ترامب يعيد رسم سياسة الوقود الأمريكية ويلغي نهج بايدن
تحول جديد في واشنطن يعيد الجدل حول السيارات التقليدية والكهربائية
أقرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) مسارًا جديدًا في ملف كفاءة استهلاك الوقود، في خطوة تمثل تراجعًا واضحًا عن المقاربة التي تبناها الرئيس السابق جو بايدن لدفع السوق الأمريكية نحو السيارات الكهربائية. التطور لا يخص الولايات المتحدة وحدها، بل يهم أيضًا القارة الأفريقية، لأن أي تعديل في سياسات النقل والطاقة الأمريكية ينعكس على الطلب العالمي على النفط، وعلى اتجاهات الاستثمار في المعادن الحيوية، وعلى سلاسل الإمداد المرتبطة بصناعة المركبات والبطاريات.
وبحسب بيانات منشورة من البيت الأبيض والإدارة الوطنية الأمريكية لسلامة المرور على الطرق السريعة، فإن إدارة ترامب قدمت ما تصفه بـإعادة ضبط لمعايير اقتصاد الوقود المعروفة اختصارًا باسم CAFE، معتبرة أن الإدارة السابقة استخدمت هذه القواعد بصورة أدت عمليًا إلى فرض تفضيل تنظيمي لصالح السيارات الكهربائية. كما سبق لترامب أن أصدر في 20 يناير 2025 أمرًا تنفيذيًا بعنوان Unleashing American Energy يتعهد فيه بإزالة ما سماه “تفويض السيارات الكهربائية” وتعزيز حرية المستهلك في الاختيار بين تقنيات الدفع المختلفة.
ما الذي تغيّر فعليًا؟
جوهر التحرك الجديد يتمثل في تقليص التشدد التنظيمي الذي رافق معايير عهد بايدن. وكانت إدارة بايدن قد أقرت في السابق معايير أكثر صرامة لكفاءة الوقود للموديلات الأحدث، بينما شرعت أيضًا في تثبيت قواعد أطول مدى تمتد إلى ما بعد 2027. وفي يونيو 2025، أعلنت وزارة النقل الأمريكية عبر وكالة NHTSA خطوة تفسيرية قالت فيها إن الإدارة السابقة لم تلتزم على نحو صحيح بالنص القانوني الذي يمنع احتساب المركبات الكهربائية مباشرة ضمن حسابات معايير CAFE عند وضع المستهدفات.
البيت الأبيض عاد لاحقًا، في 3 ديسمبر 2025، ليعلن رسميًا ما سماه إعادة ضبط معايير CAFE، موضحًا أن التشديد السابق كان، من وجهة نظر الإدارة، يرفع تكلفة السيارات الجديدة ويدفع الشركات والمستهلكين نحو خيارات لم يختاروها بحرية كاملة. هذا الخطاب السياسي والتنظيمي هو ما يعطي الخبر الحالي معناه الفعلي: ليس مجرد تعديل فني، بل انعطافة أوسع في سياسة الصناعة والطاقة داخل الولايات المتحدة.
إلغاء نهج بايدن لا يعني حظر السيارات الكهربائية
من المهم التمييز هنا بين أمرين: إدارة ترامب لا تحظر السيارات الكهربائية، لكنها تسعى إلى تقليص الدعم التنظيمي الذي كان يمنحها أفضلية غير مباشرة مقارنة بمحركات الاحتراق الداخلي أو حتى بالهجين. وفي المقابل، كانت إدارة بايدن تعتبر أن رفع كفاءة الوقود وتشديد معايير الانبعاثات يفتحان الطريق أمام أسطول أكثر نظافة ويخفضان استهلاك البنزين على المدى الطويل.
وثائق NHTSA الخاصة بقواعد 2024-2026 في عهد بايدن أوضحت أن المعايير رُفعت بوتيرة أعلى من القواعد السابقة، بينما تشير وثائق فنية لاحقة لوكالة السلامة المرورية إلى معايير نهائية للمركبات الخفيفة تمتد لسنوات 2027-2031. لكن إدارة ترامب تعتبر أن هذا المسار كان يقترب من فرض نتائج سوقية محددة، حتى لو لم يذكر نصًا كلمة “إلزام” بشراء سيارة كهربائية.
ملف كاليفورنيا كان نقطة مفصلية
التحول لم يقتصر على المعايير الفيدرالية. ففي 12 يونيو 2025 وقع ترامب ثلاثة قرارات أقرها الكونغرس لإلغاء موافقات اتحادية سابقة كانت تسمح لولاية كاليفورنيا بالمضي في قواعد أشد صرامة، من بينها المسار الذي يدفع عمليًا نحو إنهاء بيع السيارات الجديدة العاملة بالبنزين بحلول 2035 داخل الولاية. وكانت كاليفورنيا قد حصلت في أواخر عهد بايدن على دعم اتحادي لخطتها، وهو ما منحها وزنًا كبيرًا لأن ولايات أمريكية أخرى تتبنى غالبًا النهج التنظيمي نفسه.
