ترامب يهدد بضرب «جبل الفأس» قرب نطنز.. تصعيد جديد مع إيران
تصعيد أمريكي جديد يضع نطنز في الواجهة
عاد الملف النووي الإيراني إلى صدارة المشهد الإقليمي بعد تهديد جديد أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستهداف موقع يعرف باسم «جبل الفأس» أو Pickaxe Mountain، وهو مجمع شديد التحصين يقع قرب منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم في إيران. وجاءت تصريحات ترامب يوم الاثنين 13 يوليو 2026 خلال مقابلة إعلامية، حين قال إن الولايات المتحدة ستتجه إلى ضرب هذا الموقع، مطالبًا الإيرانيين بالاستعداد، في إشارة مباشرة إلى احتمال توسيع العمليات العسكرية الأمريكية ضد أهداف مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.
وبحسب ما أوردته وكالة رويترز في تقرير منشور في اليوم نفسه، فإن ترامب قال إن واشنطن «ستقضي على جبل الفأس»، مضيفًا أن الولايات المتحدة تراقب الموقع عن كثب. كما أشار التقرير إلى أن هذا الموقع يقع بالقرب من منشأة نطنز التي تعرضت لأضرار كبيرة، وأنه يضم مجمعين من الأنفاق العميقة المدفونة داخل الجبل، وهي تحصينات يقدّر خبراء أنها قد تتجاوز قدرة أقوى القنابل الأمريكية الخارقة للتحصينات.
ما هو «جبل الفأس» ولماذا يثير هذا القدر من القلق؟
الموقع المشار إليه ليس منشأة تقليدية فوق سطح الأرض، بل منطقة محصنة داخل جبل قريب من نطنز، وتعرف في بعض التقارير باسم كوه كولانغ غاز لا، وهو الاسم الفارسي الذي يُترجم عربيًا إلى «جبل الفأس». وتشير تقارير منشورة خلال عام 2026 إلى أن الموقع يقع على مسافة تقل عن كيلومترين جنوب نطنز، وقد ارتبط اسمه بعمليات حفر وبناء أنفاق عميقة منذ سنوات، وسط تقديرات بأنه جزء من البنية التحتية الحساسة للبرنامج النووي الإيراني.
وتكمن أهمية الموقع في عاملين رئيسيين: الأول هو شدة التحصين، إذ إن المنشآت مدفونة في عمق الجبل. أما الثاني فهو الغموض المحيط بطبيعة ما يجري داخله. فبينما تقول طهران إن المنشآت المرتبطة بهذه المنطقة مخصصة لأغراض صناعية أو فنية، بينها أنشطة مرتبطة بأجهزة الطرد المركزي، تنظر أطراف غربية إلى الموقع باعتباره جزءًا من شبكة حماية متقدمة للبنية النووية الإيرانية، خصوصًا بعد سلسلة الضربات والتخريب التي استهدفت مواقع إيرانية خلال الأعوام الماضية.
نطنز.. القلب الأكثر حساسية في البرنامج النووي الإيراني
يبقى اسم نطنز حاضرًا كلما تصاعد الحديث عن البرنامج النووي الإيراني. فالمنشأة تُعد من أهم مواقع تخصيب اليورانيوم في إيران، وقد كانت محورًا لمراقبة دولية طويلة من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما تعرضت سابقًا لحوادث وهجمات وأعمال تخريب نُسب بعضها إلى خصوم طهران الإقليميين والدوليين. وتزايدت أهمية ما يجاورها من منشآت تحت الأرض مع سعي إيران، وفق تقديرات منشورة في تقارير دولية وإعلامية، إلى نقل بعض الأنشطة الحساسة إلى مواقع أعمق وأكثر مناعة.
ولهذا، فإن أي تهديد أمريكي مباشر لموقع مجاور لنطنز لا يُقرأ باعتباره مجرد رسالة عسكرية عابرة، بل باعتباره ضغطًا سياسيًا وأمنيًا على واحد من أكثر الملفات قابلية للاشتعال في الشرق الأوسط. ومن هنا يفسر مراقبون تصاعد الاهتمام الغربي بما يسمى «جبل الفأس» خلال الأشهر الأخيرة، خاصة مع توفر صور أقمار صناعية حديثة أظهرت مداخل أنفاق في المنطقة بتاريخ 30 يونيو 2026.
ماذا تعني تصريحات ترامب الآن؟
التوقيت هنا لا يقل أهمية عن مضمون التصريحات. فحديث ترامب جاء في أجواء تتسم بارتفاع غير مسبوق في التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، مع تبادل الضربات والهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ، إلى جانب حديث أمريكي عن إعادة تشديد الضغط على حركة الشحن الإيرانية في الخليج، وربط ذلك بأمن الملاحة في مضيق هرمز. وهذا يعني أن تهديد «جبل الفأس» لا ينفصل عن مشهد أوسع يتجاوز الملف النووي ليشمل طرق التجارة والطاقة وأمن الممرات البحرية.
