ترامب يطالب بوقف غارات غزة وحماس تدعوه للضغط على نتنياهو
ترامب يلوّح بتهدئة مطلوبة في غزة
دخلت الحرب في قطاع غزة منعطفًا سياسيًا جديدًا بعد دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) إلى الامتناع عن شن غارات إسرائيلية على القطاع في الوقت الحالي، في إشارة تعكس رغبة واشنطن في منع مزيد من التصعيد بالتوازي مع استمرار الاتصالات المرتبطة بترتيبات وقف إطلاق النار ونزع سلاح حركة حماس. وتأتي هذه الإشارة الأمريكية في لحظة شديدة الحساسية إقليميًا، مع بقاء الملف الفلسطيني في صدارة الاهتمام المصري والعربي، خاصة مع ما تمثله غزة من امتداد مباشر للأمن القومي المصري بحكم الجوار الجغرافي والارتباط الإنساني والسياسي.
المعطيات المتداولة من وسائل إعلام دولية موثوقة تشير إلى أن الإدارة الأمريكية ترى وجود تقدم في المسار التفاوضي المتعلق بمستقبل الوضع الأمني داخل القطاع، وهو ما يفسر مطالبة ترامب بتجميد الغارات في هذه المرحلة بدلًا من توسيع العمليات. كما أن التحرك الأمريكي الأخير يرتبط بخطة مدعومة من واشنطن لتحريك اتفاق أوسع يشمل وقفًا للنار، وانسحابات مرحلية، وترتيبات مرتبطة بسلاح حماس، وهي نقاط ما تزال محل تجاذب حاد بين الأطراف المعنية.
حماس: الكرة في ملعب واشنطن
في المقابل، لم تكتفِ حماس بالترحيب بأي ضغط يمكن أن يخفف القصف، بل طالبت الإدارة الأمريكية صراحة بممارسة ضغط فعلي على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أجل وقف قصف غزة والانتقال إلى مسار انسحاب إسرائيلي من القطاع بدلًا من توسيع الاحتلال. هذا الموقف يتسق مع ما نقلته تقارير دولية عن أن الحركة تعتبر أن أي حديث عن تقدم سياسي لن تكون له قيمة إذا استمرت الضربات على الأرض.
وتشير تقارير نشرتها وكالة أسوشيتد برس إلى أن مبعوثًا أمريكيًا يقود اتصالات مباشرة وغير مباشرة بشأن خارطة طريق لوقف الحرب، وأن هذه التحركات شملت لقاءات مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بعد محادثات جرت مع رئيس حماس في غزة بشأن ملف نزع السلاح. كما أوضحت التقارير أن نتنياهو سبق أن رفض خارطة طريق أمريكية من 15 نقطة لتحريك اتفاق غزة، وهو ما يبرز حجم الفجوة بين الرؤية الأمريكية والحسابات السياسية داخل الحكومة الإسرائيلية.
نتنياهو بين الحسابات العسكرية والضغوط السياسية
العقدة الأساسية في هذا المسار تبدو متمركزة حول موقف حكومة نتنياهو، التي تربط أي تقدم نهائي بمسألة نزع السلاح الكامل، بينما تصر أطراف أخرى على أن وقف النار والانسحاب وفتح المجال للإغاثة وإعادة الإعمار يجب أن يسير بالتوازي مع أي ترتيبات أمنية لاحقة. هذا الخلاف لا يقتصر على البعد العسكري فقط، بل يمتد إلى المشهد السياسي الداخلي في إسرائيل، حيث يتعرض نتنياهو لضغوط من حلفائه اليمينيين الرافضين لأي تسوية تُفهم على أنها تراجع ميداني.
وبالنسبة للمتابع المصري، فإن هذا التباين مهم للغاية، لأن أي تأخير في التهدئة ينعكس مباشرة على الوضع الإنساني عند حدود القطاع، وعلى وتيرة دخول المساعدات، وعلى فرص إطلاق مسار إعادة الإعمار الذي تدفع القاهرة باتجاهه منذ شهور. ومن هنا، فإن قيمة تصريح ترامب لا تكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته أيضًا، لأنه يبعث برسالة إلى تل أبيب بأن واشنطن لا تريد توسيع العمليات إذا كانت هناك نافذة تفاوض ما تزال مفتوحة.
