لسنوات حول مستقبل الضمانات الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط: هل تظل واشنطن ملتزمة بالحماية المباشرة؟ أم أنها تتحرك وفق منطق الكلفة والعائد؟ هذا السؤال لا يخص السعودية وحدها، بل يمتد إلى كامل بنية التحالفات الإقليمية، من الخليج إلى شرق المتوسط، وهي مسألة تهم المتابع المصري لأنها تمس توازنات الأمن والطاقة والملاحة في المنطقة بأسرها.

خلاصة المشهد

في النهاية، تكشف تصريحات ترامب بعد هجمات أرامكو عن جوهر مقاربته للشرق الأوسط: دعم الحلفاء، لكن بشروط أمريكية واضحة؛ إظهار القوة، مع تجنب الحرب المكلفة؛ وربط النفوذ الأمريكي بأمن شركاء رئيسيين مثل السعودية وإسرائيل. وبينما بقيت هجمات سبتمبر 2019 علامة فارقة في تاريخ أمن الطاقة العالمي، فإن الجدل الذي أثارته كلمات ترامب استمر لأنها لامست سؤالًا أكبر من الواقعة نفسها: من يحمي الشرق الأوسط، وبأي ثمن؟

  • تاريخ الهجوم: 14 سبتمبر 2019.
  • الموقعان المستهدفان: بقيق وخريص في شرق السعودية.
  • حجم التعطل: نحو 5.7 ملايين برميل يوميًا.
  • الأثر العالمي: قرابة 5% من الإمدادات النفطية العالمية تعطلت مؤقتًا.
  • موقف ترامب: تحميل محتمل لإيران مع رفض معلن لحرب واسعة، والتشديد على أن السعودية يجب أن تتحمل كلفة الحماية.