Akhbar Cairo

ترامب يلوّح بلقاء جديد مع كيم: دبلوماسية شخصية أم ورقة ضغط؟

عودة الملف الكوري الشمالي إلى الواجهة

أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) تسليط الضوء على ملف كوريا الشمالية بعد حديثه عن احتمال عقد لقاء جديد مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، مع تأكيده أن علاقته الشخصية به كانت جيدة، وأن الأمور يمكن أن تسير بصورة إيجابية إذا توافرت الظروف السياسية المناسبة. هذه الإشارات ليست جديدة تمامًا في خطاب ترامب، لكنها تكتسب وزنًا أكبر لأن الملف النووي الكوري عاد خلال الفترة الأخيرة إلى دائرة الاهتمام الأمني في آسيا وواشنطن على السواء.

من زاوية مصرية وعربية، لا يبدو هذا التطور بعيدًا عن مصالح المنطقة. فكل توتر في شرق آسيا ينعكس على أسواق السلاح والطاقة، وعلى أولويات السياسة الأمريكية عالميًا، بما فيها الشرق الأوسط. لذلك فإن أي حديث عن انفراجة أمريكية مع بيونغ يانغ يستحق المتابعة، ليس باعتباره خبرًا بروتوكوليًا، بل باعتباره مؤشرًا على الطريقة التي يفكر بها ترامب في إدارة الأزمات الدولية.

ماذا قال ترامب فعليًا؟

خلال تصريحات علنية في 2025، قال ترامب إنه يتطلع إلى لقاء كيم جونغ أون مرة أخرى في الوقت المناسب، مشددًا على أنه يحتفظ معه بـعلاقة جيدة. كما سبق له في مناسبات أخرى أن لمح إلى انفتاحه على استئناف التواصل المباشر مع الزعيم الكوري الشمالي، في امتداد واضح للنهج الذي تبناه خلال ولايته الأولى، حين راهن على الدبلوماسية الشخصية بدلًا من المسارات التفاوضية البطيئة داخل المؤسسات. هذا المعنى أكدته أيضًا تغطيات إخبارية أمريكية حديثة وتصريحات منشورة ضمن السجل الرئاسي الرسمي.

المهم هنا أن ترامب لم يعلن موعدًا نهائيًا أو ترتيبات مكتملة للقاء، بل تحدث بصيغة الاحتمال والترقب. وهذا فارق جوهري؛ لأن الفجوة بين الرغبة السياسية وبين الوصول إلى قمة فعلية مع كوريا الشمالية ما زالت كبيرة، خصوصًا في ظل الخلاف المزمن حول نزع السلاح النووي وآليات التحقق والعقوبات.

خلفية العلاقة بين ترامب وكيم

العلاقة بين الرجلين مرت بمسار استثنائي في تاريخ العلاقات الأمريكية الكورية الشمالية. ففي 12 يونيو 2018، انعقدت قمة سنغافورة بين ترامب وكيم جونغ أون، وخرجت ببيان مشترك تعهد فيه الطرفان بالعمل نحو ترتيبات جديدة للعلاقات والسعي إلى نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية. وبعد ذلك جرت قمة ثانية في هانوي في فبراير 2019، لكنها انتهت من دون اتفاق نهائي. ثم جاء اللقاء الرمزي في المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين يوم 30 يونيو 2019، حين أصبح ترامب أول رئيس أمريكي في المنصب يعبر إلى داخل الأراضي الكورية الشمالية ولو لفترة وجيزة.

هذه المحطات صنعت صورة سياسية أراد ترامب ترسيخها: رئيس قادر على كسر المحظورات الدبلوماسية عبر التواصل الشخصي المباشر. لكن المشكلة أن هذا الزخم الرمزي لم يتحول إلى اتفاق مستدام يوقف البرنامج النووي أو الصاروخي الكوري الشمالي.

لماذا يعود الحديث الآن؟

السبب الأول يتعلق بأسلوب ترامب نفسه. فهو يميل إلى تقديم السياسة الخارجية بوصفها مزيجًا من الصفقات والعلاقات الشخصية، لا مجرد ملفات تديرها البيروقراطية. لذلك فإن استدعاء اسم كيم جونغ أون في هذا التوقيت يخدم صورة ترامب كصانع مفاجآت، خصوصًا عندما يريد إظهار قدرته على فتح قنوات مع خصوم يصعب على غيره التواصل معهم.

السبب الثاني يرتبط بالبيئة الأمنية في شرق آسيا. كوريا الشمالية واصلت في السنوات الأخيرة تطوير قدراتها الصاروخية والنووية بحسب تقييمات رسمية أمريكية ودولية، بينما بقيت العقوبات قائمة، ولم تُستأنف مفاوضات نزع السلاح بصورة شاملة. وفي المقابل، تظل سيول وطوكيو قلقتين من أي تفاهم أمريكي منفرد قد يمنح بيونغ يانغ مكاسب سياسية من دون مقابل أمني واضح.

