تصعيد أوكراني يضرب موسكو ويكشف تحولا في مسار الحرب
هجوم على موسكو في توقيت سياسي حساس
دخلت الحرب بين روسيا وأوكرانيا مرحلة أكثر تعقيدا مع تعرض موسكو ومناطق روسية أخرى لهجمات أوكرانية بالطائرات المسيّرة تزامنت مع اليوم الأخير من الانتخابات الرئاسية الروسية في 17 مارس/آذار 2024. ووفق ما أعلنته وزارة الدفاع الروسية حينها، جرى إسقاط 35 طائرة مسيّرة خلال الليل فوق عدة أقاليم، بينها أربع مسيّرات في محيط موسكو، بينما قال رئيس بلدية العاصمة سيرغي سوبيانين إن الدفاعات الجوية تعاملت مع طائرات كانت تتجه نحو المدينة.
اللافت في هذا التطور أن الهجمات لم تقتصر على البعد الرمزي المتعلق باستهداف المجال المحيط بالعاصمة الروسية، بل امتدت أيضا إلى منشآت طاقة وبنية تحتية في مناطق أخرى. وبالنسبة للمتابع المصري، فإن هذه الضربات تحمل دلالة مهمة: الحرب لم تعد محصورة في خطوط الجبهة داخل شرق أو جنوب أوكرانيا، بل باتت تضغط بصورة متزايدة على العمق الروسي نفسه، بما في ذلك منشآت لها صلة مباشرة بإمدادات الوقود وسلاسل النقل.
ماذا حدث في يوم الانتخابات الروسية؟
خلال الساعات الأخيرة من التصويت في الانتخابات التي انتهت بفوز فلاديمير بوتين بولاية جديدة، تحدثت السلطات الروسية عن سلسلة هجمات متفرقة عبر الحدود وفي العمق الروسي. وأسفرت إحدى الضربات عن حريق في مصفاة بمدينة سيزران التابعة لمنطقة سامارا، وهي منشأة مرتبطة بشركة روسنفت الروسية، بينما تحدثت تقارير رسمية روسية أيضا عن اضطرابات في إمدادات الكهرباء ببعض المناطق الحدودية.
وكالة أسوشيتد برس نقلت في تغطيتها آنذاك أن الهجوم الواسع جاء ضمن موجة تصعيد أوكرانية استهدفت مصافي النفط ومحطات الطاقة داخل روسيا، كما أشارت إلى وفاة عامل في المصفاة إثر أزمة قلبية خلال الهجوم، في وقت قالت فيه موسكو إن الدفاعات الجوية أسقطت معظم المسيّرات المهاجمة. وفي الوقت نفسه، رأت كييف أن استهداف منشآت الطاقة الروسية يدخل ضمن محاولاتها تقليص قدرة موسكو على تمويل الحرب وإمداد قواتها بالوقود.
استراتيجية الضغط على قطاع الطاقة الروسي
الضربات على المصافي لم تكن حدثا معزولا. فخلال الربع الأول من عام 2024، تصاعدت الهجمات الأوكرانية على منشآت النفط الروسية بشكل لافت. وتشير تقديرات بحثية صادرة عن معهد أكسفورد لدراسات الطاقة إلى أن أوكرانيا كثفت في تلك الفترة استهداف البنية التحتية النفطية الروسية، مع أكثر من 20 هجوما على منشآت نفط بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2024، بينها 14 هجوما في مارس وحده.
هذا التحول يعكس تغيرا في فلسفة الاستهداف الأوكرانية: بدلا من التركيز الحصري على المواقع العسكرية التقليدية، توسعت الهجمات لتشمل الاقتصاد الحربي الروسي، وخاصة المصافي ومخازن الوقود. ومن زاوية السوق العالمية، تظل أي اضطرابات في طاقة التكرير الروسية محل متابعة دولية، لأن روسيا من كبار منتجي ومصدري النفط والمنتجات البترولية، وأي تعطّل في هذا القطاع قد ينعكس على الأسعار وحركة الإمداد في الأسواق.
زيلينسكي يربط الهجمات بتطوير السلاح المحلي
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (@zelenskyy.official على إنستغرام) لم يقدّم في مارس/آذار 2024 تفاصيل ميدانية مباشرة عن كل هجوم داخل روسيا، لكنه تحدث في تلك الفترة عن تطوير قدرات أوكرانيا بعيدة المدى. وبعد أشهر، وتحديدا في 27 أغسطس/آب 2024، أعلن زيلينسكي أن بلاده أجرت بنجاح أول اختبار لصاروخ باليستي محلي الصنع، في خطوة اعتبرها كثيرون مؤشرا على سعي كييف لتقليل اعتمادها على السلاح الأجنبي وتعزيز قدرتها على ضرب أهداف بعيدة.
