Akhbar Cairo

تصريحات فانس عن إيران: تصعيد لفظي ورسائل طاقة وسياسة

لغة صدامية تكشف ما وراءها

في أحدث مواقفه العلنية، عاد نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى استخدام تعبيرات بالغة الحدة ضد القيادة الإيرانية، قائلاً إنه لا يعتقد أن طهران تتصرف وفق رؤية استراتيجية واضحة، ومشيراً إلى أن سلوكها قد يذهب إلى حد الإضرار بتدفقات النفط والغاز من دون حسابات رشيدة بعيدة المدى. هذه الصياغة ليست مجرد انفعال سياسي عابر، بل تعكس مدرسة داخل واشنطن ترى أن التعامل مع إيران لا ينفصل عن معادلة الردع، ولا عن ملف الطاقة العالمي الذي يبقى شديد الحساسية لأي توتر في الخليج.

المؤكد أن تصريحات فانس جاءت في سياق أمريكي أوسع يربط بين أمن الملاحة، ومنع اتساع الصراع، وضبط سوق الطاقة. البيت الأبيض أعاد في بياناته خلال يونيو 2025 التأكيد على أن أولوية الإدارة كانت حماية القوات الأمريكية ومنع إيران من تطوير قدراتها النووية، بينما حرص فانس نفسه في مقابلات وتصريحات لاحقة على ربط أي تهديد للملاحة أو البنية التحتية للطاقة برد أمريكي قوي.

لماذا تبدو مسألة النفط والغاز في قلب الخطاب؟

حين يتحدث مسؤول أمريكي بهذا المستوى عن إيران، فهو لا يتحدث فقط عن السياسة أو الملف النووي، بل عن الطاقة بوصفها نقطة التقاء بين الاقتصاد والأمن. وكالة معلومات الطاقة الأمريكية تؤكد أن مضيق هرمز يظل أحد أهم الممرات الاستراتيجية عالمياً لعبور النفط، كما أن أكثر من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً عبرت منه في النصف الأول من 2025. هذا يفسر لماذا تتحول أي إشارة إلى تهديد الملاحة هناك إلى خبر اقتصادي عالمي قبل أن تكون خبراً عسكرياً.

وكالة الطاقة الدولية رصدت بالفعل أن التوترات التي تصاعدت بعد الضربات المتبادلة في يونيو 2025 دفعت أسعار خام برنت إلى أعلى مستوى لها في ستة أشهر عند نحو 74 دولاراً للبرميل، قبل أن تستمر التقلبات لاحقاً مع بقاء المخاوف من تعطل المرور عبر هرمز. وفي تقرير يوليو 2025، أشارت الوكالة إلى أن برنت صعد خلال يونيو إلى حدود 70 دولاراً للبرميل بفعل الحرب بين إسرائيل وإيران وتقلبات السوق الحادة.

من هنا يمكن فهم مغزى كلام فانس: الرسالة ليست فقط أن إيران خصم ينبغي ردعه، بل أن أي سلوك إيراني يُنظر إليه في واشنطن باعتباره تهديداً مباشراً لفواتير الوقود، ولسلاسل الإمداد، وللاقتصاد السياسي الداخلي في الولايات المتحدة نفسها. وهذه زاوية مهمة، لأن الإدارات الأمريكية عادة ما تربط السياسة الخارجية بمزاج الناخب عندما يتعلق الأمر بأسعار البنزين والطاقة.

بين الخطاب الانفعالي والحسابات الباردة

اللافت في تصريحات فانس أنه يخلط بين توصيف نفسي للخصم وبين تحليل استراتيجي لسلوكه. وصف القيادة الإيرانية بأنها قد تتصرف بصورة غير عقلانية يفتح الباب لتبرير سياسات أكثر تشدداً، لكنه في الوقت نفسه يكشف معضلة أمريكية: إذا كانت واشنطن ترى طهران غير قابلة للتنبؤ، فهذا يعني أن هامش الخطأ في إدارة التصعيد يصبح أضيق بكثير.

عملياً، لا تتعامل المؤسسات الأمريكية مع إيران باعتبارها طرفاً عشوائياً بالكامل، بل كدولة تستخدم أدوات ضغط معروفة: البرنامج النووي، الشبكات الإقليمية المسلحة، والموقع الجغرافي الحساس المتصل بممرات الطاقة. لذلك فإن المبالغة اللفظية من مسؤولين مثل فانس قد تخدم التعبئة السياسية، لكنها لا تلغي حقيقة أن واشنطن نفسها تبني سياساتها على افتراض وجود حسابات إيرانية دقيقة، حتى لو كانت صدامية أو عالية المخاطر.

