ترامب يهاجم الناتو مجددًا: هل تهتز معادلة الردع الغربي؟
ترامب يعيد فتح الملف القديم مع الناتو
عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) إلى واحدة من أكثر نقاط الخلاف حساسية بين واشنطن وحلف شمال الأطلسي، حين انتقد علنًا ما اعتبره غيابًا لدعم الحلفاء للولايات المتحدة خلال المواجهة العسكرية مع إيران. جوهر الرسالة لم يكن جديدًا تمامًا في خطاب ترامب، لكنه هذه المرة جاء في سياق أكثر توترًا، بعد حرب وضعت أمن الطاقة والممرات البحرية وحسابات الردع في قلب النقاش الدولي.
وبحسب ما أوردته تغطيات إخبارية استندت إلى تصريحات ترامب خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض يوم 26 مارس 2026، فقد قال إن الولايات المتحدة أنفقت مئات المليارات لحماية حلفائها في الناتو، لكنها حين طلبت المساندة لم تجد الحلف حاضرًا بالشكل الذي كانت تنتظره واشنطن. هذا الخطاب ينسجم مع خطه السياسي المعروف منذ سنوات: أمريكا تدفع أكثر من اللازم، وأوروبا تستفيد من المظلة الأمنية الأمريكية دون كلفة موازية.
ما الذي قصده ترامب فعليًا؟
من المهم هنا التمييز بين أمرين: الأول هو الدعم السياسي والعسكري العملي في أزمة محددة، والثاني هو الالتزام المؤسسي المنصوص عليه في معاهدة الحلف. فحلف الناتو يعرّف المادة الخامسة بوصفها جوهر الدفاع الجماعي، أي أن أي هجوم مسلح على دولة عضو يُعد هجومًا على جميع الأعضاء، لكن شكل المساعدة يظل متروكًا لكل دولة بحسب ما تراه ضروريًا، وليس بالضرورة عبر تدخل عسكري مباشر. كما أن نطاق المادة يرتبط قانونيًا بهجوم على أحد الأعضاء في أوروبا أو أمريكا الشمالية، وهو ما يجعل تطبيقها على عمليات عسكرية تختارها واشنطن خارج هذا الإطار محل نقاش سياسي وقانوني معقد.
لهذا، فإن انتقاد ترامب لا يعبّر فقط عن غضب من نقص المساندة خلال حرب إيران، بل يضغط أيضًا على الفكرة الأساسية التي قام عليها الحلف منذ 1949: الثقة المتبادلة. وإذا ضعفت هذه الثقة، تصبح قيمة الردع نفسها موضع تساؤل، حتى لو بقيت النصوص القانونية كما هي.
بين منطق الصفقة ومنطق التحالف
في نظر ترامب، يبدو الناتو أقرب إلى صفقة يجب أن تكون متوازنة ماليًا وسياسيًا. أما كثير من العواصم الأوروبية، فترى أن التحالف ليس شركة أمن خاصة، بل إطارًا استراتيجيًا أوسع يربط المصالح عبر الأطلسي. هذا التباين ليس تفصيلاً نظريًا؛ بل ينعكس على كيفية فهم كل طرف لفكرة “المساعدة”. واشنطن الترامبية تريد مساهمة ملموسة وسريعة حين تدخل مواجهة كبرى، بينما يرى بعض الأوروبيين أن الدعم لا يكون تلقائيًا إذا لم تُستشر العواصم الحليفة مسبقًا أو إذا كانت الحرب نفسها محل خلاف.
وفي الحالة الإيرانية تحديدًا، أشارت تقارير دولية إلى أن بعض الحلفاء كانوا مستعدين للمساعدة في تأمين الملاحة، خصوصًا في مضيق هرمز، أكثر من استعدادهم للانخراط في الحرب نفسها. هنا يظهر الفارق بين حماية الاستقرار الدولي، وبين تبني الحرب كخيار سياسي كامل.
مارك روته أمام اختبار صعب
الأزمة تضع أيضًا الأمين العام للناتو مارك روته في موقف معقد. روته (@markrutte على إنستغرام) تولى منصبه رسميًا في 1 أكتوبر 2024، ويقود اليوم حلفًا يضم 32 دولة. مهمته الأساسية ليست فقط إدارة الاجتماعات أو إصدار البيانات، بل الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك السياسي بين أعضاء تختلف أولوياتهم من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط إلى الإنفاق الدفاعي.
المفارقة أن الناتو، وفق تقريره السنوي لعام 2025، أعلن أن جميع الحلفاء باتوا يلبّون إرشاد الإنفاق الدفاعي عند 2% من الناتج المحلي الإجمالي، كما اتفقوا في قمة لاهاي 2025 على هدف أوسع يتمثل في استثمار 5% من الناتج بحلول 2035 في متطلبات الدفاع والأمن. أي أن الأوروبيين، من زاوية الأرقام، حاولوا الاستجابة لجزء معتبر من الشكوى الأمريكية المزمنة. لكن تصريحات ترامب توحي بأن المشكلة لم تعد مالية فقط، بل تتعلق بسؤال الولاء السياسي في لحظة الحرب.