مصر تتمسك بوقف النار وفتح المسارات الإنسانية
الموقف المصري الرسمي بقي ثابتًا في الدعوة إلى وقف إطلاق النار، وضمان النفاذ الكامل للمساعدات، ورفض توسيع العمليات العسكرية داخل غزة. ووفق ما نشرته وزارة الخارجية المصرية في بياناتها وتحركاتها الأخيرة، شدد وزير الخارجية بدر عبد العاطي على استمرار الجهود المصرية المكثفة للتوصل إلى هدنة تضمن وقف النار وإدخال المساعدات بلا قيود، مع أهمية موافقة الجانب الإسرائيلي على المقترحات المطروحة بعدما وافقت حماس على غالبية البنود الواردة في المقترح الأمريكي. كما أكدت القاهرة رفضها القاطع لتوسيع الاحتلال أو فرض وقائع جديدة داخل القطاع.
هذا التحرك المصري لا يُقرأ فقط باعتباره وساطة سياسية، بل باعتباره جزءًا من رؤية أشمل تتعلق بمنع تصفية القضية الفلسطينية، وتهيئة الأرضية لبدء التعافي المبكر وإعادة الإعمار فور تثبيت التهدئة. وتبرز هنا أهمية معبر رفح باعتباره شريانًا إنسانيًا حيويًا، ليس فقط لسكان غزة، بل أيضًا باعتباره محورًا أساسيًا في أي ترتيبات عملية تخص الإغاثة والطبابة وإعادة البناء.
لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟
من منظور قسم أفريقيا، لا ينفصل ما يجري في غزة عن المجال الإقليمي الأوسع الذي تتحرك فيه مصر، سواء على مستوى الأمن الحدودي، أو توازنات شرق المتوسط، أو أدوار الوساطة العربية والإفريقية في النزاعات الممتدة. كما أن التطورات في غزة تلامس ملفي المساعدات والتهجير القسري، وهما من أكثر الملفات حساسية في الخطاب المصري الرسمي والشعبي.
أي تحول في الموقف الأمريكي تجاه الغارات الإسرائيلية يمكن أن يفتح الباب أمام تهدئة جزئية أو مؤقتة، لكن نجاح ذلك سيبقى مرهونًا بمدى استعداد حكومة نتنياهو لتقديم تنازلات عملية، وبمدى قدرة الوسطاء، وفي مقدمتهم مصر، على تثبيت تفاهمات قابلة للتنفيذ لا مجرد تصريحات سياسية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
السيناريو الأول يتمثل في نجاح الضغوط الأمريكية في فرض خفض واضح للغارات، بما يسمح بإحياء المفاوضات حول وقف النار، وتوسيع دخول المساعدات، والانتقال إلى مرحلة أكثر تنظيمًا في إدارة القطاع بعد الحرب. أما السيناريو الثاني فهو استمرار الفجوة بين واشنطن وتل أبيب، بما يؤدي إلى تعطيل الخطة المطروحة وإبقاء الوضع الميداني مفتوحًا على جولات قصف متقطعة أو تصعيد أكبر.
هناك أيضًا احتمال ثالث، وهو أن تستمر اللقاءات السياسية دون اختراق حقيقي على الأرض، وهو سيناريو اعتادته المنطقة خلال جولات سابقة، حيث تتحرك المفاوضات ببطء فيما يبقى المدنيون تحت ضغط الحرب ونقص الإمدادات. ولهذا تركز القاهرة في خطابها على أن أي مسار سياسي يجب أن يرتبط فورًا بوقف النار الفعلي، لا أن يُرحّل إلى مرحلة لاحقة.
- أمريكيًا: دعوة ترامب إلى وقف الغارات تعكس رغبة في حماية المسار التفاوضي الجاري.
- فلسطينيًا: حماس تطالب بضغط مباشر على نتنياهو لوقف القصف والانسحاب من غزة.
- إسرائيليًا: الحكومة ما تزال متمسكة بشروط أمنية صارمة وتواجه بدورها حسابات داخلية معقدة.
- مصريًا: القاهرة تؤكد أولوية وقف النار، وإدخال المساعدات، ورفض أي ترتيبات تمس الحقوق الفلسطينية أو تدفع نحو التهجير.
في المحصلة، تبدو الرسالة الأمريكية الجديدة مهمة، لكنها ليست كافية وحدها لحسم مسار الحرب. فالمشهد في غزة ما يزال رهينًا بتوازن شديد الهشاشة بين الضغط السياسي والقرار العسكري. وبينما تترقب المنطقة ما إذا كان ترامب سينتقل من الدعوة إلى الفعل السياسي المباشر، تبقى الأنظار متجهة إلى ما ستسفر عنه الساعات والأيام المقبلة: هل يتحول الحديث عن وقف الغارات إلى خطوة عملية تمهّد لهدنة أوسع، أم يظل مجرد ضغط لفظي في مواجهة حسابات نتنياهو؟ بالنسبة لمصر، الإجابة لا تتعلق بغزة وحدها، بل باستقرار الإقليم كله وبمستقبل أي مسار جاد نحو تسوية عادلة وشاملة.