ترامب يوسّع استخدام الأدوات السيبرانية ضد الجريمة العابرة
أمر أمريكي جديد يضع الجريمة السيبرانية العابرة للحدود في دائرة الاستهداف
في خطوة تعكس تصاعد القلق الأمريكي من الاحتيال الإلكتروني والشبكات الإجرامية الدولية، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرا تنفيذيا في 6 مارس 2026 يوجّه أجهزة الإدارة الأمريكية إلى مراجعة الأدوات التشغيلية والتقنية والدبلوماسية والتنظيمية المتاحة لمواجهة المنظمات الإجرامية العابرة للحدود المتورطة في جرائم سيبرانية ومخططات احتيال تستهدف الأفراد والشركات والبنية التحتية. وبحسب البيت الأبيض، فإن القرار يربط بين العمل الأمني التقليدي والقدرات الرقمية الحديثة من أجل تعقب تلك الشبكات وتعطيل نشاطها.
أهمية القرار لا تتوقف عند الجانب الأمريكي الداخلي فقط، بل تمتد إلى المشهد الدولي الأوسع، لأن الجريمة المنظمة العابرة للحدود أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الفضاء الرقمي في تنفيذ الاحتيال، وابتزاز الضحايا، وإدارة مراكز النصب، واستغلال البنى التقنية الموجودة خارج الولايات المتحدة. وهذا البعد الدولي يهم القارئ المصري أيضا، في ظل التوسع العالمي في الجرائم الإلكترونية والاعتماد المتزايد على الخدمات الرقمية في المعاملات المالية والتواصل اليومي.
القطاع الخاص حاضر.. لكن تحت سلطة الحكومة
أبرز ما يلفت في الوثيقة المنشورة في السجل الفيدرالي الأمريكي أن وزارة العدل ووزارة الأمن الداخلي، بدعم من الجهات الاتحادية المعنية، ستستفيد من القدرات التقنية ذات الصلة، ومعلومات التهديدات، والخبرات التشغيلية لدى شركات الأمن السيبراني التجارية وغيرها من الجهات غير الفيدرالية، وذلك لتعزيز إسناد الهجمات إلى منفذيها، وتتبع البنية المستخدمة فيها، وتعطيل الفاعلين الخبيثين المشاركين في الاحتيال والجريمة السيبرانية. الوثيقة توضح بوضوح أن هذا التوظيف يتم في إطار حكومي رسمي، وليس عبر تفويض مفتوح للقطاع الخاص.
وبذلك، فإن جوهر السياسة الجديدة لا يقوم على خصخصة المواجهة السيبرانية، بل على توسيع نطاق التعاون المنظم بين الدولة الأمريكية والشركات المتخصصة، خصوصا أن هذه الشركات تمتلك قدرات رصد وتحليل واستجابة سريعة قد لا تتوافر بالوتيرة نفسها داخل الأجهزة الحكومية وحدها. هذا التوجه يتسق أيضا مع ما ورد في استراتيجية أمريكية سابقة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، التي شددت على أهمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مواجهة هذا النوع من التهديدات.
خلية عمليات وخطة عمل خلال المراجعة
البيت الأبيض قال إن الأمر التنفيذي يطالب المسؤولين المعنيين بإعداد خطة عمل تحدد المنظمات الإجرامية العابرة للحدود المسؤولة عن مراكز الاحتيال والجرائم السيبرانية، مع اقتراح وسائل لمنع نشاطها وتعطيله والتحقيق فيه وتفكيكه. كما ينص على إنشاء خلية تشغيلية متخصصة داخل المركز الوطني للتنسيق NCC لتقود جانب التنسيق الوطني في هذا الملف.
وتشير الوثيقة المنشورة رسميا إلى أن خلية العمليات وخطة التحرك يجب أن تتضمنا آليات لتحسين تبادل المعلومات والتنسيق التشغيلي وسرعة الاستجابة عبر الحكومة الفيدرالية، مع مواءمة التحرك الجديد مع الأطر القائمة الخاصة بإنفاذ القانون ومواجهة التهديدات السيبرانية الآتية من خارج الحدود الأمريكية. عملياً، يعني ذلك أن واشنطن تريد تقليص الفجوات بين جمع المعلومات، والملاحقة القضائية، والاستجابة التقنية، والتحرك الدبلوماسي في آن واحد.
تشديد الملاحقات والعقوبات على الدول المتساهلة
الشق القضائي حاضر بقوة في القرار؛ إذ وجّه ترامب وزارة العدل إلى إعطاء أولوية لملاحقة المتهمين في قضايا الاحتيال السيبراني، بما في ذلك مراكز النصب وجرائم الابتزاز الجنسي الإلكتروني، مع التركيز على القضايا الأشد جسامة والأكثر قابلية للإثبات أمام القضاء. كما طالب وزارة الأمن الداخلي، عبر وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية CISA، بدعم الشركاء على مستوى الولايات والسلطات المحلية بالتدريب والمساعدة الفنية وتعزيز القدرة الدفاعية.
