ترسانة الحوثيين: ما الذي يهدد السعودية من اليمن؟
تصعيد جديد يعيد ملف السلاح الحوثي إلى الواجهة
أعادت الهجمات المنطلقة من اليمن باتجاه الأراضي السعودية، وبينها استهدافات طالت محيط الرياض ومنشآت مدنية، طرح سؤال قديم يتجدد كل مرة: ما حجم الترسانة الصاروخية والجوية التي يمتلكها الحوثيون؟ السؤال لا يهم السعودية وحدها، بل يمتد إلى الإقليم بأكمله، من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي، بحكم قرب الممرات البحرية من السواحل اليمنية وأثر أي تصعيد على التجارة والطاقة والأمن البحري الذي يهم مصر ودول المنطقة.
وفي أحدث الوقائع المعلنة رسميًا، أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني في السعودية أن مطار الملك خالد الدولي في الرياض تعرض يوم 8 أكتوبر 2026 لاعتداءين؛ الأول استهدف مرافق المطار والثاني طائرة تابعة للخطوط السعودية، ما أسفر عن سقوط قتلى وإصابات وأضرار مادية. كما أعلنت بيانات سعودية أخرى خلال سبتمبر وأكتوبر 2026 اعتراض صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة أطلقتها جماعة الحوثي باتجاه الرياض وخميس مشيط ومناطق أخرى، وهو ما يعكس استمرار القدرة على إطلاق هجمات بعيدة ومتكررة، حتى مع نجاح الدفاعات الجوية في إسقاط عدد منها.
ماذا تقول المصادر الدولية عن قدرات الحوثيين؟
أكثر المصادر توثيقًا في هذا الملف هو تقرير فريق خبراء اليمن التابع للأمم المتحدة الصادر في 11 أكتوبر 2024، والذي خلص إلى أن الحوثيين عرضوا في صنعاء خلال 2023 طيفًا واسعًا من الأسلحة شمل صواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى، وصواريخ كروز للهجوم البري، وصواريخ مضادة للسفن، ومنظومات دفاع جوي، وطائرات مسيّرة استطلاعية وانتحارية، وزوارق مسيّرة وألغامًا بحرية. ويشير التقرير بوضوح إلى أن الجماعة لا تملك بمفردها القدرة الصناعية والتقنية لتطوير وإنتاج معظم هذه الأنظمة المعقدة من دون دعم خارجي.
كما وثّق التقرير نفسه اعتراض شحنات في يناير 2024 كانت تحمل مكونات مرتبطة بصواريخ ومركبات غير مأهولة في طريقها إلى مناطق خاضعة للحوثيين. ومن زاوية أمن البحر الأحمر، أحصى التقرير ما لا يقل عن 134 هجومًا انطلقت من مناطق سيطرة الحوثيين ضد سفن، بما فيها سفن تجارية ووحدات بحرية، مع استخدام نماذج جديدة من الصواريخ خلال تلك المرحلة.
أبرز فئات السلاح: صواريخ باليستية وكروز ومسيّرات
1) الصواريخ الباليستية
الحديث عن صواريخ الحوثيين يبدأ عادة بفئات مثل بركان وبدر وحاطم، وهي أسماء ترد في بيانات الجماعة أو في تقارير متابعة عسكرية وإعلامية. لكن الفارق المهم هنا أن التحقق المستقل لا يؤكد دائمًا المواصفات التي يعلنها الحوثيون بأنفسهم، خصوصًا ما يتعلق بالمدى والدقة. المؤكد من الوقائع الميدانية أن الجماعة استخدمت مرارًا صواريخ باليستية لضرب أهداف داخل السعودية، وأن هذه الصواريخ أصبحت جزءًا أساسيًا من استراتيجية الضغط الإقليمي التي تعتمد على التهديد بعيد المدى.
2) صواريخ كروز والهجوم منخفض الارتفاع
تُعد صواريخ كروز، ومن بينها فئات يُشار إليها باسم قدس في أدبيات الجماعة، أكثر إرباكًا من حيث الرصد لأنها تحلق على ارتفاعات منخفضة نسبيًا مقارنة ببعض الصواريخ الباليستية. وتكتسب هذه الفئة أهمية خاصة عندما يكون الهدف منشآت مدنية أو بنى تحتية أو موانئ وممرات ملاحة، لأن زمن الإنذار قد يكون أقصر والتعامل معها أعقد.