هذا التناقض هو ما يجعل التصريح مثيراً للاهتمام في قسم تحليلات ورأي: فالمسألة ليست هل كان الوصف قاسياً أم لا، بل ماذا يريد صانع القرار الأمريكي أن يمرره من خلال هذه اللغة؟ الأغلب أنه يريد تثبيت فكرتين معاً: الأولى أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع أي تهديد لتدفق الطاقة، والثانية أن أي تصعيد لاحق يمكن تحميل إيران مسؤوليته مسبقاً في الرأي العام.

ما الذي يعنيه ذلك لمصر؟

بالنسبة إلى القارئ المصري، تبدو هذه التصريحات بعيدة جغرافياً، لكنها ليست بعيدة اقتصادياً. مصر ليست دولة معزولة عن صدمات الطاقة في المنطقة، ووزارة البترول والثروة المعدنية كانت قد أعلنت في 13 يونيو 2025 تفعيل خطة طوارئ خاصة بأولويات إمداد الغاز الطبيعي على خلفية الأعمال العسكرية في الإقليم وتوقف إمدادات الغاز من الشرق، مع اتخاذ إجراءات احترازية لحماية استقرار الشبكة المحلية.

كما أوضح وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي أن مصر وسعت قدراتها الخاصة باستيراد الغاز الطبيعي المسال عبر سفن التغييز إلى طاقة تصل إلى 2.7 مليار قدم مكعب يومياً، ضمن خطة تنويع مصادر الإمداد وتأمين احتياجات السوق المحلية. هذه النقطة بالذات تجعل أي توتر في الخليج أو في طرق التجارة البحرية مسألة ذات انعكاس مباشر على الأمن الطاقي المصري، سواء عبر الأسعار أو عبر تكلفة الاستيراد أو عبر توقيتات الإمداد.

ومن هذا المنظور، فإن تصريحات فانس لا تُقرأ فقط كخلاف أمريكي إيراني، بل كجزء من مناخ دولي يضغط على الدول المستوردة للطاقة، ويجعلها أكثر حرصاً على بناء هوامش أمان. مصر هنا تقدم نموذجاً لبلد يسعى إلى تقليل أثر الاضطرابات الخارجية عبر البنية التحتية، والتخطيط المسبق، وتوسيع بدائل الاستيراد.

هل التصعيد الكلامي مقدمة لتصعيد أكبر؟

ليس بالضرورة. التاريخ القريب للعلاقة بين واشنطن وطهران يقول إن التصريحات النارية كثيراً ما تسير بالتوازي مع قنوات تفاوض أو رسائل ردع متبادلة. حتى حين شدد فانس لاحقاً على أن الولايات المتحدة تريد تدفق النفط والغاز بحرية، كان ذلك مؤشراً على أن الهدف النهائي ليس الحرب المفتوحة بقدر ما هو فرض قواعد اشتباك تمنع إيران من العبث بالممرات البحرية أو استخدام الطاقة كسلاح سياسي.

لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن الإفراط في الشخصنة، ووصف الخصم بأنه غير استراتيجي أو "مجنون"، قد يصنع مناخاً يدفع جميع الأطراف إلى سوء تقدير متبادل. في الشرق الأوسط، كثير من الحروب لم تبدأ بقرار شامل للحرب، بل بسلسلة إشارات خاطئة، وسوء فهم للنوايا، وردود فعل خرجت عن السيطرة.

خلاصة المشهد

تصريحات جيه دي فانس ليست مجرد انطباع شخصي عن إيران، بل تعبير مكثف عن طريقة تفكير أمريكية تعتبر أن أمن الطاقة جزء من الأمن القومي، وأن مضيق هرمز يظل خطاً أحمر عالمياً. بالنسبة لمصر، فإن أهمية هذه اللغة تكمن في ما تعكسه من هشاشة إقليمية مستمرة، وفي أنها تذكر بأن أي اضطراب في الخليج يمكن أن يصل سريعاً إلى الداخل المصري عبر فاتورة الطاقة وسوق الإمدادات.

وفي النهاية، قد يكون السؤال الأهم ليس ما إذا كانت إيران تتصرف برؤية استراتيجية أم لا، بل ما إذا كانت الولايات المتحدة نفسها قادرة على إدارة الردع من دون أن يتحول الخطاب المتشدد إلى نبوءة تحقق ذاتها. هنا تحديداً تبدأ قيمة التحليل: في قراءة ما وراء الكلمات، لا الاكتفاء بوقعها الصاخب.