Akhbar Cairo

تصريحات فلسطينية: تنصل إسرائيلي يعمّق مأزق غزة

قراءة في اتهام فلسطيني لحكومة نتنياهو بالتنصل من اتفاقات غزة

تكتسب التصريحات الصادرة عن عضو المجلس الوطني الفلسطيني تحسين الأسطل أهمية خاصة، ليس فقط لأنها تعكس مزاجًا سياسيًا فلسطينيًا واسعًا، بل لأنها تضع ملف غزة مرة أخرى في قلب سؤال قديم متجدد: هل ما زالت حكومة بنيامين نتنياهو ترى في الاتفاقات الموقعة إطارًا ملزمًا، أم أنها تتعامل معها باعتبارها أداة مؤقتة لإدارة الضغط الدولي والداخلي؟ في مداخلته عبر قناة القاهرة الإخبارية، قدّم الأسطل قراءة شديدة الوضوح مفادها أن الحكومة الإسرائيلية اليمينية تمضي في سياسات تُبقي القطاع تحت الحصار والضغط العسكري والإنساني، بما يجعل أي حديث عن التزام فعلي بالتفاهمات محل شك كبير.

هذا الطرح لا يأتي من فراغ. فالمجلس الوطني الفلسطيني، بوصفه أحد الأطر التمثيلية الأساسية في منظمة التحرير الفلسطينية، لطالما تبنى موقفًا ينتقد ما يصفه بمحاولات إسرائيل المتكررة للتنصل من الاتفاقات الموقعة وتعطيل تنفيذ استحقاقاتها، وهو موقف موثق تاريخيًا في أدبيات المجلس منذ مناقشات اتفاقات أوسلو وما تلاها.

من هو تحسين الأسطل؟ ولماذا يهمّ صوته هنا؟

تحسين الأسطل ليس اسمًا عابرًا في المشهد الفلسطيني؛ فقد ورد في تغطيات صحفية عربية وفلسطينية بصفته عضوًا في المجلس الوطني الفلسطيني، كما شغل أدوارًا نقابية وإعلامية معروفة داخل الساحة الفلسطينية. وسبق أن قدّم مواقف علنية تدعو إلى تحرك دولي أكثر صرامة لوقف سياسات الحكومة الإسرائيلية اليمينية، مع التشديد على حل الدولتين كإطار سياسي للخروج من دوامة الحرب المفتوحة.

أهمية هذا الصوت، بالنسبة للقارئ المصري، أنه يعبّر عن اتجاه فلسطيني يربط بين استمرار الحرب على غزة وبين ما يعتبره غيابًا لأي كلفة سياسية حقيقية على حكومة بنيامين نتنياهو (@netanyahu على إنستغرام) في المحافل الدولية. ومن هنا يصبح النقد الفلسطيني الموجّه إلى المجتمع الدولي موازيًا، في وزنه، للنقد الموجّه إلى الحكومة الإسرائيلية نفسها.

بين التصريحات والوقائع: ماذا تقول المعطيات الأحدث؟

المعطيات الإنسانية الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية خلال يوليو/تموز 2026 ترسم صورة تدعم، من زاوية إنسانية على الأقل، فكرة أن غزة لا تزال بعيدة عن أي استقرار فعلي. التقارير الأممية تحدثت عن استمرار العمليات العسكرية، والنزوح المتكرر، وتدهور الوصول إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية والمأوى، إلى جانب اتساع القيود على الحركة والعمل الإغاثي. كما أشارت إلى أن السكان باتوا محصورين في أقل من نصف مساحة القطاع، مع تواصل الخسائر البشرية حتى بعد الإعلان عن وقف إطلاق نار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وفي تقرير أحدث بتاريخ 23 يوليو/تموز 2026، أشار المكتب نفسه إلى تدهور المؤشرات الصحية، بما في ذلك تسجيل ما يقرب من 4 آلاف حالة إجهاض خلال النصف الأول من العام، واستمرار إزالة الأنقاض بوتيرة لا تزال ضئيلة مقارنة بما يزيد على 60 مليون طن من الركام المتراكم منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. هذه الأرقام لا تثبت وحدها وجود تنصل سياسي من اتفاق بعينه، لكنها تقدم خلفية عملية تؤكد أن الواقع الميداني لا يعكس مسار تهدئة مستقرًا أو تنفيذًا كاملًا لتعهدات من شأنها حماية المدنيين.

المشكلة الأعمق: الاتفاقات بلا أدوات إلزام

جوهر ملاحظة الأسطل يتمثل في أن البيانات الدولية، مهما ارتفعت لهجتها، تظل محدودة الأثر ما لم ترتبط بخطوات عملية. وهذه نقطة يكررها مسؤولون فلسطينيون آخرون. ففي فبراير/شباط 2026، دعا رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح إلى فرض عقوبات ملموسة على حكومة الاحتلال وتجميد عضويتها في أطر برلمانية دولية، معتبرًا أن الاكتفاء بالإدانة لا يردع السياسات القائمة على الهدم والتوسع والاستهداف.