أما السبب الثالث، فهو أن أي تلميح إلى استئناف التفاوض يمنح واشنطن هامشًا إضافيًا في إدارة ملفات آسيوية أخرى، من المنافسة مع الصين إلى ترتيبات الردع الإقليمي. بمعنى آخر، الحديث عن كيم ليس معزولًا عن توازنات أوسع في المحيط الهادئ.

بين الدبلوماسية الشخصية وحدودها

السؤال الأهم ليس ما إذا كان ترامب قادرًا على لقاء كيم مرة أخرى، بل ما إذا كان لقاء جديد سيغير شيئًا فعليًا. التجربة السابقة تقول إن القمم يمكن أن تخفف التوتر مؤقتًا، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج اختراق تاريخي. فعندما انعقدت قمة سنغافورة، ارتفعت التوقعات كثيرًا، إلا أن غياب التفاصيل التنفيذية والاختلاف على مفهوم نزع السلاح النووي أضعفا المسار لاحقًا.

من منظور تحليلي، تقوم مقاربة ترامب على فرضية أن العلاقة الشخصية يمكن أن تكسر انعدام الثقة. هذه الفرضية حققت مشاهد قوية أمام الكاميرات، لكنها اصطدمت بوقائع التفاوض الصلبة: كوريا الشمالية تريد ضمانات أمنية وتخفيفًا للعقوبات واعترافًا سياسيًا، بينما تريد واشنطن خطوات قابلة للتحقق تقلص التهديد النووي. من دون جسر واضح بين هذين المطلبين، تبقى القمة حدثًا إعلاميًا أكثر منها تحولًا استراتيجيًا.

كيف تنظر سيول وواشنطن إلى الاحتمال الجديد؟

التقارير الأخيرة أظهرت أن كوريا الجنوبية تأمل أن تساعد العلاقة التي يتحدث عنها ترامب مع كيم على استئناف حوار ذي معنى في شبه الجزيرة الكورية. لكن هذا الأمل يقابله حذر مؤسسي داخل دوائر الأمن والدفاع، خاصة بعد الجدل حول تقليص بعض التدريبات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، وهي خطوة ربطها ترامب علنًا برغبته في تحسين فرص التفاوض.

هذا الحذر مفهوم؛ لأن أي تنازل عسكري أو سياسي قبل الحصول على مقابل ملموس من بيونغ يانغ قد يُفسَّر باعتباره إضعافًا للردع. وفي الوقت نفسه، فإن الإبقاء على الجمود الكامل لم يحقق هو الآخر اختراقًا. هنا بالضبط تكمن معضلة الملف: لا التصعيد ينجح وحده، ولا المجاملة الشخصية تكفي وحدها.

ما الذي يعنيه ذلك للقارئ المصري؟

قد يبدو ملف كوريا الشمالية بعيدًا جغرافيًا عن القاهرة، لكنه مهم للقارئ المصري لثلاثة أسباب رئيسية:

  • أولًا: لأنه يكشف طبيعة إدارة ترامب للسياسة الخارجية، وهي مسألة تؤثر على كل مناطق العالم، بما فيها الشرق الأوسط.
  • ثانيًا: لأن أي تحول في أولويات واشنطن الاستراتيجية ينعكس على توزيع الاهتمام والموارد بين آسيا والشرق الأوسط.
  • ثالثًا: لأن استقرار الأسواق العالمية، خاصة في أوقات التوتر الجيوسياسي، يبقى عاملًا مؤثرًا على الاقتصادات المستوردة للطاقة والغذاء، ومنها الاقتصاد المصري.

من هذه الزاوية، يصبح تصريح ترامب عن كيم أكثر من مجرد استعادة لذكريات القمم السابقة؛ إنه نافذة على أسلوب حكم يفضل الرمزية العالية والمبادرات الشخصية، حتى في أعقد ملفات الانتشار النووي.

الخلاصة: هل نحن أمام اختراق أم إعادة تدوير؟

الراجح حتى الآن أن حديث ترامب عن لقاء جديد مع كيم جونغ أون يمثل إشارة سياسية أكثر منه إعلانًا عن مسار تفاوضي مكتمل. الوقائع المؤكدة تقول إن الرجل ما زال يفاخر بعلاقته الشخصية مع الزعيم الكوري الشمالي، وإنه يرى في هذه العلاقة أصلًا سياسيًا يمكن البناء عليه. لكن الوقائع نفسها تقول أيضًا إن التجربة السابقة، رغم رمزيتها التاريخية، لم تُنهِ الأزمة النووية ولم تؤسس لتسوية قابلة للحياة.

لذلك، فإن أي تقييم جاد يجب أن يميز بين الدبلوماسية كصورة والدبلوماسية كنتيجة. الصورة قد تعود سريعًا، وربما نشهد لقاء جديدًا بالفعل إذا توافرت الظروف. أما النتيجة، فلن تتحدد إلا إذا تحولت الكلمات الودية واللقطات التاريخية إلى تفاهمات محددة حول السلاح النووي والعقوبات والضمانات الأمنية. وحتى يحدث ذلك، سيبقى ملف ترامب وكيم واحدًا من أكثر ملفات السياسة الدولية إثارة للانتباه، وأقلها قابلية للحسم السريع.