لماذا يهم هذا مصر والمنطقة؟
قد يبدو السجال أمريكيًا-أوروبيًا خالصًا، لكنه يهم القارئ المصري والعربي لسبب واضح: أي ارتباك داخل الناتو ينعكس على توازنات الشرق الأوسط. إذا باتت واشنطن أقل ثقة في حلفائها الأوروبيين، فقد تميل إلى قرارات أكثر انفرادية. وإذا شعر الأوروبيون أن البيت الأبيض يتصرف دون تشاور كافٍ، فقد يسعون إلى مسارات أمنية أكثر استقلالًا. وفي الحالتين، تصبح المنطقة ساحة لتداعيات هذا التباعد.
خلال أي تصعيد مع إيران، تتجاوز التأثيرات حدود الخليج لتصل إلى أسعار الطاقة، وتأمين خطوط الملاحة، وكلفة التأمين البحري، وحتى حسابات الاستثمار في الأسواق الناشئة. وبالنسبة لمصر، التي تراقب عن قرب أمن الممرات البحرية وحركة التجارة العالمية، فإن أي تصدع في التنسيق الغربي يضيف عنصر عدم يقين جديدًا إلى بيئة إقليمية مزدحمة بالأزمات.
هل كان ترامب يخاطب الخارج أم الداخل؟
من الصعب قراءة هجوم ترامب على الناتو بمعزل عن جمهوره الداخلي. فالرئيس الأمريكي يعرف أن جزءًا معتبرًا من قاعدته السياسية يتجاوب مع خطاب يقول إن الولايات المتحدة تتحمل أعباء العالم وحدها. لذلك، فإن توجيه اللوم إلى الحلفاء الأوروبيين يخدم سردية سياسية فعالة داخل الولايات المتحدة: نحن ندفع، وهم يستفيدون.
لكن هذه السردية، مهما كانت شعبية، تحمل كلفة استراتيجية. فحين يشكك الرئيس الأمريكي علنًا في استعداد الحلف للوقوف مع بلاده، فهو لا يحرج الحلفاء فقط، بل يمنح الخصوم أيضًا مادة دعائية ثمينة. الرسالة التي قد تصل إلى موسكو أو طهران أو غيرهما ليست مجرد وجود خلاف عابر، بل احتمال وجود فجوة في الإرادة الغربية المشتركة.
أزمة ثقة أكثر منها أزمة نصوص
من الناحية الرسمية، لا يزال الناتو متمسكًا بما يسميه “الالتزام الحديدي” بالدفاع الجماعي. والمادة الخامسة ما زالت قائمة، بل تظل أبرز أداة ردع في بنية الأمن الأطلسي. لكن التحالفات لا تعيش بالنصوص وحدها؛ بل بوضوح التوقعات بين أعضائها. وما كشفته تصريحات ترامب هو أن السؤال لم يعد: هل توجد معاهدة؟ بل: هل يوجد تصور مشترك لمعنى التضامن عندما تتوسع الحروب إلى ما وراء الجغرافيا الأوروبية التقليدية؟
هنا تكمن خطورة المشهد. فإذا كانت واشنطن ترى أن الحلفاء لا يتحركون عند الحاجة، بينما يرى الحلفاء أن الولايات المتحدة لا تتشاور بما يكفي قبل إشعال المواجهات، فإن الفجوة ستكبر حتى لو استمرت القمم والبيانات الرسمية.
الخلاصة: الناتو أمام لحظة مراجعة
تصريح ترامب عن غياب الناتو خلال الحرب مع إيران ليس مجرد انتقاد دبلوماسي عابر، بل إنذار سياسي يكشف هشاشة كامنة داخل التحالف الغربي. قد يظل الحلف قائمًا، بل قويًا على الورق والعدة والإنفاق، لكن فعاليته الحقيقية ستظل مرتبطة بقدرته على الإجابة عن سؤال بسيط وصعب في آن واحد: متى يصبح أمن أمريكا أمنًا أوروبيًا، ومتى يعتبر الأوروبيون أن حرب واشنطن حربهم أيضًا؟
بالنسبة للمنطقة، وخصوصًا من منظور مصري، فإن متابعة هذه الأسئلة ليست ترفًا تحليليًا. فكل خلل في بنية التحالفات الكبرى ينعكس سريعًا على خرائط القوة، وأسواق الطاقة، وأمن الممرات، وفرص التهدئة أو التصعيد في الشرق الأوسط. ولذلك، فإن ما قاله ترامب قد يكون أقل أهمية من المعنى الذي يحمله: الغرب لم يعد يتجادل فقط حول من يدفع، بل حول من يقف مع من، ومتى، ولماذا.