من منظور تحليلي، تكمن المشكلة في أن بنية التفاوض نفسها صارت أضعف من أن تفرض التزامًا على طرف يملك تفوقًا عسكريًا ودعمًا سياسيًا واسعًا. وحين يغيب ميزان الردع الدبلوماسي، تتحول الاتفاقات إلى محطات لإدارة الأزمة لا لحلها. لهذا يبدو اتهام حكومة نتنياهو بالتنكر للاتفاقات أقرب إلى توصيف بنيوي لطريقة إدارة الصراع، لا مجرد رد فعل على واقعة منفردة.

البعد القانوني: من الإدانة الأخلاقية إلى الإلزام القضائي

الشق القانوني لا يقل أهمية عن السياسي. فمحكمة العدل الدولية كانت قد أصدرت في 26 يناير/كانون الثاني 2024 تدابير مؤقتة ملزمة في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا، وطالبت إسرائيل باتخاذ إجراءات لمنع الأفعال التي قد تندرج تحت اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وضمان الحفاظ على الأدلة ذات الصلة. ثم عادت المحكمة في 28 مارس/آذار 2024 لتؤكد ضرورة الامتثال الفوري للتدابير المقررة.

صحيح أن هذه القرارات لا تحسم النزاع سياسيًا، لكنها تمنح الخطاب الفلسطيني مادة قانونية أقوى من مجرد الاحتجاج السياسي. وبالنسبة إلى محللين كثر، فإن استمرار التدهور الإنساني في غزة رغم هذا المسار القضائي الدولي يعزز الانطباع بأن آليات الإلزام العالمية ما تزال أبطأ من إيقاع الميدان.

أين تقف مصر في هذه الصورة؟

بالنسبة إلى الجمهور المصري، لا يمكن فصل هذا الجدل عن الدور المصري المستمر في ملف غزة. الهيئة العامة للاستعلامات تؤكد في موادها الرسمية أن القاهرة تواصل جهودها لتهدئة الأوضاع في القطاع، كما تشدد على موقف مصر الثابت الرافض لتهجير الفلسطينيين، والداعم لوقف إطلاق النار وإنفاذ المساعدات والحفاظ على وحدة القضية الفلسطينية.

هذا يفسر لماذا تحظى أي تصريحات فلسطينية عن فشل الاتفاقات باهتمام خاص في مصر: لأن القاهرة ليست مراقبًا من بعيد، بل طرفًا إقليميًا رئيسيًا في الوساطة، وفي إدارة التوازن بين الملفين الإنساني والسياسي. ومن ثم، فإن أي اتهام لإسرائيل بالتنصل من التفاهمات لا يُقرأ فقط باعتباره توصيفًا للمشهد داخل غزة، بل أيضًا باعتباره اختبارًا لفاعلية الضمانات الدولية والإقليمية التي رافقت تلك التفاهمات.

ما الذي يقوله المشهد السياسي الأوسع؟

في الأشهر الأخيرة، تصاعد داخل الساحة الإسرائيلية نفسها خطاب يدفع باتجاه تقويض الأسس التي قامت عليها الترتيبات السياسية مع الفلسطينيين. وتناولت تقارير صحفية في مايو/أيار 2026 مشروعًا داخل الكنيست يقترح اعتبار الاتفاقات الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية غير ملزمة لإسرائيل. وإذا صحّ النظر إلى هذا الاتجاه باعتباره مؤشرًا سياسيًا عامًا، فإنه يمنح تصريحات الأسطل معنى أوسع: فالمسألة لا تتعلق فقط بخرق تكتيكي لاتفاق، بل بإعادة تعريف إسرائيلية لفكرة الاتفاق أصلًا.

  • أولًا: استمرار العمليات والقيود الميدانية يجعل الحديث عن تهدئة مستقرة أمرًا هشًا.
  • ثانيًا: البيانات الدولية وحدها لا تبدو كافية من دون أدوات ضغط أو عقوبات.
  • ثالثًا: الوساطة المصرية تبقى عنصرًا حاسمًا، لكنها تحتاج إلى مظلة دولية أكثر إلزامًا.
  • رابعًا: البعد القانوني الدولي يتقدم، لكنه لم يتحول بعد إلى تغيير ملموس في حياة المدنيين داخل غزة.

خلاصة تحليلية

تصريحات تحسين الأسطل لا تضيف فقط موقفًا فلسطينيًا جديدًا إلى سجل الإدانات، بل تكشف عن مأزق أعمق يطبع حرب غزة في صيف 2026: وجود اتفاقات وتفاهمات من دون ضمانات تنفيذ كافية، ووجود تحذيرات دولية من دون أدوات ردع فاعلة، ووجود كارثة إنسانية مستمرة رغم مسارات قانونية ودبلوماسية نشطة. في هذا السياق، تبدو الرسالة الأساسية التي أراد الأسطل إيصالها واضحة: المشكلة لم تعد في نقص البيانات، بل في غياب القرار الدولي القادر على تحويل النصوص إلى وقائع، ووقف إدارة الصراع بمنطق القوة وحدها.

ومن زاوية مصرية، فإن هذا التطور يعيد التأكيد على أن أي مقاربة جدية لملف غزة لا يمكن أن تكتفي بإسكات البنادق مؤقتًا، بل يجب أن ترتبط بمسار سياسي واضح، وضمانات تنفيذ حقيقية، وحماية للمدنيين، ومنع العودة إلى الحلقة نفسها التي استنزفت الفلسطينيين والمنطقة على حد سواء.