هذه المواجهة بين واشنطن وكاليفورنيا ذات أهمية عالمية، لأن الولاية الأمريكية ليست سوقًا هامشية؛ فهي من أكبر أسواق السيارات في العالم، وأي قاعدة تُطبق فيها تؤثر عادة في قرارات شركات التصنيع العالمية من أوروبا إلى آسيا، مرورًا بالموردين المرتبطين بالمعادن والطاقة في أفريقيا.
لماذا يهم هذا الخبر أفريقيا ومصر تحديدًا؟
الزاوية الأفريقية في هذا الملف واضحة. أولًا، تراجع الاندفاعة الأمريكية الرسمية نحو المركبات الكهربائية قد يؤثر في سرعة نمو الطلب العالمي على بعض المعادن المستخدمة في البطاريات مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل والمنغنيز، وهي معادن ترتبط بها دول أفريقية عديدة إما إنتاجًا أو استثمارًا أو مشاريع لوجستية. وثانيًا، إذا أدى تخفيف القيود على السيارات التقليدية إلى دعم استهلاك الوقود في الولايات المتحدة، فقد تكون هناك انعكاسات غير مباشرة على أسواق النفط والشحن والتكرير التي تتابعها الاقتصادات الأفريقية المستوردة للطاقة عن كثب.
بالنسبة للقارئ المصري، تبدو القضية بعيدة جغرافيًا لكنها متصلة بملفات قريبة جدًا: أسعار الطاقة، وتكلفة النقل، واتجاهات الصناعة العالمية، وحتى سياسات التحول الأخضر التي تتعامل معها الحكومات والشركات في أفريقيا. كذلك فإن كثيرًا من الأسواق الأفريقية، ومنها أسواق شمال القارة، ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على المركبات التقليدية أو المستعملة، ما يجعل أي تباطؤ عالمي في الانتقال الكامل إلى الكهرباء عاملًا مؤثرًا في تدفقات السيارات والتكنولوجيا خلال السنوات المقبلة.
الجدل الاقتصادي والبيئي مستمر
إدارة ترامب تدافع عن قراراتها باعتبارها وسيلة لخفض تكلفة السيارة على المستهلك الأمريكي وحماية وظائف الصناعة وإعطاء الشركات مساحة أوسع للتدرج التكنولوجي. والبيت الأبيض قال في أكثر من بيان إن المقاربة الجديدة تمنع زيادة في أسعار المركبات الجديدة وتعيد الاعتبار لما يسميه الاختيار الاستهلاكي.
في المقابل، يرى المدافعون عن سياسات بايدن أن تخفيف معايير الكفاءة قد يضر بالأهداف المناخية ويرفع استهلاك الوقود والانبعاثات على المدى البعيد، كما أنه يبعث برسالة مربكة للمصنعين الذين استثمروا مليارات الدولارات في التحول نحو الكهرباء والهجين والبطاريات. لذلك من المرجح أن يظل الملف محل نزاع قانوني وسياسي، خصوصًا مع استمرار الخلاف حول صلاحيات الحكومة الفيدرالية مقارنة بصلاحيات الولايات.
ماذا نعرف حتى الآن؟
- 20 يناير 2025: ترامب أصدر أمرًا تنفيذيًا يتعهد بإنهاء ما يسميه “تفويض السيارات الكهربائية”.
- 6 يونيو 2025: وزارة النقل الأمريكية عبر NHTSA أعلنت خطوة تفسيرية تعتبر أن نهج بايدن في معايير CAFE خالف طريقة التطبيق القانونية.
- 12 يونيو 2025: ترامب وقع قرارات أقرها الكونغرس لإبطال موافقات اتحادية دعمت قواعد كاليفورنيا الخاصة بالمركبات والانبعاثات.
- 3 ديسمبر 2025: البيت الأبيض أعلن رسميًا “إعادة ضبط” معايير اقتصاد الوقود CAFE.
خلاصة المشهد
الخبر في جوهره ليس مجرد تغيير رقمي في كفاءة استهلاك الوقود، بل إعادة تعريف لأولويات السياسة الصناعية والبيئية في أكبر اقتصاد في العالم. إدارة بايدن رأت أن التشدد في المعايير أداة لتسريع التحول الأخضر، بينما تعتبر إدارة ترامب أن هذا التشدد تحول إلى ضغط تنظيمي يشبه الإلزام غير المباشر بالسيارات الكهربائية. وبين المسارين، تراقب أسواق الطاقة والمعادن والنقل في أفريقيا ما يجري عن قرب، لأن ارتدادات القرار الأمريكي ستتجاوز بالتأكيد حدود السوق المحلية إلى الاقتصاد العالمي كله.