Akhbar Cairo

تصعيد إيراني حول الدقم يهدد الملاحة قرب مضيق هرمز

توتر جديد عند بوابة بحر العرب

دخل ميناء الدقم في سلطنة عُمان مجددًا دائرة الاهتمام الإقليمي بعد إعلان منسوب إلى الحرس الثوري الإيراني عن تنفيذ هجوم وصفه بـ"العنيف والمفاجئ" استهدف ما قال إنها مراكز دعم لوجستي أمريكية في الميناء. ويأتي هذا التطور في لحظة شديدة الحساسية تتقاطع فيها أزمة مضيق هرمز مع أمن الملاحة في بحر العرب، وهو ما يمنح الخبر أهمية خاصة للقارئ المصري بحكم ارتباط المنطقة المباشر بخطوط الطاقة والتجارة التي تنعكس في النهاية على قناة السويس وأسواق الشحن الإقليمية.

ووفق ما أمكن التحقق منه من تغطيات دولية متقاطعة، فإن الرواية الإيرانية تحدثت عن ضرب منشآت لوجستية مرتبطة بدعم السفن الأمريكية ومرافق تزويد لحاملات الطائرات في ميناء الدقم. لكن حتى الآن لا تظهر، في المواد الرسمية العُمانية المتاحة علنًا، تفاصيل تؤكد وقوع دمار بالحجم الذي تحدثت عنه الرواية الإيرانية، ما يجعل التعامل المهني مع الخبر قائمًا على عرض الادعاءات المؤكدة المصدر مع الإشارة بوضوح إلى غياب تأكيد مستقل شامل لحجم الخسائر أو طبيعة الأهداف التي أُصيبت فعلًا.

ما الذي قالته إيران؟

التصعيد الإعلامي الإيراني جاء متزامنًا مع موقف أكثر تشددًا من حركة السفن جنوب مضيق هرمز. تقارير منشورة في 12 يوليو 2026 أشارت إلى أن طهران اعتبرت بعض مسارات العبور البحرية التي جرى تحريك السفن عبرها جنوب المضيق غير مقبولة، وتحدثت عن وقف سفينة قالت إنها عرضت الأمن البحري للخطر بعد تعطيل أنظمتها. كما ربطت تلك التصريحات بين إدارة المرور في المضيق وبين استمرار ما تصفه إيران بالتدخل الأمريكي في المنطقة.

هذه اللغة التصعيدية ليست منفصلة عن تطورات الأسابيع الأخيرة؛ إذ سبق للحرس الثوري أن اعترض على ممرات عبور قريبة من السواحل العُمانية، بينما شددت مسقط في المقابل على أن أي ترتيبات خاصة بالملاحة يجب أن تنسجم مع القانون الدولي ومع ضمان حرية وأمن العبور للجميع.

الموقف العُماني: أولوية للتهدئة وحماية السيادة

في المقابل، تميل سلطنة عُمان إلى خطاب مختلف تمامًا، يرتكز على التهدئة والسيادة وتأمين التجارة الدولية. وزارة الخارجية العُمانية والجهات الرسمية المرتبطة بالملاحة في هرمز نشرت خلال يونيو ويوليو 2026 مواد تؤكد استمرار الجهود العُمانية، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية والشركاء الإقليميين، لتوفير عبور آمن عبر المضيق دون فرض رسوم مرور وبما يتفق مع أحكام القانون الدولي.

كما أفادت وكالة الأنباء العُمانية، في 11 يوليو 2026، بأن وزير الخارجية بدر بن حمد البوسعيدي عقد في مسقط مباحثات مع نظيره الإيراني سيد عباس عراقجي ركزت على ضمان سلامة وحرية الملاحة في مضيق هرمز. وأكد الجانبان استمرار المشاورات الفنية والسياسية للوصول إلى تفاهمات لازمة وفق قواعد القانون الدولي، وهي إشارة مهمة إلى أن مسقط تحاول احتواء الانفجار قبل اتساعه إلى مواجهة بحرية مفتوحة.

لماذا يمثل ميناء الدقم نقطة حساسة؟

الدقم ليس مجرد ميناء عُماني عادي، بل أحد أكبر المشاريع اللوجستية والصناعية في المنطقة على ساحل مفتوح على المحيط الهندي بعيدًا عن عنق الزجاجة في الخليج. وتؤكد الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة في عُمان أن المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم تمتد على نحو 2000 كيلومتر مربع، فيما يتمتع الميناء ببنية كبيرة تشمل كاسر أمواج بطول يقارب 8.7 كيلومتر، وعمقًا لحوض الميناء يصل إلى 18 مترًا، وقناة اقتراب بعمق 19 مترًا. كما يضم ثلاثة أرصفة رئيسية: التجاري، والحكومي، ورصيف المواد السائلة والسائبة.

الأهمية الاستراتيجية للميناء تنبع من موقعه القريب من خطوط التجارة بين آسيا وأفريقيا، وهو ما يفسر حساسية أي حديث عن استهدافه أو تعطيل نشاطه. بالنسبة لمصر، فإن أي اهتزاز أمني في هذا الممر البحري الأوسع ينعكس على سلاسل الإمداد، وأسعار التأمين على السفن، وحركة التجارة التي تتصل في النهاية بمسارات البحر الأحمر ثم قناة السويس.

