Akhbar Cairo

ترامب يصعّد هجومه على الهجرة ويدعو أوروبا لإغلاق الحدود

ترامب يعيد ملف الهجرة إلى صدارة السجال بين واشنطن وأوروبا

صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجته تجاه ملف الهجرة في أوروبا، داعياً الحكومات الأوروبية إلى إغلاق الحدود وتشديد إجراءات الدخول، ومحمّلاً ما وصفه بالتيارات اليسارية مسؤولية تبني سياسات سمحت، بحسب رأيه، بتدفقات بشرية واسعة تهدد الهوية الثقافية والاجتماعية للغرب. وجاءت تصريحات ترامب (@potus على إنستغرام) في سياق هجوم سياسي أوسع على النخب الأوروبية المؤيدة لسياسات أكثر انفتاحاً تجاه المهاجرين واللاجئين، وهو خطاب يلقى صدى متزايداً داخل عدد من العواصم الغربية مع استمرار الجدل حول أمن الحدود والاندماج واللجوء.

ورغم أن التصريحات صدرت من واشنطن، فإن أبعادها لا تبدو أوروبية خالصة، بل تمس مباشرة شمال أفريقيا، بما في ذلك دول الساحل والضفة الجنوبية للمتوسط، لأن أي تشديد جديد في السياسات الأوروبية ينعكس على مسارات العبور والرقابة البحرية واتفاقات إعادة المهاجرين، وهي ملفات ترتبط عضوياً بالقارة الأفريقية. ومن هذا المنظور، يكتسب الجدل أهمية خاصة للقارئ المصري، بالنظر إلى موقع مصر في معادلة شرق المتوسط، ودورها في ملفات الهجرة واللجوء والاستقرار الإقليمي.

ماذا قال ترامب تحديداً؟

بحسب تقارير صحفية تناولت تصريحاته الأخيرة، اتهم ترامب الحكومات الأوروبية بأنها أعادت فتح حدودها سريعاً بعد فترات التشديد السابقة، معتبراً أن هذا التوجه يعكس “ضعفاً” سياسياً، وأن المهاجرين الوافدين لا يشاركون المجتمعات المضيفة قيمها أو هويتها الثقافية. الخطاب لم يقتصر على انتقاد أوروبا فحسب، بل جاء أيضاً متسقاً مع رؤيته الداخلية للهجرة في الولايات المتحدة، حيث يربط بين ضبط الحدود والأمن القومي والاستقرار الاجتماعي.

هذا النوع من الخطاب ليس جديداً في مسيرة ترامب السياسية، لكنه يكتسب وزناً أكبر عندما يتقاطع مع مزاج أوروبي متشدد نسبياً في بعض الدول، وخصوصاً مع تصاعد الضغوط على حكومات الاتحاد الأوروبي لإثبات قدرتها على التحكم في الحدود الخارجية للتكتل. وفي أكثر من ساحة أوروبية، تحولت الهجرة من ملف إنساني وإداري إلى قضية انتخابية مركزية تحدد مواقف الأحزاب وتوازنات الحكم.

لماذا يهم هذا التطور أفريقيا؟

الزاوية الأفريقية في هذا الملف أساسية، لأن كثيراً من طرق الهجرة إلى أوروبا تمر عبر شمال أفريقيا أو تنطلق من سواحله. وتوضح بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن مسارات المتوسط وغرب أفريقيا الأطلسية تظل من أهم طرق الوصول غير النظامي إلى أوروبا، مع استمرار التحركات المختلطة للاجئين والمهاجرين وطالبي اللجوء. كما تشير تقارير أممية إلى أن مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب تظل ضمن البيئات المرتبطة بحركة العبور، سواء كنقاط انطلاق أو مرور أو استضافة.

وفي تقرير مشترك للمنظمة الدولية للهجرة والمفوضية عن وسط المتوسط، سُجلت 127,604 محاولة عبور في 2024 من ليبيا وتونس وبدرجة أقل من الجزائر نحو أوروبا، بانخفاض يقارب 38% مقارنة بعام 2023، بينما تراجعت الوصولات إلى إيطاليا ومالطا عبر هذا المسار بنسبة 58%، في مقابل زيادة كبيرة في الوصول إلى اليونان انطلاقاً من ليبيا. هذه الأرقام تبرز أن التشدد السياسي لا يلغي الظاهرة، بل يعيد أحياناً توزيعها جغرافياً بين المسارات المختلفة.

وتكشف بيانات أخرى للمفوضية أن عام 2024 شهد وصول ما لا يقل عن 187,337 شخصاً بحراً إلى أوروبا، مع بقاء أعداد المفقودين والضحايا في البحر عند مستويات مقلقة. بالنسبة لأفريقيا، فإن هذه المؤشرات تعني أن أي خطاب غربي يدفع نحو مزيد من الإغلاق قد يفضي إلى ضغوط إضافية على دول العبور والاستضافة في الشمال الأفريقي، بدلاً من معالجة الأسباب الهيكلية للهجرة مثل النزاعات والفقر وضعف فرص العمل وتغير المناخ.

