Akhbar Cairo

ترامب يهاجم المحكمة العليا بعد رفض قيود التصويت بالبريد

تصعيد جديد من البيت الأبيض ضد أعلى سلطة قضائية

دخل الجدل الأمريكي حول التصويت بالبريد مرحلة أكثر سخونة بعد هجوم مباشر شنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على المحكمة العليا، عقب قرار قضائي أبقى القيود التي سعت إدارته إلى فرضها خارج التنفيذ قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر 2026. وجاءت تصريحات ترامب في منشور على منصة تروث سوشال، حيث انتقد القضاة الذين عارضوا مسار إدارته، معتبرًا أنهم لم يعودوا على الصورة التي توقعها عندما جرى اختيار بعضهم للمحكمة.

القرار يعكس حساسية استثنائية في المشهد السياسي الأمريكي، لأن النزاع لا يتعلق فقط بإجراءات اقتراع، بل يمتد إلى سؤال أكبر: من يملك الكلمة الفصل في إدارة الانتخابات الفيدرالية، الحكومة المركزية في واشنطن أم الولايات التي تتولى تقليديًا تنظيم العملية الانتخابية؟

ما الذي قررته المحكمة العليا؟

بحسب تقارير وكالة أسوشيتد برس المنشورة يومي 14 و15 سبتمبر 2026، رفضت المحكمة العليا الأمريكية السماح بالمضي في خطة ترامب الهادفة إلى تشديد قواعد التصويت عبر البريد قبل الانتخابات النصفية، ما أبقى إجراءات قائمة في عدد كبير من الولايات دون تغيير. وكانت المحاكم الأدنى درجة قد أوقفت أجزاء أساسية من هذه الخطة بالفعل، قبل أن يأتي موقف المحكمة العليا ليغلق، عمليًا، واحدًا من أهم رهانات البيت الأبيض في هذا الملف.

وتشير المعطيات المتداولة في التغطيات القضائية والإعلامية الأمريكية إلى أن المشروع واجه اعتراضات من ولايات يقودها الديمقراطيون، ومن جماعات مدافعة عن حق التصويت، رأت أن إدخال تغييرات واسعة على أنظمة الاقتراع البريدي قبل أسابيع قليلة من الانتخابات قد يربك الإدارة الانتخابية ويحرم ناخبين مؤهلين من التصويت، خصوصًا كبار السن وسكان المناطق الريفية وذوي الإعاقة.

منشور ترامب.. لغة حادة ورسالة سياسية

ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض ويخوض معارك متكررة حول قواعد الانتخابات، استخدم لهجة هجومية غير معتادة حتى بمقاييس خطابه السياسي الحاد. وفي منشوره، قال إن بعض القضاة يفتقرون إلى الشجاعة لاتخاذ قرارات مصيرية، وذهب إلى حد التلميح بأن ضغوط خصومه السياسيين تؤثر في المؤسسة القضائية. كما نقلت تقارير أمريكية عنه قوله إن هؤلاء القضاة “ليسوا الأشخاص الذين قابلتهم” لشغل مقاعد المحكمة العليا.

هذا النوع من الخطاب لا يُقرأ في واشنطن باعتباره مجرد انفعال لحظي، بل كرسالة موجهة إلى القاعدة الجمهورية المحافظة، التي يعتبر جزء منها أن توسيع التصويت بالبريد قد يفتح الباب أمام تجاوزات، رغم أن المحاكم الأمريكية ومسؤولين انتخابيين في ولايات من الحزبين لم يقدموا أدلة تثبت وجود تزوير واسع النطاق يبرر هذا التغيير الجذري.

خلفية الأزمة: أمر تنفيذي ونزاع دستوري

تعود جذور المواجهة الحالية إلى أمر تنفيذي وقّعه ترامب في 31 مارس 2026 بهدف تشديد ضوابط التصويت بالبريد على مستوى البلاد. ووفق ما أوردته تغطيات قضائية وإعلامية أمريكية، تضمّن التوجه الفيدرالي محاولة لإعادة صياغة آليات إرسال وتسليم بطاقات الاقتراع البريدي، بما يفرض على الولايات ترتيبات جديدة في توقيت حساس للغاية قبل الانتخابات.

لكن منتقدي القرار قالوا إن الدستور الأمريكي يمنح الولايات دورًا أساسيًا في إدارة الانتخابات، وإن التدخل الفيدرالي الواسع في هذا التوقيت يقترب من “فدرلة” العملية الانتخابية بطريقة غير مسبوقة. كما جادل مسؤولون انتخابيون بأن الأنظمة اللوجستية والبريدية كانت قد دخلت بالفعل مرحلة التنفيذ العملي للانتخابات، بما في ذلك إرسال بطاقات للناخبين في عدد من الولايات.

لماذا يثير التصويت بالبريد كل هذا الجدل؟

بالنسبة للقارئ في مصر أو في القارة الأفريقية عمومًا، قد يبدو السجال الأمريكي حول التصويت بالبريد مرتبطًا بالتفاصيل الفنية فقط، لكنه في الحقيقة يعكس انقسامًا أوسع حول الثقة في المؤسسات. فمنذ انتخابات 2020، ظل ترامب يشكك مرارًا في التصويت البريدي، رغم أنه استخدم هذا الأسلوب شخصيًا في انتخابات سابقة بولاية فلوريدا. وفي المقابل، ترى منظمات حقوقية ومسؤولو انتخابات أن الاقتراع بالبريد أصبح جزءًا أساسيًا من المشاركة السياسية في الولايات المتحدة، خاصة لمن يصعب عليهم الحضور الشخصي يوم التصويت.

