تفاهم إيراني-عُماني قد يعيد رسم مسارات الملاحة في هرمز
تفاهمات جديدة حول أحد أهم الممرات البحرية في العالم
دخلت المباحثات بين إيران وسلطنة عُمان بشأن تنظيم الملاحة في مضيق هرمز مرحلة أكثر تقدمًا، في تطور يسلط الضوء مجددًا على أهمية هذا المعبر البحري الحساس للاقتصاد العالمي. وتفيد المعطيات المتاحة من مصادر رسمية وإعلامية موثوقة بأن النقاشات الجارية تدور حول تشغيل مسارات مؤقتة للعبور قبل الوصول إلى صيغة نهائية قد تعيد توزيع حركة السفن داخل المضيق. ويأتي ذلك بعد أشهر من اضطراب الملاحة وتزايد المخاوف الأمنية في المنطقة.
وبحسب ما أعلنته وزارة الخارجية العُمانية، استضافت مسقط في 11 يوليو 2026 مباحثات عُمانية إيرانية خصصت لبحث سلامة وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وترأس الجانب العُماني وزير الخارجية بدر بن حمد البوسعيدي، فيما ترأس الجانب الإيراني وزير الخارجية سيد عباس عراقجي. هذا التحرك الرسمي أعطى إشارة واضحة إلى أن ملف الممرات البحرية لم يعد مجرد مسألة فنية، بل بات جزءًا من ترتيبات سياسية وأمنية أوسع.
ما الذي يجري بحثه بين طهران ومسقط؟
التفاصيل المتداولة تشير إلى أن الطرح المطروح يقوم على استمرار العمل بمسارات مؤقتة في الشمال والجنوب لفترة انتقالية، قبل الانتقال المحتمل إلى ممر أكثر مركزية أو إلى صيغة دائمة جديدة لتنظيم العبور. تقارير أخرى أوضحت أن إيران دفعت باتجاه ترتيبات تمنحها دورًا أكبر في الإشراف على أحد اتجاهي المرور، بينما شددت أطراف أخرى على أن أي حل مؤقت يجب ألا يفرض رسوماً أو موافقات تعطل حرية العبور. وحتى الآن، لا يوجد إعلان نهائي عن اتفاق شامل بصيغته النهائية، ما يعني أن المفاوضات ما زالت مفتوحة على أكثر من احتمال.
وفي هذا السياق، أفادت وكالة أسوشيتد برس في 5 أغسطس 2026 بأن إيران قالت إن محادثاتها مع عُمان تركز على إنشاء مسارات آمنة للدخول والخروج عبر المضيق، بينما أكد مسؤولون أمريكيون وجود تقدم من دون الوصول بعد إلى تسوية نهائية. كما نقلت الوكالة عن مسؤول مطلع أن المسارات المؤقتة، إذا أُقرت، يفترض ألا تتضمن تصاريح إيرانية أو رسوماً على المرور.
خلفية الأزمة: من الممر الدولي إلى البدائل المؤقتة
الأهمية الاستثنائية لهذا الملف تعود إلى أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر إقليمي، بل شريان رئيسي للطاقة والتجارة. ووفق المنظمة البحرية الدولية، فإن نظام فصل المسارات المعترف به دوليًا في المضيق تم اعتماده أصلًا عام 1968 باقتراح من إيران وعُمان، بهدف تقليل مخاطر التصادم وتحسين السلامة البحرية. غير أن التوترات العسكرية ووجود أخطار مثل الألغام وتعطل بعض خطوط المرور دفعا إلى البحث عن بدائل تشغيلية مؤقتة.
كما أوضحت المنظمة البحرية الدولية في بياناتها خلال 2026 أن هذا النظام الدولي ظل المسار المعترف به، مع التشديد على ضرورة عدم عرقلة حق المرور العابر. وفي الوقت نفسه، أشارت وثائق وبيانات مرتبطة بالمنظمة إلى أن مخاطر السلامة خلال الفترة الماضية جعلت استخدام بعض المسارات التقليدية أكثر تعقيدًا، وهو ما يفسر الاتجاه إلى ترتيبات انتقالية تشارك فيها الدول الساحلية والجهات البحرية الدولية.
