تصعيد الحوثيين ضد السعودية: رسائل ردع وضغط إقليمي
تصعيد الحوثيين ضد العمق السعودي: ما الذي تغيّر؟
يعكس اتساع الهجمات الحوثية على أهداف داخل المملكة العربية السعودية مرحلة أكثر حساسية في مسار الصراع اليمني، بعدما تجاوزت التداعيات حدود الجبهات التقليدية إلى المطارات والمنشآت الحيوية وممرات التجارة والطاقة. وفي هذا السياق، قال خبير العلاقات الدولية مهند رضوان إن توسيع بنك الأهداف لا يمكن قراءته باعتباره عملاً عسكرياً معزولاً، بل كجزء من محاولة لفرض معادلة ردع وضغط استراتيجي تستهدف التأثير في الحسابات الأمنية والاقتصادية للرياض.
المقاربة التي طرحها رضوان تستند إلى أن استهداف العمق السعودي يحمل أكثر من رسالة في توقيت واحد: إظهار القدرة على الوصول، ورفع كلفة المواجهة، والسعي إلى تحسين الشروط التفاوضية للحوثيين في أي مسار سياسي مقبل. وبحسب قراءته، فإن الجماعة تسعى أيضاً إلى تثبيت نفسها طرفاً رئيسياً في ملفات الأمن الإقليمي، خصوصاً ما يتصل بالبحر الأحمر وباب المندب.
لماذا المطارات والمنشآت الحيوية؟
التركيز على المطارات والبنية التحتية الحساسة ليس جديداً في نمط الهجمات المرتبطة بالحوثيين، لكنه يكتسب ثقلاً أكبر عندما يرتبط بمحاولة التأثير على الثقة الاستثمارية وحركة السفر والفعاليات الاقتصادية الكبرى. رضوان أشار صراحة إلى أن هذا النوع من الاستهداف يوجَّه أيضاً إلى الضغط الاقتصادي وتعطيل مسارات الاستقرار، وليس فقط إلى تحقيق أثر عسكري مباشر.
وتعزز هذه القراءة تقارير دولية سابقة أشارت إلى أن مطارات مدنية في جنوب السعودية، وبينها مطار أبها الدولي، كانت ضمن الأهداف التي تعرضت لهجمات جوية في سنوات سابقة من النزاع اليمني، بما يؤكد أن المنشآت المدنية والحيوية ظلت في قلب معادلة التصعيد والردع. كما يوثق تقرير أممي عن الاتجاهات العالمية لاستخدام الطائرات المسيّرة والذخائر الموجهة أن مطار أبها تعرض لسلسلة هجمات ناجحة بين عامي 2018 و2021.
البحر الأحمر وباب المندب: البعد الذي يهم مصر والمنطقة
بالنسبة للقارئ المصري، لا تقف أهمية هذا التصعيد عند حدود العلاقة بين الحوثيين والسعودية. فالمسألة تمس بصورة مباشرة أمن البحر الأحمر، وهو شريان حيوي للتجارة العالمية وحركة الملاحة العابرة نحو قناة السويس. والأمم المتحدة دانت في يوليو 2025 استئناف الهجمات الحوثية على السفن المدنية العابرة للبحر الأحمر، محذرة من تداعياتها على حرية الملاحة وعلى البيئة والاقتصاد والعمل الإنساني في منطقة شديدة الهشاشة.
هذا الربط بين البر السعودي والممرات البحرية ليس تفصيلاً ثانوياً. فبحسب طرح رضوان، تحاول الجماعة استخدام أوراقها في اليمن والبحر الأحمر وباب المندب لفرض نفسها في أي ترتيبات أمنية إقليمية، بما يرفع وزنها التفاوضي أمام القوى الإقليمية والدولية. ومن منظور عربي أوسع، فإن أي اضطراب مستمر في هذا المثلث ينعكس على التجارة والطاقة والتأمين البحري وكلفة الشحن، وهي ملفات تهم مصر ودول الخليج والقرن الأفريقي على حد سواء.
هل يرتبط التصعيد بالمفاوضات؟
إحدى النقاط الأساسية في تفسير هذا المشهد أن التصعيد قد يكون وسيلة لانتزاع مكاسب على طاولة التفاوض، لا بديلاً عنها. رضوان يرى أن الحوثيين يسعون إلى تحسين شروطهم السياسية وتقديم أنفسهم للمجتمع الدولي بوصفهم قوة يجب التفاوض معها، لا مجرد جماعة مسلحة محصورة في الداخل اليمني. كما ربط بين التصعيد وبين محاولة ممارسة ضغط غير مباشر على الولايات المتحدة ودول الخليج في سياق التوترات الأوسع في المنطقة.
