ترامب يعيد طرح نزع السلاح النووي مع روسيا والصين
ترامب يعيد إحياء ملف السلاح النووي مع موسكو وبكين
أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) فتح النقاش حول مستقبل التسلح النووي العالمي، بعدما أعلن في 13 فبراير 2025 أنه يريد استئناف محادثات الحد من الأسلحة مع كل من روسيا والصين، معربًا كذلك عن أمله في الوصول لاحقًا إلى خفض واسع في الإنفاق الدفاعي للدول الثلاث. وجاءت تصريحات ترامب خلال لقاء في البيت الأبيض على هامش استضافة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، في لحظة دولية شديدة الحساسية تتقاطع فيها حرب أوكرانيا مع التوتر الأميركي-الصيني واهتزاز منظومة ضبط التسلح القديمة.
الطرح الأميركي الجديد لا يقتصر على الشق النووي فقط، بل يرتبط أيضًا برؤية أوسع تقول إن القوى الكبرى تنفق أموالًا هائلة على التسلح يمكن تقليصها إذا جرى التوصل إلى تفاهمات استراتيجية. وبالنسبة للمتابع العربي، فإن هذا النوع من التصريحات لا يبقى حبيس العلاقات بين واشنطن وموسكو وبكين، بل ينعكس على أمن الشرق الأوسط، وأسواق الطاقة، وحسابات الردع الإقليمي، خاصة في ظل بقاء الملف النووي أحد أكثر ملفات الأمن الدولي تأثيرًا على المنطقة.
ماذا قال ترامب تحديدًا؟
بحسب ما نقلته تغطيات صحفية أميركية موثوقة لنص تصريحاته في 13 فبراير 2025، قال ترامب إنه يريد عقد اجتماع مع الصين وروسيا من أجل “إبطاء” و“وقف” و“تقليص” الأسلحة النووية على وجه الخصوص، مضيفًا أنه لا يرى مبررًا للاستمرار في بناء هذا الحجم من الترسانات إذا أمكن الوصول إلى تفاهمات تخفف مخاطر المواجهة النووية. كما أبدى رغبة في أن تنتهي تلك العملية، على المدى الأبعد، إلى خفض كبير في الميزانيات العسكرية للدول الثلاث.
هذه ليست المرة الأولى التي يطرح فيها ترامب هذا التصور؛ فقد سبق لإدارته الأولى أن حاولت إدخال الصين في مسار تفاوضي أوسع بشأن ضبط التسلح، لكن بكين لم تُظهر حماسة لذلك في ذلك الوقت. الجديد هذه المرة أن التصريحات جاءت بينما يقترب أجل معاهدة نيو ستارت، وهي آخر معاهدة كبرى كانت تضع قيودًا قانونية على الأسلحة النووية الاستراتيجية الأميركية والروسية.
لماذا يكتسب التوقيت أهمية خاصة؟
أهمية التصريحات ترتبط مباشرة بأن معاهدة نيو ستارت كانت مقررة للانتهاء في 5 فبراير 2026، وهي المعاهدة التي قيدت أعداد الرؤوس النووية الاستراتيجية المنشورة ووسائل إيصالها لدى الولايات المتحدة وروسيا. ومع انتهاء المعاهدة لاحقًا بالفعل في فبراير 2026، دخل النظام الدولي مرحلة أكثر هشاشة من ناحية الرقابة القانونية الملزمة على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم.
ووفق تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، امتلكت الدول التسع النووية مع بداية عام 2025 نحو 12241 رأسًا نوويًا، منها 9614 ضمن المخزونات العسكرية القابلة للاستخدام المحتمل. وتشير التقديرات نفسها إلى أن نحو 2100 رأس نووي كانت في حالة تأهب عملياتي عالٍ على صواريخ باليستية، ومعظمها يتبع روسيا والولايات المتحدة. هذا يعني أن أي حديث عن خفض التسلح لا يدور حول ملف رمزي، بل حول مخزون تدميري ما زال قادرًا على تغيير موازين الأمن العالمي خلال دقائق.
رد الصين: مسؤولية واشنطن وموسكو أولًا
الصين لم ترفض الفكرة بشكل مباشر، لكنها أعادت التأكيد على موقفها التقليدي. ففي 14 فبراير 2025، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية قوه جيا كون إن الولايات المتحدة وروسيا، باعتبارهما صاحبتَي أكبر ترسانتين نوويتين في العالم، تتحملان المسؤولية الأساسية والأولوية في نزع السلاح النووي، وعليهما إجراء تخفيضات “جذرية وموضوعية” أولًا، بما يهيئ الظروف لانضمام دول نووية أخرى إلى العملية لاحقًا.
