Akhbar Cairo

ترحيب ملادينوف بخطوة نشر القوة الدولية في غزة يفتح أسئلة التنفيذ

ترحيب سياسي يتجاوز المجاملة

أعاد تصريح نيكولاي ملادينوف، رئيس مجلس السلام في غزة، تسليط الضوء على واحدة من أكثر النقاط حساسية في ترتيبات ما بعد الحرب: مسألة نشر القوة الدولية المؤقتة لتحقيق الاستقرار داخل القطاع. ملادينوف أعلن في 26 يوليو 2026 ترحيبه بالخطوات التي اتخذتها إسرائيل لتمكين نشر هذه القوة، معتبراً أن الأمر يرتبط مباشرة بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803 وبالانتقال إلى إدارة فلسطينية انتقالية فعالة تحت مظلة اللجنة الوطنية لإدارة غزة.

في الظاهر، يبدو الموقف مجرد تأييد لخطوة إجرائية. لكن في العمق، يكشف التصريح أن ملف غزة دخل مرحلة مختلفة: من الجدل حول المبادئ العامة إلى التفاوض على آليات التنفيذ، ومن الحديث عن وقف النار وإدخال المساعدات إلى اختبار ترتيبات الأمن، ونزع السلاح، وشكل الحكم الانتقالي.

ما الذي يقوله قرار مجلس الأمن 2803؟

بحسب ما نشرته الأمم المتحدة في فلسطين عقب اعتماد القرار يوم 18 نوفمبر 2025، فإن مجلس الأمن أقر القرار 2803 بتأييد 13 عضواً وامتناع روسيا والصين عن التصويت، وهو قرار أذن بإنشاء قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة، كما رحّب بإنشاء مجلس السلام بوصفه إطاراً انتقالياً لإدارة مسار إعادة التنمية والترتيبات السياسية والأمنية في القطاع.

الأهم بالنسبة للقارئ المصري أن نص الترتيب، كما عرضته الأمم المتحدة، لم يتعامل مع القوة الدولية باعتبارها آلية منفصلة عن الإقليم، بل نص على أن إنشاءها وعملها يتمان بالتشاور والتعاون الوثيقين مع جمهورية مصر العربية وإسرائيل. هذه الصياغة تضع القاهرة في قلب أي ترتيبات تنفيذية، لا بوصفها طرفاً مراقباً، بل باعتبارها شريكاً لا يمكن تجاوزه في أي بنية أمنية أو لوجستية تخص غزة.

كما أوضح القرار أن مهمة القوة لا تقتصر على الوجود الرمزي، بل تشمل مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، والمساعدة في الترتيبات المطلوبة لتحقيق أهداف الخطة الأوسع، مع سريان التفويض حتى 31 ديسمبر 2027 ما لم يتخذ مجلس الأمن قراراً آخر.

من الأمن إلى الإدارة الانتقالية

الربط الذي قدمه ملادينوف بين نشر القوة الدولية ودعم نزع السلاح وتمكين الإدارة الانتقالية الفلسطينية ليس تفصيلاً عابراً. فالبنية الكاملة للخطة تقوم على فكرة أن الأمن والإدارة المدنية مساران متلازمان: لا يمكن تثبيت حكم انتقالي من دون مظلة أمنية، ولا يمكن للقوة الدولية أن تكتسب شرعية تشغيلية مستدامة إذا بدت بديلاً عن إدارة فلسطينية محلية.

وهنا تظهر اللجنة الوطنية لإدارة غزة باعتبارها الحلقة المدنية في هذا التصور. الموقع الرسمي للجنة يعرّفها على أنها هيئة تكنوقراطية انتقالية تتولى تقديم الخدمات العامة اليومية والإشراف على الإدارة المدنية، وتعمل تحت إشراف مجلس السلام وضمن تفويض مستند إلى القرار 2803. ويعرض الموقع أسماء من قياداتها، بينهم د. علي شعث بوصفه المفوض العام، إلى جانب مسؤولين عن حقائب خدمية وإدارية أخرى.

ماذا حدث إسرائيلياً في 26 يوليو 2026؟

التصريح لم يأت من فراغ. ففي اليوم نفسه، نقلت تقارير إسرائيلية أن المجلس الوزاري الأمني والسياسي المصغر وافق على الإطار القانوني المتعلق بدخول القوة الدولية إلى غزة. وبحسب ما نُشر، شملت الموافقة منح القوة حصانة بموجب قانون حصانات المنظمات الدولية في إسرائيل، على أن تعمل في تنسيق كامل مع الجيش الإسرائيلي داخل المناطق الخارجة عن سيطرته المباشرة.