بالنسبة إلى القارئ المصري، فإن خطورة هذا التطور لا تكمن فقط في احتمالات اتساع الحرب، بل كذلك في انعكاساته على الإقليم بأكمله، من الخليج إلى البحر الأحمر، مرورًا بممرات التجارة الدولية التي تهم الاقتصادات العربية والأفريقية على حد سواء. وأي اضطراب ممتد في هرمز ينعكس عادة على أسعار الطاقة، وتكاليف الشحن، وسلاسل الإمداد، وهي ملفات تمس مباشرة الأسواق في شمال أفريقيا، بما فيها مصر.
الموقف المصري: أولوية لخفض التصعيد والحلول السياسية
في موازاة هذا التصعيد، واصلت مصر خلال الأسابيع الأخيرة التشديد على أولوية المسار الدبلوماسي. فقد أكدت وزارة الخارجية المصرية في 8 يونيو 2026 أهمية سرعة التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران بما يراعي شواغل جميع الأطراف، ويسهم في تجنيب المنطقة مخاطر التصعيد والتوتر. كما شددت القاهرة على احترام سيادة الدول، وعدم اللجوء إلى القوة في تسوية النزاعات، والتركيز على الحلول السياسية.
وفي سياق التحركات الدبلوماسية المصرية، أظهرت بيانات رسمية لاحقة دعم القاهرة للمفاوضات الأمريكية الإيرانية التي استضافتها سلطنة عمان، مع التأكيد على أن الأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها الملف النووي الإيراني، لا يمكن معالجتها عسكريًا بصورة مستدامة. هذا الموقف ينسجم مع الرؤية المصرية الأوسع القائمة على منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة تهدد الأمن الجماعي في الشرق الأوسط ومحيطه الأفريقي.
لماذا يهم هذا الملف قسم «أفريقيا»؟
رغم أن الحدث يدور جغرافيًا في آسيا الغربية، فإن أثره يمتد بوضوح إلى المجال الأفريقي، خاصة لدول شمال وشرق القارة المطلة على الممرات البحرية الحيوية. فالتصعيد قرب إيران ومضيق هرمز قد يدفع بموجات ارتدادية إلى البحر الأحمر، وقناة السويس، وأسواق الطاقة والنقل البحري التي ترتبط بها اقتصادات أفريقية عدة. ومن هذا المنظور، فإن أي تصعيد أمريكي إيراني جديد لا يخص طهران وواشنطن وحدهما، بل يخص أيضًا فضاءً أوسع يشمل الدول العربية والأفريقية المعتمدة على استقرار التجارة الدولية.
السيناريوهات المحتملة بعد التهديد
حتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي عن ضربة وقعت بالفعل على «جبل الفأس»، لكن مجرد وضع الموقع في صلب الخطاب الأمريكي العلني يرفع مستوى المخاطر. ويمكن تلخيص المسارات المحتملة في النقاط التالية:
- استمرار التهديد دون تنفيذ فوري، بهدف زيادة الضغط التفاوضي على إيران.
- تنفيذ ضربة محدودة تستهدف البنية المحيطة أو مداخل الأنفاق بدلًا من تدمير شامل للموقع.
- رد إيراني مضاد عبر ساحات أخرى في الإقليم أو عبر أدوات غير مباشرة.
- العودة إلى التفاوض إذا نجحت الوساطات الإقليمية والدولية في احتواء الموقف.
لكن المؤكد أن أي ضربة لموقع بهذه الحساسية ستدفع المنطقة إلى مرحلة أشد تعقيدًا، لأن استهداف منشأة محصنة مرتبطة بنطنز سيحمل رمزية عسكرية وسياسية كبيرة، وقد يدفع إلى توسيع دائرة المواجهة بدل احتوائها.
خلاصة المشهد
تهديد ترامب بضرب «جبل الفأس» قرب نطنز ليس مجرد تصريح عابر، بل رسالة تصعيدية واضحة في لحظة إقليمية بالغة الهشاشة. الموقع الذي تتحدث عنه التقارير هو واحد من أكثر الأماكن الإيرانية تحصينًا وإثارة للجدل، ما يجعله هدفًا شديد الحساسية في أي حسابات أمريكية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني. وبينما يزداد منسوب التوتر العسكري، تبرز أهمية الموقف المصري الداعي إلى التهدئة والتمسك بالتفاوض، باعتبار أن كلفة الانفجار الإقليمي لن تتوقف عند حدود إيران أو الخليج، بل ستمتد إلى دوائر عربية وأفريقية أوسع لا تحتمل مزيدًا من الاضطراب.