Akhbar Cairo

تركيا تفند اتهامات نتنياهو بعد قصف قاعدة سورية

نفي تركي سريع.. لكن الرسالة أوسع من مجرد رد

جاء الرد التركي هذه المرة حادًا ومباشرًا على اتهامات صدرت عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (@b.netanyahu على إنستغرام)، بعد غارات إسرائيلية استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال سوريا. أنقرة قالت بوضوح إن الحديث عن وجود وفد عسكري تركي داخل القاعدة قبل أو أثناء القصف لا يستند إلى واقع، واعتبرت أن الرواية الإسرائيلية ليست سوى محاولة لتوفير غطاء سياسي لضربات وصفتها بأنها غير قانونية وتمس سيادة الدولة السورية.

الموقف التركي، كما نقلته وكالة الأناضول عن دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، لم يكتفِ بالنفي، بل ذهب إلى اتهام حكومة نتنياهو بتسويق مزاعم “واهية” لتبرير استهداف الأراضي السورية. وفي التوقيت نفسه تقريبًا، كانت تقارير دولية تتحدث عن أن إسرائيل بررت الهجوم بقولها إن دمشق كانت على وشك السماح بتمركز قوات تركية في القاعدة، وهو ما جعل الواقعة تتجاوز إطار النفي والتكذيب إلى سؤال أكبر: من يرسم قواعد الاشتباك الجديدة داخل سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد؟

ماذا حدث في قاعدة أبو الظهور؟

بحسب ما أوردته وكالة أسوشيتد برس في 19 أغسطس/آب 2026، استهدفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية بعد حديث عن زيارة تركية للموقع، بينما تمسك الجانب التركي بنفي وجود وفد عسكري تركي داخل القاعدة وقت الضربة. كما نقلت الوكالة أن مكتب نتنياهو قال إن الغارة جاءت لمنع ما اعتبره تغييرًا في “الوضع القائم” أمنيًا عبر السماح بانتشار قوات تركية هناك.

وفي اليوم التالي تقريبًا، نقل موقع أكسيوس عن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أنه أبلغ الجانب الإسرائيلي مسبقًا أن الحكومة السورية لا تعمل مع تركيا على بناء حضور عسكري في القاعدة المستهدفة، ومع ذلك وقع الهجوم. وبحسب التقرير نفسه، أُلقيت ثماني قنابل على الأقل على المدارج والحظائر في القاعدة الواقعة على مسافة تقارب 45 ميلًا من الحدود التركية.

هنا يصبح النفي التركي مهمًا ليس فقط لأنه يفند رواية إسرائيلية بعينها، بل لأنه ينزع عنها أيضًا ذريعة “التحرك الوقائي” التي درجت تل أبيب على استخدامها عندما تريد توسيع هامش ضرباتها في سوريا.

لماذا تصر إسرائيل على ربط تركيا بهذه الضربات؟

السبب لا يتعلق بقاعدة واحدة فقط. منذ التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا بعد نهاية حكم الأسد، تنظر إسرائيل بعين القلق إلى أي ترتيبات أمنية جديدة قد تمنح أنقرة موطئ قدم أكبر داخل البنية العسكرية السورية. تقارير سابقة نشرتها رويترز في أبريل/نيسان 2025 تحدثت عن تفقد فرق عسكرية تركية لعدة قواعد جوية سورية، بينها تي-4 قرب تدمر ومطار حماة العسكري، في إطار مناقشات متصلة بتعاون دفاعي محتمل مع دمشق.

في المقابل، تتمسك أنقرة بأن تعاونها مع الحكومة السورية يتم على “أساس مشروع” يهدف إلى دعم الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة ومنع تفكك البلاد. هذا الخطاب كررته جهات تركية رسمية أكثر من مرة، سواء عبر وزارة الخارجية أو عبر دائرة الاتصال بالرئاسة، مع تأكيد أن تركيا لن تسمح بزعزعة استقرار سوريا.

عمليًا، إسرائيل لا تبدو معترضة فقط على تحركات عسكرية تركية محتملة، بل على فكرة أن سوريا ما بعد الحرب يمكن أن تعود تدريجيًا إلى امتلاك بنية أمنية تعمل بدعم إقليمي منظم. ومن هذه الزاوية، يصبح استهداف القواعد الجوية السورية رسالة ردع إلى دمشق وأنقرة معًا، حتى لو غُلّفت الرسالة بعنوان “منع التهديد”.

ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لمصر والمنطقة؟

بالنسبة للقارئ المصري، لا تبدو القضية بعيدة كما قد توحي الجغرافيا. ما يجري في الشمال السوري يخص مباشرة شكل التوازنات في شرق المتوسط والمشرق العربي، ويؤثر على ملفات أوسع مثل أمن الحدود، وعودة الدولة الوطنية في المنطقة، ومجال النفوذ بين القوى الإقليمية. وكلما توسعت إسرائيل في فرض خطوط حمراء أحادية داخل سوريا، زادت احتمالات إعادة إنتاج حالة سيولة أمنية طويلة الأمد في الإقليم.