3) الطائرات المسيّرة
الطائرات المسيّرة أصبحت السلاح الأكثر حضورًا في الهجمات الحوثية خلال السنوات الأخيرة، سواء للاستطلاع أو للهجوم الانتحاري. وتبرز هنا عائلات مثل قاصف وصماد. وتشير تقديرات منشورة في تغطيات متخصصة حديثة إلى أن بعض طائرات صماد-3 قد يصل مداها إلى نحو 1500 كيلومتر مع حمولة محدودة نسبيًا، بينما تُستخدم طائرات من عائلة قاصف في مهام أقرب مدى وأكثر تكتيكية. ورغم اختلاف التقديرات، فإن الثابت هو أن المسيّرات منحت الحوثيين أداة أقل كلفة وأكثر مرونة من الصواريخ التقليدية، مع قدرة على الإغراق العددي وإرباك الدفاعات.
لماذا تمثل هذه الترسانة تحديًا يتجاوز اليمن؟
من منظور مصري وأفريقي، تكمن الخطورة في أن اليمن يقع على الضفة المقابلة للقرن الأفريقي وباب المندب، أي عند إحدى أهم بوابات الملاحة المتصلة بقناة السويس. لذلك فإن أي توسع في استخدام الصواريخ المضادة للسفن أو الزوارق غير المأهولة أو الألغام البحرية لا يظل شأنًا خليجيًا فقط، بل ينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد، وأسعار الشحن، وحركة التجارة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وقد شدد مجلس الأمن في قراره رقم 2722 الصادر في 10 يناير 2024 على ضرورة توقف هجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر. هذا البعد البحري هو ما يجعل ترسانة الجماعة جزءًا من معادلة أمن إقليمي أوسع، تتقاطع فيها اليمن مع السعودية ودول الخليج ومصر وشرق أفريقيا في آن واحد.
كيف تطورت طبيعة التهديد للسعودية؟
اللافت في المرحلة الأخيرة أن التهديد لم يعد محصورًا في مدن الجنوب السعودي القريبة نسبيًا من الحدود اليمنية، بل امتد مرارًا إلى العمق، بما في ذلك الرياض. وتُظهر البيانات الرسمية السعودية في سبتمبر وأكتوبر 2026 أن الهجمات شملت صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة استهدفت العاصمة ومناطق أخرى، بينما تؤكد شركة مطارات الرياض أن مطار الملك خالد الدولي يعد من أهم مرافق النقل الجوي في المملكة، وقد حصد في مارس 2026 جائزة “أكثر مطار تطورًا في العالم” ضمن جوائز سكاي تراكس، ما يوضح حساسية أي اعتداء يطاله من الناحية التشغيلية والرمزية.
ما الذي يمكن الجزم به.. وما الذي ينبغي التعامل معه بحذر؟
هناك ثلاث حقائق يمكن تثبيتها بثقة عالية:
- أولًا: الحوثيون يملكون بالفعل مزيجًا من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة والأدوات البحرية الهجومية.
- ثانيًا: هذه المنظومة تطورت على نحو واضح خلال السنوات الأخيرة، وباتت قادرة على تهديد أهداف بعيدة داخل السعودية وعلى امتداد البحر الأحمر.
- ثالثًا: تقارير الأمم المتحدة تربط هذا التطور بدعم خارجي تقني ولوجستي، وتؤكد أن الجماعة لا تستطيع بمفردها إنتاج معظم الأنظمة المعقدة التي تستخدمها.
في المقابل، تبقى كثير من التفاصيل المتعلقة بالأعداد الدقيقة، والمخزون الفعلي، ونِسَب الدقة، والمديات الحقيقية محل تضارب بين ما تعلنه الجماعة وما يمكن التحقق منه بشكل مستقل. لذلك فإن أي قراءة مهنية لترسانة الحوثيين يجب أن تميز بين القدرة المؤكدة بالوقائع والدعاية العسكرية.
خلاصة المشهد
ترسانة الحوثيين لم تعد مجرد ملف يمني داخلي، بل تحولت إلى قضية أمن إقليمي تمس السعودية مباشرة، وتؤثر على البحر الأحمر وباب المندب، وبالتالي على مصالح مصر والدول الأفريقية المطلة على طرق التجارة الدولية. وبينما تنجح الدفاعات الجوية في اعتراض جانب من الهجمات، فإن استمرار الإطلاقات وتنوع الوسائط المستخدمة يبرهن على أن الجماعة ما زالت تحتفظ بقدرة هجومية متعددة الطبقات، قوامها الصاروخ الباليستي، وصاروخ كروز، والطائرة المسيّرة، والتهديد البحري.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا يمتلك الحوثيون؟ بل أيضًا: إلى أي مدى يمكن أن يعيد هذا السلاح رسم توازنات الأمن في البحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي؟