هذا الإعلان جاء متسقا مع مسار أوكراني أوسع لتوسيع الإنتاج الدفاعي المحلي، سواء في المسيّرات بعيدة المدى أو الذخائر أو الأنظمة الصاروخية. كما أن تقارير لاحقة أشارت إلى استخدام أوكرانيا أسلحة مطورة محليا في هجمات بعيدة المدى، وهو ما يمنح كييف هامشا أكبر في إدارة المعركة، خصوصا في ظل القيود السياسية التي فرضها بعض الحلفاء الغربيين على استخدام الأسلحة المقدمة منهم ضد أهداف داخل روسيا.
هل تغيّر ميزان الردع؟
القول إن هذه الضربات قلبت موازين الحرب سيكون مبالغة، لكنها بالتأكيد وسعت مساحة الردع المتبادل. روسيا ما زالت تحتفظ بتفوق ناري كبير، وتواصل شن ضربات صاروخية وجوية على مدن أوكرانية وبنيتها التحتية. لكن قدرة أوكرانيا على الوصول إلى موسكو أو إلى منشآت نفطية تبعد مئات الكيلومترات عن الحدود تعني أن العمق الروسي لم يعد بعيدا تماما عن تأثيرات الحرب.
وفي هذا السياق، فإن استهداف العاصمة الروسية أو محيطها يحمل أبعادا سياسية ونفسية لا تقل عن الأبعاد العسكرية. فموسكو تمثل مركز القرار والرمزية في الدولة الروسية، وأي اختراق لمجالها الجوي، حتى لو جرى اعتراض المسيّرات، يبعث برسالة عن اتساع نطاق التهديدات التي تواجهها روسيا بعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب الشاملة في فبراير/شباط 2022.
ما الذي يعنيه ذلك للمتابع في مصر؟
رغم أن الحدث يقع خارج المنطقة العربية، فإن تداعياته تمس ملفات تهم القارئ المصري بشكل مباشر، من بينها أسعار الطاقة، وحركة التجارة العالمية، وبيئة الأمن الدولي. فكلما تصاعد الاستهداف المتبادل للبنية التحتية النفطية والطاقة، زادت احتمالات التقلب في أسواق الخام والمنتجات البترولية. كما أن استمرار الحرب يضغط على سلاسل الإمداد الدولية، وهي قضية عايشتها مصر ودول المنطقة بوضوح منذ اندلاع النزاع.
ومن منظور سياسي، تكشف هذه التطورات أن الحرب تتجه إلى مزيد من الاستنزاف المتبادل، لا إلى تسوية قريبة. موسكو تواصل الحديث عن احتواء الهجمات وصدها، بينما تراهن كييف على رفع كلفة الحرب على الداخل الروسي. وبين هذا وذاك، تبقى الجبهة مفتوحة على مزيد من التصعيد، خاصة مع استمرار تطوير أوكرانيا لقدراتها المحلية في مجال المسيّرات والصواريخ.
خلاصة المشهد
- التوقيت: الهجمات تزامنت مع اليوم الأخير من الانتخابات الرئاسية الروسية في 17 مارس 2024.
- الوسيلة: روسيا قالت إن أوكرانيا أطلقت عشرات المسيّرات على عدة أقاليم، بينها محيط موسكو.
- الهدف الأبرز: منشآت الطاقة، خاصة مصافي النفط، كانت ضمن الأهداف الرئيسية.
- التطور الأهم: أوكرانيا أعلنت لاحقا نجاح اختبار أول صاروخ باليستي محلي الصنع في 27 أغسطس 2024.
- الدلالة: الحرب تتوسع من خطوط الجبهة إلى العمق الروسي، مع تصاعد التركيز على الاقتصاد الحربي والطاقة.
في المحصلة، لم يعد خبر الهجمات على موسكو مجرد عنوان عابر في سياق الحرب الروسية الأوكرانية، بل بات مؤشرا واضحا على أن الصراع دخل مرحلة تتسع فيها أدوات الضرب والردع، وتتعاظم فيها أهمية التكنولوجيا العسكرية المحلية، خصوصا لدى أوكرانيا التي تسعى إلى تعويض فجوة القوة النارية عبر المسيّرات والأسلحة بعيدة المدى.