Akhbar Cairo

تصعيد أمريكي على كوبا يربط رفع الضغط بمرحلة انتقالية

واشنطن تعيد صياغة الضغط على هافانا

تتحرك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) في اتجاه أكثر تشدداً تجاه كوبا، عبر سياسة تربط بين استمرار الضغط الاقتصادي والسياسي على هافانا وبين أي حديث مستقبلي عن تغيير في شكل الحكم أو تخفيف القيود الأمريكية. وفي جوهر هذه المقاربة، لا يبدو أن البيت الأبيض يتعامل مع الملف الكوبي باعتباره مجرد نزاع ثنائي تقليدي، بل باعتباره مساراً مرتبطاً بما تسميه واشنطن الانتقال السياسي داخل الجزيرة.

المعطيات الرسمية الأمريكية الصادرة خلال العامين 2025 و2026 تُظهر أن الإدارة الحالية لا تكتفي بإعادة إحياء سياسة ترامب المتشددة من ولايته الأولى، بل توسّعها قانونياً وإجرائياً، مع التركيز على تقليص أي تدفقات مالية يمكن أن تصل إلى مؤسسات الدولة الكوبية أو الأجهزة العسكرية والأمنية التابعة لها. وتؤكد وثائق البيت الأبيض أن السياسة الجديدة تهدف إلى دعم ما تصفه الولايات المتحدة بـ"كوبا مستقرة وحرة ومزدهرة"، لكنها تشترط في المقابل وجود حكومة انتقالية بالمفهوم المحدد في قانون "ليبرتاد" الأمريكي قبل أن تدعم واشنطن إنهاء الحصار أو تخفيفه.

ما الذي تغيّر عملياً في سياسة ترامب؟

في 30 يونيو 2025، وقّع ترامب مذكرة رئاسية للأمن القومي أعادت إصدار وتعديل التوجيه الأمريكي الخاص بكوبا. الوثيقة شددت على حظر المعاملات المالية المباشرة وغير المباشرة مع الكيانات التي تسيطر عليها المؤسسة العسكرية الكوبية، وعلى رأسها مجموعة GAESA، كما أعادت التشديد على المنع القانوني للسياحة الأمريكية إلى كوبا، وفرضت متطلبات رقابية وتدقيقية على السفر والإنفاق المرتبط به. كما نصت على معارضة أي جهود في الأمم المتحدة أو المحافل الدولية لرفع الحصار، إلى أن توجد في كوبا حكومة انتقالية وفق الشروط الواردة في التشريع الأمريكي.

هذا يعني أن الحديث عن "البحث عن شخصية لخلافة القيادة الحالية" لا يظهر في الوثائق الرسمية الأمريكية بصيغة تسمية شخص بعينه، لكنه ينسجم سياسياً مع تصور أوسع داخل واشنطن يقوم على الاستعداد لمرحلة ما بعد القيادة القائمة في هافانا، وربط الاعتراف أو الانفتاح بوجود ترتيب انتقالي يطابق الرؤية الأمريكية. وبعبارة أدق، ما يمكن التحقق منه رسمياً هو أن الإدارة الأمريكية وضعت معيار الحكومة الانتقالية في صلب سياستها، لا أنها أعلنت اسماً محدداً لقيادة كوبا المقبلة.

ماركو روبيو في قلب الملف

يتصدر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو (@marcorubio على إنستغرام) واجهة هذا التشدد، خصوصاً أن ملف كوبا يحظى بحساسية خاصة داخل السياسة الأمريكية، لا سيما في فلوريدا. تصريحات وتصريحات مضادة خلال 2026 عكست رغبة أمريكية في مراكمة الضغوط على هافانا، سواء عبر العقوبات أو عبر خطاب سياسي يربط النظام الكوبي بتهديدات أمنية واستخباراتية أوسع. كما أن تقارير صحفية ومتابعات إقليمية تحدثت عن دور بارز لروبيو في صياغة نهج أكثر صدامية مع السلطات الكوبية.

ومن الناحية العملية، لم يعد الضغط مقتصراً على ملف الحريات السياسية أو المعتقلين، بل امتد إلى الاقتصاد والطاقة وحركة الشركات. وفي مايو 2026، فرضت واشنطن موجة إضافية من العقوبات على مسؤولين وكيانات كوبية، في خطوة قالت الإدارة الأمريكية إنها تستهدف المسؤولين عن القمع وتهديد الأمن القومي الأمريكي. كما أظهرت بيانات وزارة الخزانة الأمريكية أن التعامل مع مجموعة GAESA يظل نقطة مركزية في نظام العقوبات، نظراً لكونها إحدى أهم الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية في كوبا.

