تصعيد في العراق بعد ضربات استهدفت مواقع للحشد الشعبي
تصعيد جديد يضع العراق في قلب التوتر الإقليمي
دخل العراق موجة جديدة من التصعيد الأمني بعد إعلان هيئة الحشد الشعبي أن حصيلة الضربات التي استهدفت عدداً من مقارها ارتفعت إلى 20 قتيلاً و32 مصاباً. ويأتي هذا التطور في لحظة شديدة الحساسية إقليمياً، مع اتساع رقعة المواجهات غير المباشرة في الشرق الأوسط، ما يعيد إلى الواجهة سؤال السيادة العراقية وحدود قدرة بغداد على تحييد أراضيها عن صراعات القوى الكبرى والإقليمية.
وبحسب ما أوردته تقارير متطابقة، فإن الضربات طالت مواقع للحشد في أكثر من محافظة عراقية، بينما وصفتها الهيئة بأنها استهداف مباشر لتشكيل يعمل رسمياً ضمن المنظومة الأمنية العراقية. وفي المقابل، تحدثت القيادة المركزية الأمريكية عن عمليات نُفذت بالتعاون مع السعودية ضد مواقع قالت إنها استُخدمت من جانب جماعات مدعومة من إيران لشن هجمات خلال الأيام الأخيرة.
ماذا نعرف عن الضربات وحصيلة الضحايا؟
أفادت تقارير منشورة في مارس 2026 بأن الحشد الشعبي كان قد أعلن سابقاً تعرض مقاره في محافظات عدة، بينها ديالى وكركوك والأنبار ونينوى وصلاح الدين وواسط وبابل، لسلسلة ضربات جوية، مؤكداً حينها سقوط قتلى وجرحى في صفوفه. وفي أحدث تطور، أعلن الحشد ارتفاع حصيلة الضحايا إلى 20 قتيلاً و32 مصاباً، وهو ما يعكس اتساع نطاق التأثير الميداني لهذه الهجمات، سواء على مستوى الأفراد أو البنية التشغيلية للمواقع المستهدفة.
وتشير رواية الحشد إلى أن العناصر الذين سقطوا كانوا يؤدون مهام رسمية مرتبطة بالانتشار الأمني وحماية مناطق مختلفة داخل العراق، مع تأكيد الهيئة أنها تعمل تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة العراقية وضمن التنسيق مع قيادة العمليات المشتركة. هذا التوصيف مهم بالنسبة لبغداد، لأنه يضع أي استهداف لتلك التشكيلات في إطار أكثر تعقيداً من مجرد ضرب جماعات مسلحة خارج الدولة.
الرواية الأمريكية والسعودية: رد على هجمات سابقة
وفقاً لوكالة أسوشيتد برس في تقرير منشور يوم الأربعاء 29 يوليو 2026، قالت القيادة المركزية الأمريكية إن القوات الأمريكية، بالتعاون مع القوات السعودية، استهدفت مواقع في العراق قالت إن جماعات مدعومة من طهران استخدمتها في إطلاق هجمات خلال الأيام الماضية. ونقلت الوكالة أن واشنطن تحدثت عن أكثر من 30 هجوماً بطائرات مسيّرة خلال 72 ساعة، وهو ما قدمته بوصفه مبرراً مباشراً للرد العسكري.
كما أشارت التقارير نفسها إلى أن وزارة الدفاع السعودية أقرت بالمشاركة في الضربات، مع تأكيدها أنها لا تسعى إلى التصعيد، لكنها سترد على أي اعتداء يطالها. هذه النقطة تمنح الحدث بعداً إقليمياً أوسع، لأن إدخال السعودية على خط العمليات داخل العراق يرفع حساسية الملف بالنسبة للعواصم العربية، ومنها القاهرة التي تتابع عادةً تأثيرات أي اضطراب جديد في المشرق على أمن الطاقة والملاحة الإقليمية.
بغداد بين الاحتواء والضغط
في أعقاب الضربات، أفادت أسوشيتد برس بأن رئيس الوزراء العراقي علي الزايدي دعا إلى اجتماع طارئ لمجلس الأمن الوطني لبحث التطورات. ويعكس هذا التحرك إدراك الحكومة العراقية أن المسألة لم تعد حادثاً أمنياً معزولاً، بل باتت اختباراً مباشراً لقدرتها على منع استخدام الأراضي العراقية كساحة لتبادل الرسائل العسكرية بين أطراف متنازعة.
