Akhbar Cairo

ترامب يصعّد ضد تسريبات نقص الذخائر ويكلف العدل بالملاحقة

تصعيد أمريكي جديد بسبب تسريبات الذخائر

دخلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرحلة أكثر حدة في التعامل مع التسريبات المرتبطة بالأمن القومي، بعدما طالب الرئيس وزارة العدل الأمريكية بالتحرك لتحديد المسؤولين عن تسريب معلومات تتعلق بتراجع مخزونات الذخائر والصواريخ. ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه الأسئلة داخل واشنطن بشأن أثر العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران على الجاهزية القتالية الأمريكية، وهي مسألة تهم دول الشرق الأوسط وأفريقيا مباشرة بحكم انعكاساتها على توازنات الإقليم وخطوط الإمداد العسكري.

وبحسب ما نشرته وسائل إعلام أمريكية خلال الأسابيع الأخيرة، استخدم ترامب وصف "الخونة" أو "المسرّبين الخونة" في حديثه عن من يقفون وراء تسريب المعلومات، مع دعوات إلى معاقبتهم بعقوبات مشددة. وتزامن هذا الخطاب مع دعم رئاسي لتحركات أكثر صرامة من وزارة العدل في قضايا تسريب المعلومات الحساسة إلى الصحافة، بما في ذلك السعي للوصول إلى مصادر التسريب داخل مؤسسات الدولة.

ما الذي فجّر الأزمة؟

جوهر الأزمة يرتبط بتقارير عن تراجع بعض مخزونات الذخائر الاعتراضية والصواريخ الدفاعية الأمريكية بعد الحرب التي خاضتها واشنطن ضد إيران في 2026. وزارة الدفاع الأمريكية كانت قد نشرت ورقة حقائق عن عملية "إيبيك فيوري" وأكدت أن بداية العملية جاءت في 28 فبراير 2026 بتوجيه من الرئيس الأمريكي. ومنذ ذلك الحين، تحولت كلفة الحرب واستهلاك الذخائر إلى ملف سياسي وعسكري شديد الحساسية داخل العاصمة الأمريكية.

مراكز أبحاث أمريكية مؤثرة، من بينها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، قالت إن الولايات المتحدة استهلكت خلال القتال كميات كبيرة من ذخائر الدفاع الجوي. وفي تحليل نُشر يوم 27 يوليو 2026، أشار المركز إلى أن مخزون صواريخ باتريوت انخفض إلى أقل من ألف صاروخ، بينما قُدّر مخزون ثاد THAAD بنحو 250 صاروخاً، محذراً من أن تراجع هذه المخزونات قد يفرض على واشنطن وحلفائها قبول مستوى أعلى من المخاطر إذا تجدد القتال.

وفي تقرير سابق نشره المركز نفسه في 21 أبريل 2026، خلص الباحثان مارك كانسيان وكريس إتش. بارك إلى أن الولايات المتحدة لم تصل إلى مرحلة نفاد الذخائر بالكامل، لكنها دخلت وضعاً أكثر هشاشة، لأن إعادة بناء بعض المخزونات قد تستغرق سنوات مع محدودية الطاقة الإنتاجية للصناعة الدفاعية.

ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) يرفض رواية الضعف

سياسياً، تبدو المسألة أكبر من مجرد تسريب إداري. فترامب يسعى إلى نفي أي انطباع بأن الحرب مع إيران أضعفت القدرات الأمريكية أو كشفت ثغرات في منظومة التسليح، خصوصاً في ملف الصواريخ الاعتراضية والدفاعات الجوية. ولهذا يتعامل البيت الأبيض مع هذه التسريبات باعتبارها ضربة مزدوجة: أولاً لصورة الإدارة، وثانياً لقدرة واشنطن على الردع في الشرق الأوسط. وتشير التغطيات الأمريكية إلى أن الرئيس عبّر عن غضبه من التقارير التي تحدثت عن خلافات مع وزير الدفاع بيت هيجسيث بشأن مستوى المخزونات بعد العمليات العسكرية.

اللافت أن وزارة العدل كانت قد دخلت بالفعل على خط ملاحقة التسريبات في ملفات أخرى خلال 2026. ففي يوليو الماضي، تحدثت تقارير أمريكية عن توجيه مذكرات استدعاء لصحفيين في إطار تحقيقات متصلة بتسريب معلومات اعتبرتها الإدارة ذات صلة بالأمن القومي. كما أعلنت وزارة العدل في بيان سابق فتح تحقيق جنائي بشأن تسريب معلومات استخباراتية وصفتها بأنها انتقائية ومضللة رغم كونها مصنفة.