كذلك أشارت التغطيات إلى أن الحديث يدور، في هذه المرحلة، عن قوة قوامها نحو 200 عنصر من دول وُصفت بأنها “صديقة”. لكن هذه النقطة بالذات تفتح باباً واسعاً للتساؤل: هل نحن أمام انتشار حقيقي قادر على فرض الاستقرار، أم أمام خطوة تأسيسية محدودة تسبق توسيع المهمة لاحقاً؟

السوابق الدولية تقول إن أي قوة متعددة الجنسيات لا تُقاس فقط بعدد أفرادها، بل بطبيعة تفويضها، وقواعد الاشتباك، وهوية الدول المشاركة، ومدى قبول الأطراف المحلية بها. لذلك فإن التركيز على رقم أولي للقوة لا يكفي لفهم قدرتها الفعلية على العمل في بيئة شديدة التعقيد مثل غزة.

لماذا يهم هذا التطور مصر؟

بالنسبة لمصر، لا يتعلق الأمر بمتابعة ملف فلسطيني من الخارج، بل بمسألة تمس الأمن القومي والحدود، ومسارات التهدئة، وإدارة المعابر، وإعادة الإعمار، وشكل اليوم التالي في القطاع. ولهذا فإن ورود اسم مصر صراحة في ترتيبات القرار 2803 يعكس اعترافاً دولياً بأن أي هيكل أمني أو إداري في غزة سيظل ناقصاً إذا لم يمر عبر تفاهمات واضحة مع القاهرة.

ومن زاوية تحليلية، يمكن القول إن نشر قوة دولية - إذا تم فعلاً - قد يخفف من الفجوة بين متطلبات الأمن الإقليمي وبين الحاجة إلى تمكين إدارة فلسطينية غير فصائلية في المرحلة الانتقالية. لكن نجاح ذلك يبقى مشروطاً بعدة عناصر:

  • وضوح التفويض وحدود استخدام القوة.
  • تزامن المسار الأمني مع مسار إنساني وإعماري حقيقي.
  • قبول فلسطيني عملي بالإدارة الانتقالية وأدواتها.
  • التزام إسرائيلي قابل للتحقق لا يظل رهناً بقرارات سياسية متغيرة.
  • دور مصري وعربي منظم يمنع تحوّل القوة إلى جسم معزول عن البيئة المحلية.

بين الخطة والواقع: أين تكمن المعضلة؟

اللغة التي استخدمها ملادينوف تعكس قدراً من التفاؤل الحذر، لكنها لا تلغي التعقيدات. فكل بند تقريباً في هذه الصيغة محل نزاع: نزع السلاح، توقيت الانسحاب أو إعادة الانتشار، صلاحيات الإدارة الانتقالية، والمرجعية السياسية النهائية. وحتى إذا مضت الترتيبات القانونية الخاصة بالقوة الدولية، فإن التنفيذ الميداني سيبقى رهناً بتوازنات متحركة على الأرض.

هناك أيضاً سؤال الشرعية. فالقوة الدولية قد تُقدَّم كأداة لتثبيت الاستقرار، لكن نجاحها سيتوقف على ما إذا كانت ستُرى فلسطينياً كجسر نحو إدارة وطنية مؤقتة ثم استعادة سلطة فلسطينية فاعلة، أم كآلية مفروضة لتجميد الصراع بصيغة جديدة. الفارق بين القراءتين كبير، وهو الذي سيحدد قابلية الخطة للحياة.

ملادينوف في قلب المرحلة

ملادينوف نفسه ليس اسماً طارئاً على هذا الملف. فهو دبلوماسي بلغاري سبق أن شغل منصب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط بين 2015 و2020، وتشير سيرته المنشورة في مؤسسات بحثية ودبلوماسية إلى أنه تولى في يناير 2026 منصب الممثل الأعلى لغزة. وهذا يفسر لماذا يُنظر إلى تصريحاته باعتبارها مؤشراً سياسياً على اتجاهات التنفيذ، لا مجرد تعليق إعلامي عابر.

خلاصة المشهد

ترحيب نيكولاي ملادينوف بخطوات تمكين نشر القوة الدولية في غزة يختصر لحظة سياسية شديدة الحساسية: لحظة انتقال من النصوص إلى الاختبار الميداني. قرار مجلس الأمن 2803 وضع إطاراً واسعاً يشمل قوة دولية، ومجلس سلام، وإدارة انتقالية فلسطينية، مع دور واضح لمصر في التشاور والتنسيق. أما القرار الإسرائيلي في 26 يوليو 2026، فيوحي بأن بعض العقبات القانونية بدأت تتحرك، لكنه لا يعني تلقائياً أن الانتشار بات وشيكاً أو مضمون النجاح.

بالنسبة للقارئ المصري، تبدو القضية أبعد من عنوان خبري عن “ترحيب” دبلوماسي. نحن أمام إعادة تشكيل محتملة لمعادلة غزة: من يدير، ومن يضمن الأمن، ومن يملك شرعية المرحلة الانتقالية. وفي هذه الأسئلة تحديداً، ستبقى القاهرة رقماً أساسياً لا يمكن القفز فوقه، سواء في تثبيت التهدئة أو في رسم ما بعد الحرب.