أوروبا بين التشديد القانوني والضغوط السياسية

التصريحات الأميركية تأتي في لحظة تشهد فيها أوروبا نفسها ميلاً متنامياً إلى إعادة صياغة قواعد الهجرة واللجوء. فوفق تقارير تناولت النقاشات الأوروبية الأخيرة، أقر البرلمان الأوروبي في يونيو إصلاحاً واسعاً لسياسات الهجرة يهدف إلى تسريع بعض الإجراءات، وتعزيز الرقابة على الدخول، وتوسيع أدوات إدارة الحدود وتقاسم الأعباء بين الدول الأعضاء. ورغم أن المدافعين عن هذه الإجراءات يرونها محاولة لتنظيم الملف، فإن منتقدين حذروا من أنها قد تضيق مساحة الحماية المتاحة لطالبي اللجوء.

كما شهدت أوروبا في الأشهر الأخيرة توترات مرتبطة مباشرة بملف العبور من الضفة الجنوبية للمتوسط، بينها تطورات في سبتة ومليلية والحدود الإسبانية، وما رافقها من مطالب بتشديد أمني أكبر، ودور أوسع لوكالة “فرونتكس” الأوروبية لحرس الحدود والسواحل. هذا يوضح أن دعوات ترامب لا تصدر في فراغ، بل تجد بيئة أوروبية منشغلة أصلاً بتكاليف الهجرة سياسياً وأمنياً واجتماعياً.

ماذا يعني ذلك لمصر وشمال أفريقيا؟

من منظور مصري وأفريقي، فإن تصاعد الدعوات الغربية إلى إغلاق الحدود يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تتحول دول الجنوب إلى خط الدفاع الأول عن أوروبا من دون معالجة عادلة لجذور الأزمة؟ هذا السؤال حاضر بقوة في النقاشات المرتبطة بالشراكات بين الاتحاد الأوروبي ودول شمال أفريقيا، خصوصاً في ما يتعلق بتمويل مراقبة الحدود، ودعم خفر السواحل، وتسهيل العودة، وربط التعاون الاقتصادي بملف الحد من الهجرة غير النظامية.

وبالنسبة لمصر، التي تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين والوافدين وتتبنى في الوقت نفسه مقاربة رسمية تركز على مكافحة الهجرة غير النظامية مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي، فإن أي تحول أوروبي أكثر تشدداً ستكون له انعكاسات غير مباشرة على الإقليم. وقد يشمل ذلك زيادة الضغط على دول المصدر والعبور، وتكثيف التنسيق الأمني في المتوسط، وتوسيع النقاش حول التنمية وفرص التشغيل في أفريقيا باعتبارها جزءاً من الحل، لا مجرد هامش له.

بين الخطاب الانتخابي والواقع الميداني

في النهاية، تعكس تصريحات ترامب عودة قوية إلى خطاب يعتبر الهجرة تهديداً حضارياً وأمنياً، وهو خطاب يجد أنصاراً داخل الغرب كما يثير اعتراضات واسعة من المدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات الدولية. لكن الواقع الميداني في أفريقيا والبحر المتوسط يبين أن الأزمة أعقد من مجرد فتح الحدود أو إغلاقها؛ فهي ترتبط بحروب ونزوح وأزمات اقتصادية وفجوات تنموية تمتد من السودان والساحل إلى شمال أفريقيا والسواحل الأوروبية.

وبينما تتجه عواصم غربية إلى مزيد من التشدد، تبقى القارة الأفريقية في قلب المعادلة: كمصدر للهجرة في بعض الحالات، وكممر في حالات أخرى، وكشريك لا يمكن تجاوزه إذا أرادت أوروبا والولايات المتحدة مقاربة أكثر استدامة وواقعية. لهذا، فإن أي دعوة من واشنطن إلى “إغلاق الحدود” لا تُقرأ فقط بوصفها موقفاً أميركياً من أوروبا، بل أيضاً كإشارة جديدة إلى أن مستقبل إدارة الهجرة بين ضفتي المتوسط سيبقى أحد أكثر ملفات أفريقيا حساسية في السنوات المقبلة.

  • الخلاصة: تصريحات ترامب بشأن إغلاق الحدود الأوروبية تعيد تنشيط خطاب التشدد في ملف الهجرة.
  • البعد الأفريقي: شمال أفريقيا يبقى متأثراً مباشرة بأي تحول أوروبي أو أميركي في إدارة الحدود.
  • الأثر الإقليمي: مصر ودول الجوار معنية بالملف بحكم الجغرافيا، والاستضافة، وأمن المتوسط.