تركيا تهاجم أي اعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان
تركيا ترفع سقف الاعتراض: الجولان ليس ملفاً رمزياً
تعاملت أنقرة مع أي حديث عن الاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان بوصفه تجاوزاً سياسياً وقانونياً لا يمكن المرور عليه بصمت. فالموقف التركي المعلن منذ سنوات يقوم على أن الجولان أرض سورية محتلة، وأن أي محاولة لإضفاء صفة الشرعية على السيطرة الإسرائيلية هناك تمثل انتهاكاً مباشراً لقواعد القانون الدولي، وتهديداً إضافياً لفكرة التسوية العادلة في الشرق الأوسط. هذا المنطق ليس جديداً في الدبلوماسية التركية، لكنه عاد إلى الواجهة بقوة مع تجدد السجال حول المواقف الدولية من وضع الجولان.
وزارة الخارجية التركية، التي يقودها هاكان فيدان، وزير الخارجية التركي، شددت في مواقف موثقة على أن أي اعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل يعد باطلاً من منظور أنقرة، ويتعارض مع سلامة الأراضي السورية. وتستند تركيا في ذلك إلى مرجعية أممية واضحة، أهمها قرار مجلس الأمن رقم 497 لسنة 1981، الذي اعتبر قرار إسرائيل فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل «لاغياً وباطلاً وليس له أثر قانوني دولي».
لماذا يحمل الرد التركي هذه الحساسية؟
لأن المسألة بالنسبة إلى أنقرة لا تتعلق فقط بقطعة أرض متنازع عليها، بل بسابقة سياسية أخطر: هل يمكن تكريس الاحتلال عبر اعترافات منفردة؟ من هنا يأتي التشدد التركي. فتركيا ترى أن الاعترافات الأحادية التي تمنح شرعية لنتائج الحرب والاحتلال تضرب أحد المبادئ الأساسية في النظام الدولي، وهو عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة. هذا المبدأ حاضر في القرارات الأممية الخاصة بالجولان، كما بقي ثابتاً في الأدبيات الدولية التي تعاملت مع وضع المنطقة منذ احتلالها عام 1967 ثم محاولة ضمها فعلياً عام 1981.
واللافت أن الموقف التركي لم يقتصر على رفض اعترافات سابقة فقط، بل امتد أيضاً إلى إدانة السياسات الإسرائيلية المرتبطة بتوسيع الاستيطان في الجولان. ففي 16 ديسمبر 2024، أدانت الخارجية التركية قرار إسرائيل توسيع المستوطنات غير القانونية في الجولان المحتل، واعتبرت الخطوة مرحلة جديدة في مشروع توسيع الحدود عبر الاحتلال. هذه اللغة تكشف أن أنقرة تنظر إلى الملف باعتباره جزءاً من تصور أوسع يتعلق بإعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة على حساب القانون الدولي.
الزاوية الكولومبية: لماذا تثير أي إشارة إلى الجولان كل هذا الجدل؟
في السياق اللاتيني، تبدو كولومبيا دولة بعيدة جغرافياً عن الصراع، لكن أي موقف يصدر عنها بشأن الجولان يكتسب وزناً سياسياً يتجاوز حجمه المباشر. السبب أن الاعترافات أو البيانات الصادرة من دول خارج الإقليم تُقرأ في الشرق الأوسط باعتبارها جزءاً من معركة السردية: هل لا يزال العالم يعتبر الجولان أرضاً سورية محتلة، أم أن هناك اتجاهاً لتطبيع فكرة الضم؟ لذلك جاء الرد التركي حاداً، لأنه يواجه ما تراه أنقرة محاولة لتعويم أمر واقع مرفوض قانونياً. وفي المقابل، تُظهر البيانات الرسمية الصادرة عن الرئاسة الكولومبية خلال 2025 و2026 أن بوغوتا تبنت في ملفات الشرق الأوسط خطاباً يدعو إلى الحل السياسي واحترام القانون الدولي، وهو ما يجعل أي صياغة ملتبسة حول الجولان شديدة الحساسية وقابلة لإثارة ردود فعل فورية.
تحليلياً، فإن الاعتراض التركي هنا لا يستهدف كولومبيا بقدر ما يستهدف مبدأ الانزلاق التدريجي نحو تطبيع مفاهيم الضم. هذه نقطة مهمة للقارئ المصري والعربي: في قضايا الاحتلال، تبدأ التحولات أحياناً بتعديل اللغة قبل تعديل الوقائع. وعندما تنتقل لغة «الأرض المحتلة» إلى لغة «السيادة المعترف بها»، يتغير الإطار السياسي كله حتى لو لم يتغير الوضع على الأرض.
