Akhbar Cairo

ترامب يقرّ بتعقيد التفاوض مع إيران بعد استهداف قياداتها

ترامب يعترف بصعوبة التفاوض مع إيران بعد تصفية قيادات بارزة

في تصريح يكشف حجم الارتباك الذي أصاب مسار الاتصالات بين واشنطن وطهران، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة ربما دفعت التصعيد بعيدًا إلى حدّ أنها لم تعد تعرف على وجه الدقة مع من ينبغي أن تتفاوض داخل إيران. هذا الموقف يعكس تحوّلًا لافتًا في خطاب البيت الأبيض، إذ أقرّ ترامب بأن استهداف الصف القيادي الإيراني ربما جعل الوصول إلى قناة تفاوض فعّالة أكثر صعوبة، بدلًا من أن يفتح الباب لتسوية أسرع.

وتأتي هذه التصريحات من ترامب، الرئيس الأميركي العائد إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، في سياق إقليمي بالغ الحساسية، بعدما دخل الملف الإيراني مرحلة أكثر تعقيدًا عقب الضربات التي استهدفت منشآت وشخصيات إيرانية، وتسببت في تعطيل مسار المحادثات النووية غير المباشرة التي كانت تُجرى بوساطة عُمانية.

ماذا قال ترامب تحديدًا؟

بحسب تصريحات موثقة في مداخلات ومؤتمرات صحفية رسمية، أشار ترامب إلى أن المشكلة لم تعد فقط في شروط الاتفاق أو مستوى تخصيب اليورانيوم، بل في غياب وضوح الطرف المقابل داخل إيران. وفي إحدى الإحاطات الرسمية، قال إن أحدًا لا يعرف على نحو مؤكد من هم القادة الفعليون الآن، وإن واشنطن لا تريد قطع مسافات طويلة لعقد لقاءات مع أشخاص غير معروفين سياسيًا أو غير مخوّلين باتخاذ القرار النهائي.

هذا المعنى يتقاطع مع ما ورد في نصوص رسمية منشورة عن الإدارة الأميركية، حيث بدا واضحًا أن البيت الأبيض يرى أن الضربات والاغتيالات غيّرت بنية التفاوض نفسها، لا مجرد ميزان الضغط. ومن هنا جاءت الإشارة إلى أن وقف التصعيد في مراحله الأولى ربما كان سيُبقي الباب مفتوحًا أمام تفاوض أكثر وضوحًا وأقل فوضى.

خلفية الأزمة: لماذا تعطلت المفاوضات؟

المحادثات الأميركية الإيرانية كانت قد دخلت مسارًا حساسًا خلال يونيو/حزيران 2025، مع التحضير لجولة سادسة في مسقط. لكن وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي أعلن في 14 يونيو/حزيران 2025 أن الجولة التي كانت مقررة في اليوم التالي لن تُعقد، بعد أن اعتبرت طهران أن استمرار الهجمات الإسرائيلية يجعل التفاوض “غير مبرر” في تلك اللحظة.

وفي الوقت نفسه، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده لا ترى جدوى من المفاوضات بينما تتعرض لهجمات، وهو ما أكد أن قرار الحوار بات مرتبطًا مباشرة بالميدان العسكري، لا فقط بالخلافات التقنية حول البرنامج النووي. بالنسبة إلى القارئ المصري، فهذه النقطة شديدة الأهمية، لأن أي توقف في التفاوض بين واشنطن وطهران ينعكس سريعًا على أمن الممرات البحرية وأسعار الطاقة وحسابات الاستقرار في الخليج والبحر الأحمر.

الملف النووي يزيد المشهد تعقيدًا

التوتر السياسي لم يكن منفصلًا عن التطورات الفنية في الملف النووي. ففي 12 يونيو/حزيران 2025، تبنّى مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قرارًا جديدًا بشأن إيران، في خطوة أكدت أن الخلاف لم يعد دبلوماسيًا فقط، بل بات مرتبطًا أيضًا بمسائل رقابية وفنية متراكمة تتعلق بالتفتيش والتخصيب والتعاون مع الوكالة.

وبعد ذلك بيوم واحد، في 13 يونيو/حزيران 2025، دخلت المواجهة الإسرائيلية الإيرانية مرحلة أكثر سخونة، ما دفع كثيرين إلى اعتبار أن نافذة التسوية النووية ضاقت بشدة. تقارير لاحقة أشارت كذلك إلى أن طهران أبلغت الوسطاء بأنها لن تدخل في مفاوضات جادة قبل استكمال ردّها على الهجمات، بما يعني عمليًا تجميد المسار التفاوضي في لحظة كان يُفترض أنها حاسمة.