لماذا يهم هذا الملف المنطقة العربية وأفريقيا؟

بالنسبة للقارئ في مصر وللدوائر المعنية بمتابعة الأمن الإقليمي في أفريقيا والشرق الأوسط، فإن القضية لا تتعلق فقط بخلاف أمريكي داخلي بين البيت الأبيض ووسائل الإعلام. الأهم أن أي تراجع في مخزون الصواريخ الاعتراضية الأمريكية ينعكس على انتشار القوات الأمريكية، وعلى وتيرة الدعم العسكري لحلفائها، وعلى حسابات الردع في البحر الأحمر والخليج وشرق المتوسط، وهي مسارح ترتبط مباشرة بأمن الملاحة والطاقة والتجارة التي تمس دول شمال أفريقيا والقرن الأفريقي. هذا استنتاج مدعوم بتقارير بحثية وعسكرية تشير إلى أن استهلاك الذخائر في حرب 2026 خلق ما وصفته بعض التحليلات بـنافذة هشاشة تحتاج لسنوات حتى تُغلق بالكامل.

كما أن وزارة الدفاع الأمريكية نفسها أقرت في عرض موازنة 2026 بأن عدداً من أنظمة الصواريخ، مثل SM-6 وLRASM وغيرها، يظل محورياً في الردع ومواجهة التهديدات الجوية والبحرية. وهذا يعني أن أي استنزاف في تلك المنظومات لن يبقى شأناً أمريكياً داخلياً، بل سيكون له أثر مباشر على الأولويات العسكرية الأمريكية في مناطق متعددة، بينها الشرق الأوسط وأفريقيا.

بين حرية الصحافة وأسرار الدولة

القضية تعيد أيضاً إحياء الجدل الأمريكي القديم حول الحدود الفاصلة بين حماية الأمن القومي وحرية الصحافة. فمع كل تصعيد ضد التسريبات، ترتفع أصوات تعتبر أن استخدام وزارة العدل لملاحقة المسرّبين أو الضغط على الصحفيين يهدد التوازن الدستوري بين السلطة التنفيذية ووسائل الإعلام. في المقابل، تقول إدارة ترامب إن التسريبات المتعلقة ببرامج التسليح والجاهزية العسكرية لا يمكن التعامل معها كخلاف سياسي عادي، لأنها قد تمنح الخصوم صورة أوضح عن نقاط الضعف الأمريكية.

وحتى الآن، لا توجد بيانات رسمية منشورة تثبت أن الولايات المتحدة وصلت فعلاً إلى نفاد كامل في الذخائر، وهو تعبير يبدو أوسع من الوقائع المتاحة. ما يمكن التحقق منه هو وجود مخاوف موثقة من تراجع مهم في بعض المخزونات الحرجة، خاصة أن تحليلات متخصصة تحدثت عن انخفاضات ملموسة في ذخائر الدفاع الجوي بعد الحرب مع إيران، مع تأكيد أن التعويض لن يكون سريعاً. لذلك فإن الصياغة الأدق، وفق المعطيات المتاحة، هي أن الجدل يدور حول استنزاف المخزون وليس انهياره الكامل.

ماذا بعد؟

المؤشرات الحالية توحي بأن إدارة ترامب تتجه إلى تشديد القبضة على ملف التسريبات خلال الفترة المقبلة، سواء عبر وزارة العدل أو من خلال تنسيق أوسع مع البنتاجون. وكانت تقارير أمريكية قد تحدثت بالفعل عن إنشاء فريق عمل مشترك بين وزارة الدفاع ووزارة العدل للتحقيق في التسريبات وملاحقة المسؤولين عنها. وإذا استمر هذا النهج، فقد تشهد واشنطن موجة جديدة من الصدام بين الإدارة ووسائل الإعلام، بالتوازي مع ضغوط على المجمع الصناعي العسكري لتسريع إنتاج الذخائر والصواريخ.

  • المؤكد: ترامب طلب ملاحقة المسرّبين ووزارة العدل منخرطة في نهج أكثر تشدداً تجاه التسريبات.
  • المؤكد: الحرب مع إيران في 2026 استنزفت جزءاً مهماً من بعض مخزونات الذخائر الأمريكية.
  • غير المثبت رسمياً: الوصول إلى نفاد كامل للذخيرة، إذ المتاح علناً يشير إلى تراجع واستنزاف لا إلى انعدام تام.

في المحصلة، لا يبدو أن المعركة الحقيقية هنا قانونية فقط، بل سياسية واستراتيجية أيضاً. فترامب يريد إغلاق باب الإحراج الداخلي، بينما تكشف التسريبات عن معضلة أوسع تخص قدرة الولايات المتحدة على خوض حرب مكلفة في الشرق الأوسط من دون أن تدفع ثمناً على مستوى المخزون والردع. وبالنسبة للمنطقة، من القاهرة إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي، فإن متابعة هذا الملف لم تعد ترفاً، بل جزءاً من قراءة أوسع لموازين القوة في محيط مضطرب.