Akhbar Cairo

ترامب يستدعي ذاكرة الحرب لفتح باب تفاهم مع الصين

ترامب يوظّف التاريخ في رسالة سياسية إلى بكين

عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) إلى استدعاء ذاكرة الحرب العالمية الثانية في حديثه عن الصين، معتبرًا أن تلك المرحلة تقدم مثالًا على إمكان العمل المشترك بين واشنطن وبكين عندما تتقاطع المصالح الكبرى. الإشارة لم تأتِ في سياق تاريخي بحت، بل بدت جزءًا من خطاب سياسي أوسع يسعى إلى تخفيف حدة المواجهة اللفظية مع الصين، ولو من دون التراجع عن أدوات الضغط الاقتصادي التي تستخدمها الإدارة الأمريكية. وقد أعلن البيت الأبيض في 8 مايو 2025 يومًا للاحتفال بذكرى النصر في الحرب العالمية الثانية، ثم واصل في الأيام التالية إصدار بيانات تربط بين الإرث التاريخي والتحركات السياسية والاقتصادية الراهنة.

جوهر الرسالة التي نُسبت إلى ترامب يتمثل في قوله إنه يريد العمل مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، على نحو يستلهم تعاون الشعبين خلال الحرب ضد قوى المحور. هذا الخطاب ينسجم مع مناخ شهد، في مايو 2025، تهدئة تجارية مؤقتة بين أكبر اقتصادين في العالم، بعد محادثات جرت في جنيف وأفضت إلى بيان مشترك تحدث عن خفض متبادل لبعض الرسوم والإجراءات لمدة أولية تبلغ 90 يومًا. البيت الأبيض قدّم هذه الخطوة باعتبارها اختراقًا مهمًا في مسار العلاقة الاقتصادية مع بكين.

ما الذي يعنيه هذا التحول في النبرة؟

على الرغم من أن ترامب واصل خلال تلك الفترة انتقاد السياسات التجارية الصينية، فإن نبرته حملت إشارات أقل صدامًا من خطاباته السابقة. تقارير دولية، بينها مواد نشرتها وكالة أسوشيتد برس، أظهرت أن واشنطن وبكين كانتا تتحركان بين مسارين متوازيين: تنافس حاد على التجارة والنفوذ، مع محاولة إبقاء باب التفاهم مفتوحًا في الملفات التي تمس الاستقرار الاقتصادي الدولي. كما أشارت تغطيات أخرى إلى أن شي جين بينغ شدد بدوره على أهمية صون إرث الانتصار في الحرب العالمية الثانية، بما يوحي بأن الجانبين استخدما المرجعية التاريخية كلٌ بطريقته السياسية.

ومن المهم هنا التمييز بين اللغة الرمزية والوقائع العملية. فحتى مع الحديث عن التعاون، بقيت الخلافات التجارية قائمة، وبقيت الرسوم الجمركية إحدى أهم أوراق الضغط الأمريكية. البيت الأبيض أعلن في 11 و12 مايو 2025 أن المحادثات مع الصين حققت “تقدمًا كبيرًا”، وأن الاتفاق الأولي يهدف إلى معالجة اختلالات تجارية واسعة النطاق. وبحسب المسؤولين الأمريكيين، كانت واشنطن تنظر إلى العجز التجاري الكبير مع الصين بوصفه مبررًا رئيسيًا للتشدد.

لماذا يهم هذا التطور القارئ في مصر وأفريقيا؟

من زاوية أفريقية، لا تبدو هذه الرسائل بعيدة عن القارة. الصين هي الشريك التجاري الأكبر لعدد كبير من الدول الأفريقية، كما أن الولايات المتحدة تحاول منذ سنوات تعزيز حضورها الاقتصادي والاستثماري في القارة. أي تهدئة بين واشنطن وبكين قد تنعكس على سلاسل الإمداد، وأسعار الشحن، وكلفة المواد الخام، وحركة الاستثمارات في الموانئ والطاقة والبنية التحتية، وهي ملفات ترتبط مباشرة باقتصادات أفريقية من شرق القارة إلى غربها، وتؤثر كذلك في أسواق مثل السوق المصرية التي تتابع عن قرب اتجاهات التجارة العالمية.

في مصر تحديدًا، تظل التحولات في العلاقة الأمريكية الصينية ذات أثر غير مباشر لكنه مهم، سواء عبر أسعار السلع المستوردة، أو مسارات الاستثمار الأجنبي، أو توقعات النمو في الاقتصادات الناشئة. وعندما تنتقل واشنطن وبكين من التصعيد إلى التهدئة، ولو مؤقتًا، فإن ذلك يبعث بإشارة طمأنة نسبية إلى الأسواق العالمية التي تتأثر بسرعة بأي توتر بين القوتين.