ومن منظور عربي أوسع، فإن أخطر ما في الواقعة ليس فقط القصف نفسه، بل محاولة تثبيت حق الاعتراض العسكري المسبق على أي ترتيبات سيادية داخل دولة عربية مجاورة. هنا يكتسب الموقف التركي، رغم كل التعقيدات المعروفة في علاقتها بسوريا، بعدًا يتجاوز الدفاع عن موقف ميداني محدد إلى الاعتراض على مبدأ سياسي أكبر: هل يجوز لإسرائيل أن تحدد منفردة من يحق له التعاون عسكريًا مع دمشق ومن لا يحق له؟

بين أنقرة وتل أبيب.. منطق الردع يتقدم على الدبلوماسية

اللافت أن التوتر التركي الإسرائيلي في الساحة السورية لم يعد مجرد احتمال نظري. فبحسب تقارير دولية نُشرت في 2025، جرت اتصالات بين الطرفين في أذربيجان لتفادي الاحتكاك المباشر داخل سوريا، في إشارة إلى أن الطرفين يعترفان ضمنًا بأن مساحة التماس بينهما تتسع. لكن حادثة أبو الظهور توحي بأن آليات منع الصدام، إن وجدت، لا تزال هشة، وأن إسرائيل تفضل أحيانًا الفعل العسكري السريع على انتظار تفاهمات أكثر استقرارًا.

في هذا السياق، يبدو نفي أنقرة رسالة مزدوجة: من ناحية، هو رفض لتحميلها مسؤولية تصعيد لم تعلن عنه؛ ومن ناحية أخرى، هو تحذير مبطن من أن استخدام اسم تركيا كتبرير للغارات لن يمر سياسيًا بلا اعتراض. ومع أن أنقرة لم تعلن نية الدخول في مواجهة مباشرة، فإنها حريصة على تثبيت روايتها أمام الرأي العام الدولي: التعاون مع دمشق شأن مشروع، أما الضربات الإسرائيلية فهي اعتداء على السيادة السورية.

ماذا يقول هذا التطور عن سوريا الجديدة؟

حادثة القاعدة المستهدفة تكشف أن سوريا، حتى بعد تغير السلطة، لم تخرج بعد من منطقة الصراع على تعريف الدولة نفسها. فهناك حكومة تسعى لإعادة بناء مؤسساتها العسكرية، وتركيا تقدم نفسها شريكًا في هذا المسار، بينما تعمل إسرائيل على منع أي إعادة تموضع قد تحد من حرية حركتها الجوية أو تنشئ معادلات ردع جديدة قرب حدودها ومجالها الحيوي.

بمعنى آخر، نحن لسنا فقط أمام خلاف على “وفد عسكري” كان موجودًا أو لم يكن موجودًا، بل أمام صدام تصورات: تركيا تتحدث عن استقرار وسيادة وتعاون رسمي مع دمشق، وإسرائيل تتصرف بمنطق أن الأمن الإقليمي يمر أولًا عبر قدرتها على الضرب الاستباقي ومنع خصومها أو منافسيها من تثبيت بنى عسكرية مؤثرة في سوريا.

  • أولًا: النفي التركي يستهدف سحب الشرعية السياسية من الرواية الإسرائيلية.
  • ثانيًا: الضربة على أبو الظهور تؤكد أن إسرائيل تراقب بدقة أي تحرك تركي أو سوري ذي طابع عسكري.
  • ثالثًا: مستقبل التوازن في سوريا سيتحدد بقدر ما تستطيع دمشق وحلفاؤها فرض مفهوم السيادة على الأرض.
  • رابعًا: استمرار هذا النمط من الضربات يعني أن مرحلة ما بعد الأسد لا تزال مفتوحة على صراع نفوذ إقليمي حاد.

الخلاصة

في ظاهر الأمر، تبدو القضية مجرد رد تركي على اتهام إسرائيلي. لكن في العمق، تكشف الأزمة عن اختبار مبكر لقواعد اللعبة في سوريا بعد التحولات الكبرى التي عاشتها البلاد. أنقرة تنفي وجود وفد عسكري في القاعدة المستهدفة وتتهم نتنياهو بتلفيق مبررات للقصف، بينما تواصل إسرائيل إرسال إشارات بأنها لن تنتظر تشكل واقع عسكري جديد لا يناسب حساباتها.

ولهذا، فإن السؤال الأهم الآن ليس إن كان هناك وفد تركي داخل القاعدة من عدمه، بل ما إذا كانت المنطقة تتجه إلى ترتيب أمني جديد بالقوة، تُفرض فيه الخطوط الحمراء من الجو قبل أن تُناقش على طاولات السياسة. بالنسبة لمصر والعالم العربي، هذه ليست تفصيلة سورية داخلية، بل واحدة من علامات التحول الأوسع في شكل الإقليم وحدود السيادة فيه.