من يقود كوبا الآن؟

على الجانب الكوبي، لا يزال ميغيل دياز-كانيل رئيساً للبلاد، بينما يتولى مانويل ماريرو كروز رئاسة الحكومة. وتُظهر قواعد البيانات الرسمية الأمريكية الخاصة بقيادات العالم أن دياز-كانيل ظل الشخصية الرسمية الأولى في الدولة خلال 2026، ما يعني أن أي حديث عن ترتيبات خلافة أو مرحلة بديلة يبقى حتى الآن في إطار الضغوط السياسية والاستعدادات الاستراتيجية، لا في إطار تغيير معلن على رأس السلطة في هافانا.

بالنسبة للقارئ المصري، تبدو أهمية هذا التطور أبعد من مجرد خلاف أمريكي-كوبي. فملفات الانتقال السياسي، العقوبات، واستخدام الضغط الاقتصادي لإعادة هندسة التوازنات الداخلية، كلها قضايا مألوفة في الإقليم والعالم العربي، وتؤثر في أسواق الطاقة، وحركة الملاحة، ومواقف القوى الدولية في المحافل متعددة الأطراف. كما أن استمرار التصعيد في البحر الكاريبي يضيف ساحة توتر جديدة إلى خريطة عالم يشهد أصلاً استقطاباً حاداً.

هافانا بين الأزمة الاقتصادية والمواجهة السياسية

التصعيد الأمريكي يأتي في وقت تواجه فيه كوبا أوضاعاً اقتصادية صعبة، مع أزمات في الوقود والكهرباء ونقص في العملة الصعبة. وتناولت تغطيات دولية، بينها تقارير منشورة في "الأهرام أونلاين" الناطقة بالإنجليزية، أن واشنطن صعّدت خلال 2026 عبر عقوبات جديدة وضغوط على إمدادات الطاقة، في حين اتهمت هافانا الإدارة الأمريكية بالسعي إلى خنق الاقتصاد الكوبي.

وفي واشنطن، يُقدَّم هذا المسار على أنه دعم للشعب الكوبي وليس للنظام، وهو ما يفسر الإصرار الأمريكي على توجيه الأموال والمعاملات - بحسب النصوص الرسمية - بعيداً عن مؤسسات الدولة والجيش، مع الإبقاء على استثناءات تتعلق بالأدوية والسلع الزراعية والأجهزة الطبية والتحويلات المسموح بها. لكن منتقدي هذه المقاربة يرون أن العقوبات الواسعة لا تنفصل في نتائجها عن معيشة المواطن العادي، حتى لو صيغت سياسياً بلغة الضغط على النخبة الحاكمة.

هل تمهد واشنطن لمرحلة ما بعد القيادة الحالية؟

المؤكد من النصوص الرسمية أن الإدارة الأمريكية طلبت تقييماً دورياً عمّا إذا كانت شروط "الحكومة الانتقالية" متحققة في كوبا، مع تقارير تشمل أوضاع حقوق الإنسان والاعتقالات وملف المطلوبين للعدالة الأمريكية. وهذا بند بالغ الدلالة، لأنه يكشف أن واشنطن لا تنظر إلى الأزمة بوصفها مؤقتة، بل تبني آلية مؤسسية لمراقبة احتمالات التغيير السياسي داخل الجزيرة.

لكن حتى الآن، لا توجد أدلة منشورة من مصادر رسمية أمريكية موثوقة على أن البيت الأبيض حسم اسم شخصية كوبية بعينها لتقود البلاد إذا تغير النظام. لذلك، فإن الصياغة الأدق صحفياً هي أن إدارة ترامب تهيئ سياساتها لسيناريو انتقال سياسي محتمل، وتربط أي تحول في العلاقات الأمريكية-الكوبية بوجود قيادة انتقالية تستوفي المعايير التي يحددها القانون الأمريكي، وليس بمجرد تغيير رمزي في القمة.

لماذا يهم هذا التطور المنطقة العربية؟

رغم البعد الجغرافي، فإن الملف الكوبي يكتسب أهمية في تغطية "العالم العربي" لأن أدوات الضغط المستخدمة فيه - من العقوبات الثانوية إلى عزل الكيانات الاقتصادية الكبرى وربط الانفتاح بشروط انتقال سياسي - تشبه في جوانب منها سياسات تُستخدم في أزمات دولية أخرى تمس المنطقة مباشرة. كما أن أي تصعيد إضافي بين واشنطن وهافانا قد ينعكس على النقاشات الدولية داخل الأمم المتحدة بشأن العقوبات والسيادة والتدخل، وهي ملفات تتابعها العواصم العربية عن قرب.

الخلاصة أن إدارة ترامب انتقلت من مجرد تشديد اللهجة إلى بناء إطار سياسي وقانوني كامل للتعامل مع كوبا على أساس أن مستقبل العلاقة مرهون بمرحلة انتقالية حقيقية كما تراها واشنطن. وحتى إذا لم يظهر اسم "البديل" بعد، فإن السياسة الأمريكية الحالية تكشف بوضوح أن السؤال لم يعد فقط كيف تضغط الولايات المتحدة على هافانا، بل كيف تستعد أيضاً لليوم التالي إذا دخلت كوبا مسار تغيير داخلي واسع.