هذا الجدل لا يخص الولايات المتحدة وحدها؛ إذ تتابعه عواصم كثيرة في أفريقيا باهتمام، لأن صورة الديمقراطية الأمريكية كثيرًا ما تُقدَّم دوليًا باعتبارها مرجعًا في إدارة الانتخابات والفصل بين السلطات. وعندما يصل الخلاف إلى صدام علني بين الرئيس والمحكمة العليا، فإن ذلك يسلط الضوء على هشاشة التوافق السياسي حتى داخل أقدم الديمقراطيات المؤثرة عالميًا.

ماذا يعني القرار لانتخابات نوفمبر 2026؟

عمليًا، يمنح قرار المحكمة العليا سلطات الولايات ومشرفي الانتخابات مساحة للاستمرار وفق القواعد المعمول بها حاليًا، من دون فرض تعديلات واسعة في اللحظة الأخيرة. وذكرت تقارير أمريكية أن مسؤولي انتخابات في ولايات جمهورية وديمقراطية على السواء حذروا من أن تطبيق تغييرات مفاجئة قبل أقل من شهرين من الاقتراع كان سيخلق فوضى إدارية ويعرض آلاف البطاقات المشروعة للتأخير أو الرفض.

الانتخابات النصفية المقبلة تحمل وزنًا سياسيًا كبيرًا لأنها ستحدد موازين القوى في الكونغرس الأمريكي، أي مجلسي النواب والشيوخ، وهو ما ينعكس بدوره على قدرة البيت الأبيض على تمرير أجندته الداخلية والخارجية. لذلك ينظر مراقبون إلى معركة التصويت بالبريد باعتبارها جزءًا من صراع أكبر على شكل المنافسة الانتخابية نفسها، وليس فقط على نتائجها.

ترامب والمؤسسة القضائية.. علاقة متوترة

الهجوم الأخير يضيف حلقة جديدة إلى العلاقة المعقدة بين ترامب والمحكمة العليا، بما في ذلك القضاة الذين عيّن بعضهم خلال ولايته الأولى. فعلى الرغم من أن تشكيل المحكمة يميل محافظًا بواقع 6 قضاة مقابل 3، فإن ذلك لم يضمن دائمًا اصطفافًا تلقائيًا خلف مواقف الرئيس في كل الملفات. وهذه النقطة بالذات تزيد من حدة غضب ترامب، لأنه راهن سياسيًا طويلًا على أن البنية المحافظة للمحكمة ستمنحه سندًا أكبر في النزاعات الكبرى.

لكن الواقع الأمريكي يظل أكثر تعقيدًا؛ فالقضاة، حتى عندما يُنظر إليهم بوصفهم محافظين أو ليبراليين، يعملون داخل مؤسسة تسعى إلى الحفاظ على استقلالها وصورتها أمام الرأي العام. ومن هنا، فإن الانتقاد الرئاسي العنيف قد يزيد الضغط السياسي، لكنه لا يغير تلقائيًا من معادلات القضاء أو من القواعد الدستورية التي تحكم إدارة الانتخابات.

كيف يُقرأ المشهد من زاوية أفريقية؟

في القسم الأفريقي، تكتسب هذه القصة أهمية خاصة لأن التحولات داخل الولايات المتحدة تنعكس غالبًا على خطابها الخارجي بشأن الحوكمة والانتخابات وسيادة القانون في القارة. وعندما تواجه واشنطن نفسها اتهامات بالتسييس أو محاولات لإعادة هندسة قواعد التصويت في توقيت انتخابي حساس، فإن ذلك يضعف جزئيًا قدرتها المعنوية على تقديم الدروس للآخرين.

كما أن عدداً من الدول الأفريقية يراقب بدقة النقاشات الأمريكية حول استقلال القضاء والهيئات المنظمة للانتخابات، لأن هذه الملفات تتكرر في سياقات محلية مختلفة. واللافت هنا أن الخلاف الأمريكي لا يدور حول من يفوز فقط، بل حول حدود السلطة التنفيذية نفسها عندما تحاول تعديل آليات الاقتراع.

خلاصة المشهد

ما جرى في واشنطن هذا الأسبوع ليس مجرد خلاف قانوني عابر، بل مواجهة سياسية ودستورية مفتوحة بين الرئيس دونالد ترامب وواحدة من أهم مؤسسات النظام الأمريكي. فبعد قرار المحكمة العليا إبقاء القيود المقترحة على التصويت بالبريد خارج التنفيذ، اختار ترامب التصعيد العلني بدل التراجع، في خطوة تؤكد أن معركة انتخابات نوفمبر 2026 بدأت مبكرًا وبأدوات تتجاوز الحملات الانتخابية التقليدية.

وبالنسبة للمتابع العربي، وخاصة في مصر، فإن القضية تقدم نموذجًا واضحًا على أن قوة المؤسسات تُختبر فعليًا عندما تتعارض مع إرادة السلطة السياسية، لا عندما تسير في اتجاهها. وفي هذه اللحظة، يبدو أن المحكمة العليا اختارت تثبيت القواعد القائمة، بينما اختار ترامب تحويل الهزيمة القضائية إلى معركة تعبئة سياسية مفتوحة.