وكانت قيادة العمليات المشتركة العراقية قد شددت في بيان سابق خلال يوليو 2026 على أن العراق لن يكون منطلقاً لاستهداف أي دولة من دول الجوار أو غيرها، وهو موقف رسمي تحاول بغداد تثبيته منذ سنوات في ظل وجود قوات نظامية، وتشكيلات مرتبطة بالحشد، وفصائل مسلحة ذات حسابات إقليمية متشابكة.
من هو الحشد الشعبي ولماذا يبقى ملفه شديد الحساسية؟
الحشد الشعبي تشكّل عام 2014 في سياق الحرب ضد تنظيم داعش، ثم جرى تثبيته قانونياً داخل المنظومة الأمنية العراقية عام 2016 بوصفه تشكيلاً عسكرياً مستقلاً ضمن القوات المسلحة. ورغم هذا الوضع القانوني، ظل الحشد في قلب الجدل السياسي والأمني، بسبب تعدد فصائله واختلاف درجات انضباطها المؤسسي وعلاقات بعضها الإقليمية.
ويرأس الهيئة فالح الفياض، الذي يظهر باستمرار في الخطاب الرسمي بوصفه رئيساً للحشد الشعبي. وفي يونيو 2026، نقلت وكالة الأنباء العراقية عن الفياض تأكيده أن الحشد يعمل تحت سلطة القائد العام للقوات المسلحة، وهي رسالة تتكرر كلما تعرضت الهيئة لاتهامات أو لهجمات تستند إلى نشاط بعض الفصائل المنضوية تحت مظلتها.
لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟
من منظور مصري، لا تبدو هذه التطورات بعيدة جغرافياً أو سياسياً. فكل تصعيد يطال العراق يرتبط مباشرة بممرات الطاقة العالمية وبأمن الإمدادات وأسعار النفط، كما يتقاطع مع أمن البحر الأحمر والخليج العربي. ومع أن الحدث يقع في العراق، فإن تداعياته تتجاوز حدوده إلى شبكة المصالح العربية الأوسع، خاصة إذا تحول إلى مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وجماعات مرتبطة بإيران من جهة أخرى.
وللقاهرة مصلحة واضحة في استقرار المشرق العربي، ليس فقط على مستوى التوازنات السياسية، بل أيضاً من زاوية منع تشكل بؤر فوضى إضافية تؤثر في التجارة الإقليمية، وحركة النقل، وأسواق الوقود، والاستثمارات. لذلك يندرج هذا الملف بوضوح ضمن تغطية الشؤون الإقليمية ذات الصلة بالأمن القاري والمجال الاستراتيجي المحيط بمصر.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
المؤشرات الحالية توحي بأن المشهد لا يزال مفتوحاً على عدة احتمالات:
- احتواء سريع عبر قنوات سياسية وأمنية عراقية لمنع تكرار الضربات.
- تصعيد متبادل إذا تواصلت الهجمات بالطائرات المسيّرة أو الردود الجوية عبر الأراضي العراقية.
- ضغط أكبر على بغداد لإعادة ضبط العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة المنضوية في الحشد أو القريبة منه.
- انعكاسات اقتصادية أوسع إذا ارتبط التصعيد باضطراب مسارات الطاقة أو المخاوف على البنية التحتية النفطية في المنطقة.
خلاصة المشهد
إعلان الحشد الشعبي ارتفاع حصيلة قتلاه وجرحاه إلى 20 قتيلاً و32 مصاباً لا يعكس فقط حجم الضربة، بل يكشف أيضاً هشاشة التوازن الأمني في العراق في هذه المرحلة. فبين رواية الحشد عن انتهاك للسيادة، ورواية واشنطن والرياض عن رد على هجمات سابقة، تجد بغداد نفسها أمام معادلة معقدة: كيف تمنع تحويل أراضيها إلى ساحة صدام دائم، من دون أن تنزلق إلى مواجهة داخلية أو إقليمية أوسع؟
الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان ما جرى سيبقى في حدود عملية عسكرية محدودة، أم سيتحول إلى فصل جديد من المواجهة المفتوحة في المنطقة، وهي مواجهة سيكون للعراق فيها موقع القلب لا الهامش.