ماذا يقول القانون الدولي عن الجولان؟
المرجعية الأساسية تبقى قرار مجلس الأمن 497 الصادر في 17 ديسمبر 1981، والذي رفض الإجراء الإسرائيلي الخاص بفرض القوانين والإدارة على الجولان المحتل. كما أعادت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في قرارها المعنون «الجولان السوري المحتل» والصادر في 4 ديسمبر 2024، التأكيد مرة أخرى على عدم قانونية هذا الوضع وعلى بطلان كل التدابير الرامية إلى تغيير الطابع القانوني أو الديموغرافي للمنطقة.
هذه المرجعية تجعل أي اعتراف منفرد بالسيادة الإسرائيلية على الجولان خارجاً عن الإجماع الأممي الواسع. وحتى في المناخ الدولي المضطرب، ما زالت المؤسسات الأممية تتعامل مع الجولان باعتباره أرضاً سورية محتلة. ومن هذه الزاوية، فإن الرد التركي لا يبدو شاذاً أو استثنائياً، بل منسجماً مع أساس قانوني قائم منذ عقود.
- الاحتلال بدأ عام 1967 خلال حرب يونيو.
- الضم الفعلي أُعلن عام 1981 عبر فرض القوانين والإدارة الإسرائيلية على الجولان.
- قرار مجلس الأمن 497 اعتبر الخطوة باطلة ومن دون أثر قانوني دولي.
- الأمم المتحدة ما زالت تصف المنطقة بأنها الجولان السوري المحتل.
وأين تقف مصر من هذا الجدل؟
بالنسبة لمصر، فإن الصورة أوضح من أن تحتمل تأويلاً كبيراً. فوزارة الخارجية المصرية أكدت في 18 فبراير 2026، خلال كلمة مصر في جلسة مجلس الأمن حول تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، ضرورة انسحاب إسرائيل من الجولان السوري المحتل، مجددة دعمها الكامل لسيادة سوريا ووحدة أراضيها. كما أدانت القاهرة في أكثر من مناسبة الانتهاكات الإسرائيلية لسيادة سوريا، وهو ما يضع الموقف المصري والتركي، رغم اختلاف الحسابات الإقليمية بين البلدين في ملفات أخرى، في نقطة تقاطع واضحة حين يتعلق الأمر برفض تكريس الاحتلال أو شرعنته.
ومن منظور مصري، تبدو هذه المسألة وثيقة الصلة بفكرة أوسع: استقرار الإقليم لا يمكن بناؤه على تثبيت نتائج الاحتلال أو تجاهل المرجعيات الدولية. فالتسويات التي تتجاوز أصل المشكلة قد تُنتج هدوءاً مؤقتاً، لكنها لا تنتج سلاماً قابلاً للحياة. وهذا هو جوهر التحذير الذي يختبئ خلف اللغة الدبلوماسية في بيانات أنقرة والقاهرة على السواء.
ما الذي تكشفه الأزمة أبعد من البيان؟
تكشف أن الصراع على الجولان ليس تاريخاً مؤجلاً، بل ملفاً حياً يتجدد كلما ظهرت محاولة لإعادة تعريف الشرعية الدولية وفق موازين القوة. كما تكشف أن دولاً إقليمية مثل تركيا ومصر ما زالت تعتبر أن التهاون في ملف الجولان يفتح الباب أمام تآكل أوسع في قواعد النظام الإقليمي العربي والشرق أوسطي. فحين يصبح ضم الأرض أمراً قابلاً للتسويق السياسي، لا تعود المسألة محصورة في سوريا وحدها.
من هنا، يمكن فهم حدة اللهجة التركية تجاه أي إشارة تعترف بسيادة إسرائيل على الجولان. هي ليست مجرد مجاملة لسوريا، ولا مجرد تسجيل موقف دبلوماسي عابر، بل دفاع عن قاعدة ترى أن انهيارها سيعيد إنتاج المنطقة بمنطق القوة المجردة. وفي لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها حروب غزة، والتوترات على الحدود السورية، وأزمات الشرعية الدولية، يصبح الجولان اختباراً مكثفاً لسؤال أكبر: هل ما زال القانون الدولي قادراً على فرض حد أدنى من المعايير، أم أن الاعترافات السياسية المنفردة باتت أقوى من القرارات الأممية؟
الإجابة، حتى الآن، أن النصوص الدولية ما زالت ثابتة، وأن مواقف دول مثل مصر وتركيا تتمسك بها علناً. لكن الواقع السياسي يظل مفتوحاً على محاولات متكررة لخلق أمر واقع جديد. ولهذا تحديداً، لا يبدو الجدل حول الجولان مجرد خبر دبلوماسي عابر، بل مؤشر مهم على شكل الصراع المقبل على الشرعية والمعنى والحدود في الشرق الأوسط.