أما خارجيا، فقد ألزم القرار وزير الخارجية بالتواصل مع الحكومات الأجنبية للمطالبة باتخاذ إجراءات إنفاذ ضد المنظمات الإجرامية التي تعمل من أراضيها، مع التلويح بعواقب قد تشمل قيودا على التأشيرات، وعقوبات موجهة، وقيودا على المساعدات الأجنبية، وحتى طرد مسؤولين أو دبلوماسيين أجانب إذا ثبت تواطؤهم. هذا البند يكشف أن المقاربة الأمريكية الجديدة لا تنظر إلى الجريمة السيبرانية باعتبارها مجرد ملف تقني، بل باعتبارها أيضا أداة ضغط دبلوماسي وسياسي.
أرقام الخسائر تفسر التصعيد
البيت الأبيض برر القرار بحجم الخسائر والضرر الاجتماعي الناتج عن الاحتيال الإلكتروني. ووفقا للبيان الرسمي، أبلغ المستهلكون في الولايات المتحدة عن خسائر تجاوزت 12.5 مليار دولار في 2024 نتيجة الاحتيال المدعوم رقميا، فيما كان كبار السن من بين الفئات الأكثر تضررا. كما أشار البيت الأبيض إلى أن 73% من البالغين الأمريكيين تعرضوا لنوع من أنواع الاحتيال أو الهجمات عبر الإنترنت، وأن 87% من كبار السن يعتبرون هذه الجرائم مشكلة كبيرة.
وتدعم بيانات لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية هذا الاتجاه العام، إذ تؤكد أن الخسائر المرتبطة بعمليات النصب التي تبدأ عبر الإنترنت أصبحت ضخمة، وأن كبار السن حين يتكبدون خسائر مالية غالبا ما تكون خسائرهم أكبر من بقية الفئات العمرية. كما أوضحت اللجنة في تقارير حديثة أن المحتالين يستهدفون المدخرات والتقاعد بوسائل تشمل انتحال صفة جهات حكومية أو شركات، والإعلانات المضللة المنبثقة، والاتصالات الهاتفية المرتبطة بخدع تقنية ومالية.
لماذا يهم هذا التطور المتابع المصري؟
رغم أن القرار أمريكي الطابع، فإن أثره المحتمل يتجاوز الداخل الأمريكي. فالجرائم السيبرانية العابرة للحدود لا تعترف بالخرائط السياسية، وتستخدم بنى اتصالات وخوادم وحسابات مالية وتطبيقات تعمل عبر أكثر من دولة. ومن ثم، فإن أي تصعيد أمريكي في مجال التعقب الرقمي والعقوبات والتعاون مع الشركات المتخصصة قد ينعكس على قواعد التعاون الدولي، وعلى آليات تبادل المعلومات، وعلى ملاحقة الشبكات التي تستهدف مستخدمين وأسواقا في مناطق مختلفة، بينها الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هذا استنتاج مدعوم بطبيعة الجريمة المنظمة العابرة للحدود كما تعرضها الاستراتيجيات الأمريكية الرسمية، لا بوصفه نصا مباشرا من القرار نفسه.
ومن زاوية مصرية، تزداد أهمية مثل هذه التطورات مع اتساع التحول الرقمي، ونمو التجارة الإلكترونية، وزيادة اعتماد الأفراد والمؤسسات على الخدمات المتصلة بالإنترنت. لذلك، فإن متابعة التحركات الدولية الكبرى في ملف الأمن السيبراني لا ترتبط فقط بالسياسة الأمريكية، بل بفهم الاتجاهات العالمية في حماية البيانات، ومكافحة الاحتيال، ومساءلة الجهات التي توفر ملاذا آمنا للشبكات الإجرامية.
ترامب يضع الملف ضمن أولويات الأمن والردع
القرار الجديد ينسجم مع خطاب أوسع تتبناه الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة دونالد ترامب، الذي يقدمه البيت الأبيض بصفته الرئيس الخامس والأربعين والسابع والأربعين للولايات المتحدة. وعلى الصفحة الرسمية للرئاسة الأمريكية، يُعرض ترامب باعتباره عائدا إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024، فيما تواصل الإدارة الربط بين الأمن السيبراني وحماية الاقتصاد والمجتمع من التهديدات الخارجية.
وبالنظر إلى صياغة الوثيقة، يبدو أن واشنطن تتجه إلى مرحلة أكثر هجومية في التعامل مع الاحتيال السيبراني العابر للحدود: تعاون أوسع مع شركات التكنولوجيا والأمن السيبراني، تنسيق حكومي أشد، ملاحقات قضائية أكثر تركيزا، وضغط دبلوماسي على الدول التي تتراخى في مواجهة هذه الشبكات. وبينما ستبقى فعالية هذه الأدوات رهنا بالتنفيذ العملي والتعاون الدولي، فإن الرسالة السياسية واضحة: الولايات المتحدة تريد تحويل ملف الجريمة السيبرانية من أزمة متنامية إلى ساحة ردع منظم ومفتوح على كل الأدوات المتاحة قانونيا.