كما شددت بكين على أنها تتبنى سياسة “عدم البدء باستخدام السلاح النووي”، وأنها تحتفظ بقدراتها النووية عند “الحد الأدنى المطلوب” لأمنها القومي، رافضة تصوير نفسها كطرف مكافئ عدديًا لواشنطن أو موسكو في الوقت الراهن. غير أن مراكز بحثية دولية تتابع هذا الملف تؤكد في الوقت نفسه أن الصين تواصل توسيع وتحديث ترسانتها النووية بوتيرة لافتة، وهو ما يجعل إدخالها في أي ترتيبات مستقبلية هدفًا مطروحًا بقوة لدى دوائر القرار في الولايات المتحدة.
روسيا والولايات المتحدة: أكثر من 90% من السلاح النووي العالمي
الرقم الأكثر دلالة في هذا الجدل هو أن الولايات المتحدة وروسيا تمتلكان معًا أكثر من 90% من إجمالي الأسلحة النووية في العالم، وهي نقطة كررتها بكين رسميًا في ردها. لذلك ترى أطراف كثيرة أن أي حديث جاد عن نزع السلاح يجب أن يبدأ أولًا من العلاقة الأميركية-الروسية، قبل الانتقال إلى إطار ثلاثي أوسع يشمل الصين.
لكن العقبة الكبرى هنا سياسية قبل أن تكون تقنية. فالعلاقات بين واشنطن وموسكو تدهورت بشدة منذ الحرب الروسية الأوكرانية، كما أن الثقة المتبادلة بين الولايات المتحدة والصين تمر بمرحلة معقدة بسبب ملفات تايوان، والتكنولوجيا، والوجود العسكري في المحيطين الهندي والهادئ. ولهذا، فإن الدعوة إلى محادثات نووية تبدو من حيث المبدأ مهمة، لكنها تصطدم ببيئة استراتيجية بالغة التوتر.
هل يمكن أن تتحول الفكرة إلى مفاوضات فعلية؟
نظريًا، نعم. عمليًا، الأمر أكثر تعقيدًا. خبراء ضبط التسلح يرون أن أي مسار تفاوضي جديد يحتاج إلى عدة شروط أساسية:
- قنوات اتصال مستقرة بين واشنطن وموسكو وواشنطن وبكين.
- اتفاق على جدول أعمال واضح يشمل الرؤوس النووية الاستراتيجية وغير الاستراتيجية وأنظمة الإطلاق.
- آليات تحقق ورقابة يمكن الوثوق بها، وهي من أعقد عناصر أي اتفاق نووي.
- ربط الملف النووي بخفض المخاطر وليس فقط بالأعداد، مثل منع سوء التقدير في الأزمات.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات مؤكدة على انطلاق مفاوضات ثلاثية شاملة ورفيعة المستوى أفضت إلى إطار تفاوضي رسمي. الموجود هو إعلان نوايا من ترامب، ورد صيني يشدد على أولوية التخفيض الأميركي-الروسي، بينما ظل المشهد الدولي خلال 2025 و2026 محكومًا بحسابات الردع والسباق على التحديث العسكري أكثر من كونه محكومًا بانفراجة تفاوضية.
لماذا يهم هذا الملف القارئ في مصر والمنطقة العربية؟
من منظور عربي، لا يبدو ملف الحد من الأسلحة النووية بعيدًا عن المنطقة كما قد يُتصور. فكل توتر بين القوى الكبرى ينعكس سريعًا على ملفات الشرق الأوسط، سواء عبر أسعار الطاقة، أو خرائط التحالفات، أو مستوى الانخراط العسكري الدولي في الإقليم. كما أن أي حديث أميركي عن خفض التوتر النووي يتقاطع عادة مع نقاشات أوسع حول منع الانتشار النووي، وهي قضايا تهم دول المنطقة سياسيًا وأمنيًا.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تصاعد سباق التسلح بين القوى الكبرى يعني أن العالم يتحرك نحو مرحلة أكثر كلفة وأقل استقرارًا. وفي لحظة تواجه فيها اقتصادات كثيرة ضغوطًا معيشية وتنموية، يصبح سؤال: هل يمكن تحويل جزء من هذه الموازنات العسكرية الهائلة إلى التنمية؟ سؤالًا مفهومًا وجاذبًا للرأي العام، حتى لو بدا تنفيذه بعيدًا حتى الآن.
الخلاصة
طرح ترامب أعاد ملف نزع السلاح النووي إلى الواجهة الدولية في توقيت بالغ الحساسية. الفكرة من حيث المبدأ تلقى اهتمامًا واسعًا، خاصة مع نهاية العمل بقيود نيو ستارت وتصاعد المخاوف من سباق تسلح جديد. لكن ترجمة التصريحات إلى مفاوضات فعلية ستعتمد على ما هو أكثر من الرغبة السياسية المعلنة: ستحتاج إلى قدر من الثقة، وقواعد تحقق صارمة، واستعداد من القوى الكبرى للفصل بين خلافاتها الجيوسياسية وبين الحد الأدنى من الاستقرار النووي العالمي. وحتى يحدث ذلك، سيظل الملف مفتوحًا، ومعه تبقى المنطقة العربية من بين أكثر المناطق مراقبة لأي تحول محتمل في موازين الردع الدولية.