التاريخ كأداة دبلوماسية

استخدام ترامب لذاكرة الحرب العالمية الثانية ليس تفصيلًا عابرًا. ففي السياسة الأمريكية، كثيرًا ما تُستدعى تلك الحرب باعتبارها رمزًا لتحالفات كبرى وصناعة نظام دولي جديد. وعندما يربط رئيس أمريكي بين تلك التجربة وبين علاقته بالصين، فهو يحاول أن يقول إن التنافس الحالي لا يلغي إمكان التنسيق إذا اقتضت المصالح ذلك. لكن هذا لا يعني بالضرورة تحولًا استراتيجيًا عميقًا؛ فالمشهد الأوسع يظل محكومًا بمنافسة بنيوية تشمل التجارة والتكنولوجيا والنفوذ العسكري وسلاسل التوريد.

كما أن الخطاب الأمريكي عن الصين في 2025 لم يكن موحدًا بالكامل. ففي حين تحدّث ترامب في بعض المناسبات عن إمكانية الوصول إلى اتفاق “عادل”، ظل مسؤولون أمريكيون يؤكدون أن الهدف هو حماية المصالح الأمريكية والرد على ما تصفه واشنطن بالممارسات التجارية غير المنصفة. هذا التباين بين لغة الانفتاح ولغة الضغط يعكس طبيعة العلاقة نفسها: شراكة اضطرارية في بعض الملفات، وتنافس حاد في ملفات أخرى.

شي جين بينغ في قلب المعادلة

يبقى الرئيس الصيني شي جين بينغ الطرف المقابل في هذه المعادلة السياسية المعقدة. فبكين، التي خاضت مع واشنطن جولات طويلة من الشد والجذب التجاري، تحاول هي الأخرى تقديم نفسها كقوة قادرة على حماية مصالحها من دون إغلاق باب التفاوض. ولهذا تبدو الإشارات المتبادلة إلى الحرب العالمية الثانية محاولة لتغليف التنافس الحالي بلغة أقل حدة، خصوصًا في لحظة يحتاج فيها الاقتصاد العالمي إلى قدر من الاستقرار.

وتكشف القراءة الدقيقة للتطورات أن استحضار التاريخ هنا ليس هدفه تمجيد الماضي فقط، بل إدارة الحاضر. فحين يجري الحديث عن تعاون أمريكي-صيني سابق في حرب كبرى، يجري في الوقت نفسه تلميح إلى أن الخلافات الحالية يمكن احتواؤها سياسيًا، حتى لو لم تُحل بالكامل.

ماذا بعد؟

المؤشرات المتاحة لا تسمح بالقول إن العلاقات الأمريكية الصينية دخلت مرحلة انفراج شامل. الأصح أن هناك اختبارًا لحدود التهدئة: هل تنجح هدنة الرسوم والإجراءات في تحويل المسار نحو تفاهمات أطول؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه استراحة قصيرة في صراع اقتصادي وسياسي ممتد؟ المؤكد أن تصريحات ترامب فتحت نافذة خطابية جديدة، لكنها لم تُنهِ جوهر التنافس بين الطرفين.

بالنسبة لأفريقيا، تظل المتابعة الدقيقة ضرورية. فكل تعديل في علاقة واشنطن ببكين ينعكس، بدرجات متفاوتة، على التجارة والتمويل والاستثمار في القارة. ومن هنا، فإن حديث ترامب عن “درس” من الحرب العالمية الثانية لا يخص التاريخ فقط، بل يندرج ضمن صراع الحاضر على النفوذ والأسواق ومسارات الاقتصاد العالمي.

  • التاريخ المفصلي: 8 مايو 2025، حين أعلن البيت الأبيض يومًا للاحتفال بذكرى النصر في الحرب العالمية الثانية.
  • التطور الاقتصادي الأبرز: بيان أمريكي-صيني مشترك صدر في 12 مايو 2025 بعد محادثات جنيف.
  • الدلالة السياسية: خطاب أقل صدامًا من ترامب تجاه بكين، مع بقاء الخلافات التجارية قائمة.
  • الأثر الأفريقي: أي تهدئة بين القوتين قد تنعكس على التجارة وسلاسل الإمداد والاستثمارات عبر القارة، بما فيها الأسواق المرتبطة بمصر.

في المحصلة، لا يقدم ترامب قراءة أكاديمية للحرب العالمية الثانية بقدر ما يوظفها في لحظة تفاوضية شديدة الحساسية. الرسالة الأساسية واضحة: يمكن لواشنطن وبكين أن تتصارعا، لكنهما مضطرتان أيضًا إلى إيجاد مساحات للعمل المشترك عندما تصبح كلفة المواجهة أعلى من كلفة التفاهم.