Akhbar Cairo

تصريحات محسن رضائي عن هرمز: تصعيد محسوب أم واقع جديد؟

تصريحات جديدة من طهران تعيد هرمز إلى صدارة المشهد

أعاد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي ملف مضيق هرمز إلى واجهة التطورات الإقليمية، بعدما قال يوم الأحد 6 سبتمبر 2026 إن المضيق “مغلق بالكامل”، وإن إيران ستعلن خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة منطقة بحرية محظورة خارج المضيق. أهمية هذا التصريح لا تتوقف عند لغته التصعيدية، بل تتصل بموقع هرمز نفسه باعتباره أحد أكثر الممرات حساسية في تجارة الطاقة العالمية.

وبحسب ما نقلته تقارير دولية ووسائل إعلام إيرانية في اليوم نفسه، فإن رضائي قدّم المنطقة المقترحة باعتبارها نطاقاً يبدأ من خط الحصار البحري الأمريكي ويمتد باتجاه مضيق هرمز ثم إلى داخل الخليج. كما لوّح بإمكانية إدراج أي سفينة تدخل هذه المنطقة، إذا اعتُبرت عابرة نحو المضيق، على قائمة العقوبات الإيرانية. في مناخ متوتر أصلاً، تبدو هذه الصياغة أقرب إلى إعلان ردع سياسي منها إلى مجرد تعليق إعلامي.

ما الذي يجعل تصريح رضائي مهماً؟

السبب الأول أن المتحدث ليس شخصية هامشية. فمحسن رضائي، وفق تقارير منشورة في أغسطس 2026، يبلغ 71 عاماً، وقاد الحرس الثوري الإيراني بين عامي 1981 و1997، قبل أن يتولى مناصب سياسية وأمنية واقتصادية بارزة. وفي أغسطس 2026 عُيّن أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وهو منصب يمنح كلماته وزناً يتجاوز التصريحات التقليدية.

السبب الثاني أن توقيت التصريح جاء بعد جولة جديدة من التصعيد. وكالة أسوشيتد برس نقلت في 6 سبتمبر 2026 أن رضائي تحدث بعد يوم من تقارير عن ضربات أمريكية استهدفت ثلاث ناقلات نفط إيرانية، وذلك رداً على إطلاق طهران صواريخ باليستية باتجاه سفن حربية أمريكية. هذا السياق يعني أن ما قيل عن هرمز لا يمكن فصله عن معادلة الاشتباك البحري المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة.

بين “الإغلاق الكامل” والواقع العملي

لغة “الإغلاق الكامل” تبدو حاسمة، لكن القراءة التحليلية تقتضي التمييز بين الخطاب السيادي والواقع الملاحي. ففي اليوم نفسه، نقلت أسوشيتد برس عن وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت قوله إن متوسط ما يمر عبر المضيق يبلغ نحو 9 ملايين برميل نفط يومياً، وإن التدفقات ما زالت مستمرة رغم أنها أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب. هذا التضارب بين الروايتين يكشف أن الصراع لا يدور فقط حول البحر، بل أيضاً حول من يملك حق تعريف ما يجري فيه.

بمعنى آخر، قد تكون إيران تقول إن المضيق “مغلق” بمعنى أنه لم يعد ممراً حراً وآمناً كما كان، وأن المرور بات مشروطاً بموازين القوة والردع. بينما ترى الأطراف الأخرى أن استمرار جزء من الحركة التجارية ينفي الإغلاق الكامل. وهنا تحديداً تظهر قيمة التصريح: هو محاولة لفرض واقع سياسي على ممر مائي دولي شديد الحساسية.

لماذا يبقى مضيق هرمز ورقة ضغط استثنائية؟

تاريخياً، يُعد مضيق هرمز من أهم نقاط اختناق النفط في العالم. وتوضح تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن تدفقات الخام والسوائل النفطية عبره هبطت في الربع الثاني من 2026 إلى متوسط 4.9 مليون برميل يومياً، مقارنة مع 21.6 مليون برميل يومياً في الربع الرابع من 2025 قبل اتساع الصراع. هذا الفارق الكبير يفسر لماذا تثير أي إشارة إلى هرمز قلق الأسواق على الفور.

كما أظهرت بيانات الإدارة نفسها أن خام برنت شهد خلال الربع الثاني من 2026 تقلبات حادة، إذ بلغ 118 دولاراً للبرميل في 29 أبريل 2026 قبل أن يتراجع لاحقاً. الرسالة الاقتصادية واضحة: اضطراب هرمز لا يبقى ملفاً أمنياً محلياً، بل ينتقل سريعاً إلى أسعار الطاقة العالمية وتكاليف الشحن والتأمين.