سجل سابق من الهجمات على الدقم

اللافت أن اسم ميناء الدقم لم يظهر للمرة الأولى هذا العام في سياق الاستهداف. ففي 1 مارس 2026، نقلت وسائل إعلام عُمانية عن وكالة الأنباء العُمانية إصابة عامل وافد بعد استهداف منشآت في الميناء بطائرتين مسيرتين. وبعدها بيومين، في 3 مارس 2026، تحدثت تقارير رسمية عن استهداف خزانات وقود في ميناء الدقم التجاري بعدة طائرات مسيرة، مع احتواء الأضرار وعدم تسجيل خسائر بشرية جديدة. كما أشارت تقارير أخرى في 11 مارس 2026 إلى إسقاط طائرة مسيرة وسقوط أخرى في البحر شمال الدقم دون خسائر بشرية أو مادية.

هذا التسلسل يعني أن الميناء أصبح منذ شهور نقطة اختبار حساسة في معادلة الردع والضغط المتبادل في بحر العرب. ولذلك، فإن أي إعلان جديد عن ضرب منشآت لوجستية فيه لا يمكن فصله عن هذا السياق الأمني الأوسع، حتى لو بقيت بعض تفاصيل الضربة الأخيرة بحاجة إلى تحقق مستقل إضافي.

كيف يؤثر التصعيد على أفريقيا ومحيط مصر البحري؟

رغم أن الحدث يقع في الخليج وبحر العرب، فإن زاويته تهم قسم أفريقيا بوضوح، لأن الممرات البحرية الممتدة من السواحل العُمانية نحو البحر الأحمر وشرق أفريقيا تشكل شريانًا واحدًا للتجارة والطاقة. أي اضطراب قرب مضيق هرمز قد يرفع تكلفة الشحن والتأمين على السفن المتجهة نحو موانئ شرق أفريقيا أو العابرة لاحقًا إلى باب المندب ثم شمالًا نحو المتوسط.

ومن منظور مصري، يتجاوز الأمر كونه نزاعًا ثنائيًا بين واشنطن وطهران؛ فالتصعيد البحري في هذه المنطقة يضغط على منظومة الملاحة الإقليمية ككل، ويخلق بيئة أكثر هشاشة للتجارة العابرة بين الخليج وشرق أفريقيا وشمالها. كما أن استمرار التوتر يهدد بإعادة رسم خرائط العبور البحري المؤقتة، وهو ما قد يفرض تحديات إضافية على شركات النقل البحري والخطوط الملاحية العاملة بين آسيا وأفريقيا.

ما المؤكد وما غير المؤكد حتى الآن؟

المؤكد أن الحرس الثوري الإيراني صعّد خطابه بشأن الملاحة جنوب هرمز، وأنه أعلن استهداف منشآت مرتبطة بالدعم الأمريكي في الدقم. والمؤكد أيضًا أن عُمان كثفت، حتى 11 و12 يوليو 2026، اتصالاتها السياسية والفنية لتثبيت حرية الملاحة ومنع انزلاق الوضع إلى فوضى بحرية. كما أن الدقم سبق أن تعرض خلال مارس 2026 لهجمات بطائرات مسيرة موثقة في الإعلام العُماني.

أما غير المؤكد بصورة مستقلة حتى لحظة إعداد هذا التقرير، فهو الحجم الفعلي للأضرار التي لحقت بما وصفته إيران بـ"المراكز اللوجستية الأمريكية" داخل الميناء، وعدد الأهداف التي أصيبت، وما إذا كانت تلك المنشآت تشغيلية أو عسكرية الإسناد أو مجرد مرافق دعم بحري عامة. ولهذا، فإن القراءة الأدق حتى الآن هي أن المنطقة تواجه تصعيدًا عالي الخطورة في الخطاب والعمل الميداني، بينما تظل تفاصيل الضربة الأخيرة نفسها بحاجة إلى مزيد من التحقق الرسمي المستقل.

السيناريو الأقرب في الأيام المقبلة

المؤشرات الحالية توحي بأن مسقط ستواصل لعب دور الوسيط الذي يجمع بين حماية سيادتها ومنشآتها من جهة، ومنع انقطاع الملاحة الدولية من جهة أخرى. وفي المقابل، يبدو أن طهران تريد استخدام ورقة هرمز والدقم لرفع كلفة أي ضغط أمريكي في المنطقة. وبين هذا وذاك، يبقى الخطر الأكبر هو تحول الاحتكاكات المحدودة إلى نمط متكرر يهدد أمن البحر المفتوح من الخليج حتى السواحل المتصلة بشرق أفريقيا.

وبالنسبة للمتابع المصري، فإن العنوان الأهم ليس فقط ما جرى في ميناء الدقم، بل ما إذا كان هذا التصعيد سيتطور إلى أزمة ملاحة أوسع تمتد آثارها إلى التجارة الإقليمية والطاقة وأسعار النقل البحري. وحتى تتضح الصورة أكثر، يظل الثابت أن الدقم بات واحدة من أكثر النقاط حساسية على خريطة الأمن البحري في جوار أفريقيا الآسيوي المباشر.