Akhbar Cairo

تصريحات كاتس عن البقاء في جنوب لبنان تُصعّد التوتر

تصعيد سياسي جديد حول الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان

أعاد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس فتح ملف الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، بعدما أعلن أن بلاده لا تحتاج إلى إذن من أي جهة من أجل البقاء في لبنان. هذا الموقف لم يأتِ في فراغ، بل في لحظة شديدة الحساسية تتداخل فيها التحركات العسكرية على الأرض مع مسار تفاوضي وسياسي لا يزال هشًّا، وسط اعتراض لبناني واضح على أي صيغة يمكن أن تُفهم باعتبارها غطاءً لاستمرار القوات الإسرائيلية داخل الجنوب.

أهمية التصريح لا ترتبط فقط بصياغته الحادة، بل بما يعكسه من تمسك إسرائيلي بفكرة الإبقاء على قوات في مناطق جنوبية لبنانية لفترة غير محددة. تقارير دولية وإخبارية متقاطعة نقلت خلال أواخر يونيو ومطلع يوليو 2026 أن كاتس ومسؤولين إسرائيليين آخرين أكدوا بوضوح رفض الانسحاب الكامل في المرحلة الحالية، وربطوا أي تغيير ميداني بشروط أمنية تتعلق بحزب الله والوضع جنوب الليطاني.

ماذا قال كاتس؟

خلال الأيام الأخيرة، تكررت من الجانب الإسرائيلي رسائل مفادها أن الجيش سيواصل تمركزه في الجنوب اللبناني ما دام يعتبر أن التهديد لم ينتهِ. ووفق ما نشرته تقارير إخبارية اعتمدت على تصريحات رسمية، شدد كاتس على أن إسرائيل لن تنتظر تفويضًا أو إذنًا كي تحدد شكل انتشارها العسكري في المناطق التي تصفها بأنها ضرورية لأمنها. كما نُقل عنه في نهاية يونيو 2026 أن بقاء القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان سيكون “طويل الأمد” وأن أي إعادة انتشار لن تسبق ما تعتبره تل أبيب ترتيبات أمنية أوسع.

اللافت أن هذا الخطاب تزامن أيضًا مع جولات ميدانية وتصريحات من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الجنوب اللبناني، حيث أكد بدوره استمرار الوجود العسكري ما دام حزب الله، بحسب الرواية الإسرائيلية، يمثل تهديدًا قائمًا. هذا التوازي بين موقفي نتنياهو وكاتس يعطي انطباعًا بأن المسألة ليست مجرد تصريح فردي، بل توجه سياسي وأمني معلن داخل الحكومة الإسرائيلية.

الموقف اللبناني: رفض لأي شرعنة للبقاء

في المقابل، جاء الرد اللبناني حاسمًا في رفض أي محاولة لتحويل الوقائع الميدانية إلى أمر دائم. الرئيس اللبناني جوزيف عون أكد في 2 يوليو 2026 أن أي إطار تم التوصل إليه لا يشرعن بقاء الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، بل يقوم على تمكين الجيش اللبناني من بسط سيطرته على كامل الأراضي اللبنانية، خصوصًا في الجنوب بعد انسحاب القوات الإسرائيلية. هذا الموقف يعكس تمسك بيروت بمبدأ السيادة ورفض ربط الانسحاب بشروط إسرائيلية مفتوحة زمنيًا.

ومن زاوية لبنانية داخلية، تبدو القضية أكبر من مجرد خلاف حدودي؛ إذ ترتبط بقدرة الدولة اللبنانية على إعادة الانتشار، وعودة السكان إلى قراهم، وإطلاق مسار تعافٍ اقتصادي وخدمي في الجنوب. لذلك فإن أي حديث إسرائيلي عن البقاء “من دون إذن” يُنظر إليه في بيروت باعتباره تحديًا مباشرًا لفكرة الدولة نفسها، وليس فقط لخطوط التماس على الحدود.

ما الخلفية القانونية والسياسية؟

المرجعية الأساسية في هذا الملف تبقى قرار مجلس الأمن 1701 الصادر عام 2006، والذي نص على وقف الأعمال القتالية، وعلى انتشار القوات اللبنانية وقوات اليونيفيل في الجنوب، وعلى انسحاب القوات الإسرائيلية بالتوازي مع هذا الانتشار. كما أن مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان تُجدَّد سنويًا بطلب من الحكومة اللبنانية وقرار من مجلس الأمن، في إطار مراقبة وقف إطلاق النار ودعم الاستقرار في الجنوب.