كيف يمكن فهم الرسالة الإيرانية؟

من منظور “تحليلات ورأي”، تبدو طهران وكأنها تسعى إلى تثبيت ثلاث رسائل متزامنة. أولاً، أنها ما زالت قادرة على التأثير في شريان الطاقة العالمي رغم العقوبات والضغوط العسكرية. ثانياً، أنها تريد رفع كلفة الحصار الأمريكي عبر توسيع دائرة المخاطر في البحر نفسه. ثالثاً، أنها تستخدم هرمز كورقة تفاوض مسبقة: أي أن أي عودة إلى ترتيبات أقل توتراً يجب أن تمر عبر اعتراف ضمني بأن لإيران كلمة حاسمة في أمن الممر.

اختيار رضائي تحديداً للإعلان عن هذه الرسالة يعزز هذا التفسير. فالرجل يُنظر إليه داخل البنية الإيرانية بوصفه من الوجوه الأكثر صلابة في الملفات الأمنية. لذلك، فإن تصريحاته لا تبدو منفصلة عن مزاج مؤسساتي أشد تشدداً، خصوصاً بعد تعثر التفاهمات السابقة وعودة الاشتباك في البحر.

ماذا يعني ذلك لمصر؟

بالنسبة لمصر، فإن متابعة هرمز ليست ترفاً جيوسياسياً. أي اضطراب واسع في هذا الممر ينعكس على أسعار النفط، وكلفة النقل، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة الدولية. كما أن أهمية مصر تتضاعف في لحظات كهذه بسبب موقع قناة السويس وخط سوميد ضمن شبكة الممرات البديلة أو المكملة لنقل الطاقة.

وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن السعودية تحتفظ بإمكانية تحويل جزء من الإمدادات بعيداً عن هرمز عبر البحر الأحمر، مع بقاء قناة السويس وخط سوميد في مصر ضمن الممرات ذات الصلة بإعادة توجيه بعض التدفقات. هذا لا يعني أن مصر ستكون بمنأى عن الأثر السلبي؛ على العكس، فارتفاع أسعار الخام عالمياً يضغط على الاقتصادات المستوردة للطاقة ويزيد حساسية الأسواق المحلية تجاه أي موجة صعود جديدة.

من هنا، فإن القارئ المصري معني بمتابعة تطورات هرمز من زاويتين معاً: زاوية الفرص الجيو-اقتصادية المرتبطة بوزن الممرات المصرية، وزاوية المخاطر المرتبطة بارتفاع كلفة الطاقة عالمياً.

هل نحن أمام تحول دائم أم تصعيد قابل للاحتواء؟

الإجابة حتى الآن غير محسومة. فإذا تحولت تصريحات رضائي إلى إجراءات تنفيذية واضحة، مثل نشر خرائط رسمية أو إخطارات ملاحة أو اعتراضات موثقة للسفن، فقد نكون أمام مرحلة جديدة من إدارة العبور بالقوة. أما إذا بقي الأمر في حدود الإعلان السياسي والتهديد بالعقوبات، فقد يكون الهدف الأساسي هو توسيع هامش الردع والتفاوض من دون الذهاب إلى قطيعة بحرية شاملة.

اللافت أن أسوشيتد برس أشارت أيضاً إلى أن الولايات المتحدة تقول إن أكثر من 20 سفينة حربية تدعم الحصار البحري، وإن عشرات السفن التجارية أُعيد توجيهها بالفعل. هذا يعني أن البيئة الملاحية حول هرمز باتت تعيش حالة لا يقين مزمن، حتى لو لم يحدث إغلاق تام بالمعنى التقليدي.

خلاصة التحليل

تصريح محسن رضائي لا يمكن قراءته بوصفه خبراً منفصلاً عن السياق، بل كجزء من معركة أوسع على النفوذ والشرعية والسيطرة في الخليج. حين تقول طهران إن مضيق هرمز مغلق بالكامل، فهي لا تخاطب الداخل الإيراني فقط، بل تخاطب أيضاً الأسواق العالمية، وشركات الملاحة، والعواصم التي تراهن على بقاء خطوط الطاقة خارج لعبة التصعيد.

وبالنسبة لمصر، فإن مغزى هذه الرسالة يتجاوز العنوان المباشر. فكل هزة في هرمز تعني احتمال تغيرات في أسعار النفط العالمية، وحسابات النقل، وأهمية المسارات البديلة، وفي مقدمتها الممرات المصرية. لذلك، فإن متابعة هذا الملف ليست مجرد اهتمام بأزمة بعيدة، بل قراءة ضرورية في مستقبل توازنات الطاقة والتجارة في المنطقة بأسرها.