ومن الجانب العُماني، أشارت تقارير منشورة في يونيو ويوليو 2026 إلى أن مسقط نسقت مع المنظمة البحرية الدولية لإتاحة ممر بحري مؤقت لجميع السفن، انطلاقًا من التزامها بحرية الملاحة وعدم فرض رسوم عبور. هذا الموقف العُماني مهم لأنه يعكس رغبة واضحة في الحفاظ على انسيابية المرور وتقليل الاحتكاك السياسي في واحد من أكثر الممرات حساسية على مستوى العالم.
لماذا يهم هذا التطور مصر؟
بالنسبة للقارئ المصري، لا تبدو قضية هرمز بعيدة جغرافيًا فقط، بل ترتبط مباشرة بحركة الطاقة والتجارة التي تنعكس على المنطقة بأكملها. أي اضطراب في المضيق يمكن أن يؤثر في أسعار النفط والغاز، ثم في تكلفة الشحن والتأمين البحري، وهو ما ينعكس لاحقًا على سلاسل الإمداد وأسعار السلع عالميًا. كما أن أي تغيير في طرق التجارة البحرية بين الخليج والأسواق الدولية يظل ذا صلة غير مباشرة بحركة النقل التي تمر عبر قناة السويس أو ترتبط بها لوجستيًا.
وتوضح بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن التدفقات عبر مضيق هرمز في 2024 والربع الأول من 2025 مثلت أكثر من ربع تجارة النفط المنقول بحرًا عالميًا ونحو خُمس استهلاك العالم من النفط والمنتجات البترولية، إضافة إلى مرور نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا عبر المضيق، خاصة من قطر. لذلك فإن أي تعديل في قواعد العبور أو مستوى الأمان هناك يتجاوز الإطار الإقليمي إلى التأثير في أسواق الطاقة الدولية كلها.
أسماء بارزة في المشهد الدبلوماسي
يقود الملف دبلوماسيًا من الجانب العُماني الوزير بدر بن حمد البوسعيدي، ومن الجانب الإيراني الوزير سيد عباس عراقجي، بينما برز أيضًا اسم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي في التصريحات المتعلقة بتركيز المفاوضات على إنشاء خطوط ملاحية آمنة للدخول والخروج. وفي موازاة ذلك، حضرت مواقف أمريكية رافضة لأي ترتيبات دائمة قد تُفسر باعتبارها تكريسًا لسيطرة طرف واحد على المضيق.
- 11 يوليو 2026: مباحثات رسمية في مسقط بين عُمان وإيران حول سلامة وحرية الملاحة.
- 28 يوليو 2026: تقارير عن مقترح إيراني لترتيبات مؤقتة تمنح طهران دورًا أكبر في أحد اتجاهات العبور.
- 5 أغسطس 2026: تقارير عن تقدم في المحادثات، مع غياب الإعلان النهائي حتى الآن.
هل نحن أمام إعادة رسم دائمة لخريطة العبور؟
حتى اللحظة، يصعب الجزم بأن المنطقة تتجه إلى تغيير نهائي ومستقر في نظام الملاحة داخل المضيق. الأرجح أن ما يجري الآن هو إدارة انتقالية للأزمة أكثر منه تسوية مكتملة الأركان. فهناك توازن معقد بين اعتبارات السيادة والأمن من جهة، ومتطلبات حرية الملاحة والقانون البحري الدولي من جهة أخرى. كما أن المنظمة البحرية الدولية شددت بوضوح على أن أي ترتيبات يجب أن تضمن مرورًا غير تمييزي وغير معرقل لجميع السفن عبر المسارات المعترف بها دوليًا.
لكن المؤكد أن ما يحدث في هرمز يستحق المتابعة الدقيقة، لأن نتائجه لن تقف عند حدود الخليج. فاستقرار المضيق يعني تخفيف الضغط عن أسواق الطاقة، وتهدئة كلفة الشحن، وتقليل المخاطر على التجارة العالمية. أما فشل المحادثات، فقد يعيد التوتر إلى نقطة الصفر ويترك آثارًا تمتد من الموانئ الخليجية إلى الأسواق المستهلكة في آسيا وأوروبا، مرورًا باقتصادات المنطقة العربية التي تراقب بدقة أي تطور في هذا الشريان البحري الحيوي.