من هنا، فإن الإصرار الإسرائيلي على إبقاء قوات داخل الأراضي اللبنانية يضع المسار القائم في مواجهة مباشرة مع النصوص والمرجعيات الدولية. صحيح أن إسرائيل تطرح مبررات أمنية، لكن القراءة اللبنانية والأممية تركّز على أن أي ترتيبات مستدامة يجب أن تمر عبر المؤسسات الدولية والسلطات اللبنانية، لا عبر فرض وقائع أحادية الجانب.

الوضع الميداني في الجنوب لا يزال هشًّا

على الأرض، لا تشير المؤشرات إلى هدوء ثابت. الأمم المتحدة تحدثت في يونيو 2026 عن استمرار نشاط عسكري إسرائيلي واسع داخل منطقة عمليات اليونيفيل، رغم تراجع نسبي في حدة الاشتباكات مقارنة بمراحل سابقة. وفي إفادة أممية بتاريخ 17 يونيو 2026، جرى تسجيل 185 حادث إطلاق نار مصدرها مواقع إسرائيلية جنوب الخط الأزرق وفي منطقة العمليات خلال يوم واحد، بينما رُصدت أيضًا مقذوفات أُطلقت من الشمال إلى الجنوب ونُسبت إلى حزب الله.

كما حذرت الأمم المتحدة مطلع يونيو 2026 من أن القوات الإسرائيلية دفعت شمالًا داخل الأراضي اللبنانية، مع تصاعد الضربات الجوية والمدفعية، واتساع التحذيرات الموجهة للمدنيين في مناطق جنوبية واسعة. وتحدثت اليونيفيل كذلك عن أخطار متزايدة على عناصرها بسبب نشاط الطائرات المسيّرة والانفجارات بالقرب من مواقعها، ما يعكس هشاشة شديدة في ترتيبات التهدئة.

هذه الوقائع تجعل من تصريحات كاتس أكثر من مجرد رسالة سياسية؛ فهي تأتي فوق أرض مشتعلة جزئيًا، حيث لا يزال أي احتكاك ميداني قادرًا على نسف التفاهمات الهشة أو تعطيل أي انسحاب متدرج.

لماذا يهم هذا الملف القارئ المصري؟

بالنسبة للقارئ في مصر، فإن تطورات جنوب لبنان لا تُقرأ فقط من زاوية الصراع اللبناني الإسرائيلي، بل ضمن مشهد إقليمي أوسع يمس أمن شرق المتوسط، وحركة الملاحة والاستثمار، ومستقبل التوازنات في المشرق العربي. استمرار التوتر على الجبهة اللبنانية يعني بقاء احتمال الانفجار الإقليمي قائمًا، وهو أمر ينعكس سياسيًا واقتصاديًا على المنطقة كلها، بما في ذلك الدول العربية التي تتابع محاولات خفض التصعيد بحذر.

كما أن أي تعثر في تثبيت الاستقرار جنوب لبنان يفاقم أعباء الدولة اللبنانية، ويؤخر عودة السكان وإعادة الإعمار، وهو ما يمنح القضية بعدًا إنسانيًا وتنمويًا يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. ومن هذا المنظور، فإن الملف يظل جزءًا من تغطية “أفريقيا” ودوائر الجوار الإقليمي التي تهم المتابع المصري، خاصة حين يرتبط بتوازنات السيادة والحدود والدور الأممي.

إلى أين تتجه الأزمة؟

المشهد الحالي يوحي بأن الفجوة لا تزال واسعة بين الطرحين اللبناني والإسرائيلي. فبيروت تتحدث عن انسحاب وبسط سلطة الدولة، بينما تربط تل أبيب أي انسحاب بشروط أمنية مفتوحة. وفي الأثناء، تحاول الأمم المتحدة والقوى الدولية الإبقاء على الحد الأدنى من الاستقرار ومنع العودة إلى حرب شاملة.

لكن الثابت حتى الآن أن تصريح يسرائيل كاتس لم يكن عابرًا، بل يعكس توجها إسرائيليًا معلنًا برفض مغادرة الجنوب اللبناني سريعًا. وفي المقابل، يتمسك لبنان بأن بقاء القوات الإسرائيلية لا يمكن أن يتحول إلى أمر واقع دائم أو مقبول. وبين هذين الموقفين، يبقى الجنوب اللبناني ساحة اختبار صعبة لمدى قدرة الدبلوماسية الدولية على فرض الانسحاب وتثبيت التهدئة.

  • أبرز نقطة: إسرائيل تربط الانسحاب باعتبارات أمنية، بينما يرفض لبنان أي صيغة تمنح شرعية لاستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي.
  • المرجعية الدولية: قرار مجلس الأمن 1701 لا يزال الأساس القانوني لأي تسوية ميدانية.
  • العامل الحاسم: قدرة الجيش اللبناني واليونيفيل على دعم الاستقرار تبقى مرتبطة بوقف الخروقات والانسحاب الفعلي.