ما الذي تعنيه تصريحات ترامب سياسيًا؟

تصريحات ترامب لا تبدو مجرد ملاحظة عابرة، بل تحمل دلالتين أساسيتين. الأولى أن الإدارة الأميركية لا تزال تعتبر الضغط العسكري والاقتصادي أداة مشروعة لفرض الشروط على إيران، لكنها باتت تعترف بأن هذا الضغط قد يخلق فراغًا تفاوضيًا يصعّب الوصول إلى اتفاق. أما الدلالة الثانية فهي أن واشنطن تريد التفاوض مع مركز قرار واضح، سواء كان سياسيًا أو أمنيًا، وهو ما لا يبدو متاحًا بسهولة في ظل الاضطراب الحالي داخل هرم السلطة الإيرانية.

ومن زاوية إقليمية، فإن هذا الكلام يهم دول المنطقة العربية مباشرة، لأن أي غموض في القيادة أو في قنوات الاتصال يرفع احتمالات سوء التقدير. وفي ملفات حساسة مثل أمن الخليج، وحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وامتدادات التوتر إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن، فإن غياب عنوان تفاوضي واضح قد يطيل أمد الأزمة بدلًا من احتوائها.

كيف تنظر المنطقة إلى هذا التطور؟

في العالم العربي، لا تُقرأ هذه التصريحات فقط من زاوية السجال الأميركي الإيراني، بل من زاوية أثرها على التوازنات الأوسع. مصر ودول الخليج تتابع عادة مسار العلاقة بين واشنطن وطهران لأن نتائجه تمس ملفات الطاقة والأمن البحري والتجارة. وعندما يقول رئيس أميركي إنه لا يعرف مع من يتفاوض، فذلك يعني أن الأزمة تجاوزت حدود الخلاف التقليدي حول تخصيب اليورانيوم، لتصل إلى إشكال أعمق يتعلق بهوية الشريك المقابل وقدرته على الالتزام بأي تعهد.

كما أن استمرار الغموض يضع الوسطاء الإقليميين، وفي مقدمتهم سلطنة عُمان، أمام مهمة أصعب. فمسقط لعبت دورًا محوريًا في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة بين الجانبين، لكن نجاح الوساطة يتطلب وجود أطراف واضحة الصلاحيات وقادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

حتى الآن، لا يوجد ما يؤكد عودة وشيكة للمفاوضات بالشكل الذي كانت تسير به قبل يونيو/حزيران 2025. وبينما يواصل ترامب التلويح بالقوة وبتشديد الضغوط، تتمسك طهران بأن أي حوار لا يمكن أن يتم تحت النار. وبين الموقفين، تبقى المنطقة أمام ثلاثة احتمالات رئيسية:

  • استئناف الاتصالات غير المباشرة: إذا نجحت الوساطات في إعادة بناء قناة تواصل موثوقة.
  • استمرار الجمود: وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا إذا بقي الغموض قائمًا داخل المشهد الإيراني.
  • العودة إلى التصعيد: إذا اعتُبر غياب التفاوض مبررًا لتوسيع الضربات أو تشديد العقوبات.

خلاصة المشهد

ما قاله دونالد ترامب لا يختصر فقط مأزق التفاوض مع إيران، بل يلخص أزمة أوسع في الشرق الأوسط: استخدام القوة قد يحقق مكاسب تكتيكية، لكنه لا يضمن بالضرورة وجود شريك سياسي يمكن التفاهم معه لاحقًا. وفي لحظة تتقاطع فيها الحسابات النووية مع الصراع العسكري ومع أمن الممرات الاستراتيجية، يصبح السؤال الذي طرحه ترامب — مع من نتفاوض؟ — واحدًا من أكثر الأسئلة إلحاحًا في الإقليم كله.

وبالنسبة إلى المتابع العربي، فإن أهمية هذه التصريحات لا تكمن في بعدها الأميركي الداخلي فقط، بل في انعكاسها المباشر على محيط عربي يعيش أصلًا على إيقاع أزمات مترابطة. فكلما تراجع أفق التفاوض بين واشنطن وطهران، ازدادت احتمالات أن تدفع المنطقة كلفة إضافية من الاستقرار والاقتصاد والأمن.