هذا التقدير يلتقي مع مؤشرات أممية أوسع. فالمبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ شدد في إحاطات وتصريحات منشورة عبر مكتب المبعوث على أن السلام في اليمن يتطلب أكثر من مجرد احتواء التهديدات، وأن اتساع دوائر المواجهة يهدد أي فرصة لتسوية مستدامة. كما ناقش مجلس الأمن في 2025 استمرار المتابعة الشهرية لهجمات الحوثيين في البحر الأحمر بموجب القرار 2768.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
المشهد الحالي يفتح الباب أمام أكثر من احتمال، أبرزها:
- احتواء محدود للتصعيد عبر ضربات متبادلة وضغوط دبلوماسية تمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
- تشديد أمني إقليمي حول الموانئ والمطارات ومسارات الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
- عودة مشروطة إلى التفاوض إذا اقتنعت الأطراف بأن الكلفة الاقتصادية والأمنية للتصعيد أصبحت أعلى من مكاسبه.
- اتساع دائرة التدخلات الخارجية إذا اعتُبرت الهجمات تهديداً مباشراً للتجارة الدولية وسلاسل الإمداد.
في هذا الإطار، كانت الأمم المتحدة قد حذرت من أن الهجمات على السفن المدنية تشكل خطراً كبيراً على الاستقرار الاقتصادي والإنساني. كما أشارت بيانات دولية للملاحة إلى ضرورة رفع مستوى الحذر في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن قرب المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
السعودية بين الرد العسكري والحسابات الاقتصادية
من الجانب السعودي، لا تبدو المسألة متعلقة فقط بأمن الحدود أو سلامة المطارات، بل أيضاً بحماية بيئة الأعمال وصورة المملكة كمركز إقليمي للاستثمار والسفر والفعاليات الدولية. ولهذا فإن استهداف المطارات أو البنية التحتية الحيوية يحمل بعداً نفسياً واقتصادياً واضحاً، حتى عندما يكون الأثر المادي محدوداً مقارنة بحجم الضجيج السياسي والإعلامي الذي يخلقه. وهذه هي النقطة التي ركّز عليها رضوان في حديثه عن محاولة تعطيل الاستقرار الاقتصادي وفرض معادلة ردع عبر الاستنزاف والضغط.
وفي يوليو 2026، أعلنت قيادة القوات المشتركة التابعة للتحالف تنفيذ رد عسكري وصفته بأنه متناسب ضد أهداف حوثية في الحديدة، بعد اتهام الجماعة باستهداف سفن تجارية في البحر الأحمر. هذا التطور يعكس أن المواجهة لم تعد منفصلة بين البر والبحر، بل باتت ساحة واحدة تتشابك فيها المصالح العسكرية والاقتصادية.
ماذا يعني ذلك عربياً؟
بالنسبة إلى المنطقة العربية، فإن أي تصعيد طويل الأمد بين الحوثيين والسعودية يهدد بإعادة خلط أولويات الأمن الإقليمي، من الخليج إلى البحر الأحمر. كما أن استمرار استهداف المطارات والمنشآت الحيوية يرسل إشارة مقلقة إلى الأسواق وشركات التأمين والنقل وسلاسل التوريد. ومن هنا، فإن قراءة التصعيد باعتباره مجرد تبادل نيران ستكون قاصرة؛ لأنه يرتبط أيضاً بإعادة رسم موازين الردع والنفوذ حول واحد من أكثر الممرات المائية حساسية في العالم العربي.
خلاصة المشهد أن توسيع الحوثيين لبنك الأهداف داخل السعودية يبدو أقرب إلى استراتيجية ضغط مركبة تجمع بين الرسائل العسكرية والابتزاز السياسي ومحاولة فرض حضور تفاوضي أكبر. لكن بقدر ما يمنح هذا التصعيد زخماً إعلامياً آنياً، فإنه يضاعف أيضاً مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع ستكون كلفتها على اليمن وجواره العربي، بما في ذلك أمن البحر الأحمر، أعلى بكثير من أي مكسب تكتيكي قصير المدى.