Akhbar Cairo

تقدم أممي جديد في ليبيا لصياغة اتفاق نهائي بشأن الانتخابات

خطوة جديدة في المسار السياسي الليبي

دخلت الجهود الأممية الرامية إلى تحريك الملف السياسي في ليبيا مرحلة جديدة، بعدما أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أن اللجنة الليبية المصغرة (4+4) كلّفت فريق عمل بإعداد الصياغة النهائية لاتفاق يتعلق بأول محطتين في خارطة الطريق التي تيسّرها الأمم المتحدة. وجاء ذلك عقب الاجتماع الخامس للجنة، الذي عُقد يوم الاثنين 6 يوليو 2026 في مكتب البعثة بالعاصمة التونسية تونس، ضمن سلسلة اجتماعات تستهدف تقليص هوة الخلاف بين الأطراف الليبية ودفع التفاهمات من مستوى النقاش إلى صيغة مكتوبة قابلة للاعتماد.

وبحسب المعطيات التي نشرتها البعثة الأممية ووسائل إعلام ليبية رسمية في متابعة الجولات السابقة، فإن هذه الاجتماعات تأتي استكمالًا لمسار انطلق خلال الأشهر الماضية برعاية الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا حنا تيتيه، التي تقود منذ مطلع 2025 جهودًا لإعادة ترتيب العملية السياسية، مع تركيز واضح على الإطار القانوني والمؤسسي اللازم للوصول إلى انتخابات وطنية طال انتظارها.

ماذا تعني صياغة “الاتفاق النهائي”؟

تكليف فريق عمل بصياغة الاتفاق لا يعني بالضرورة حسم كل التعقّدات التي تحيط بالمشهد الليبي، لكنه يُعد مؤشرًا سياسيًا مهمًا على انتقال المشاورات من مناقشات عامة إلى مرحلة أكثر عملية. وخلال الجولة الثالثة من مشاورات “الاجتماع المصغّر” التي استضافتها تونس في 5 يونيو 2026، قالت البعثة إن المشاركين واصلوا بحث الإطار الانتخابي استنادًا إلى التفاهمات السابقة، في أجواء وصفتها بالبناءة والإيجابية. ثم أعلنت في 24 يونيو 2026 التوصل خلال الجولة الرابعة إلى توافق بشأن قانون الانتخابات الرئاسية، ما يجعل اجتماع يوليو الحالي امتدادًا لمسار تراكمي لا خطوة منفصلة عنه.

ومن زاوية المتابعة الصحفية، فإن الحديث عن “أول محطتين” في خارطة الطريق الأممية يرتبط، وفق ما ظهر في إحاطات ومتابعات سابقة، بملفين شديدي الحساسية: القواعد القانونية للانتخابات، وترتيبات البنية المؤسسية المشرفة على الاستحقاق. وهذان الملفان ظلا من أبرز أسباب التعثر السياسي في ليبيا خلال السنوات الأخيرة.

خلفية المشهد: لماذا يظل الملف الانتخابي معقدًا؟

منذ تعثر الانتخابات التي كان مقررًا إجراؤها في ديسمبر 2021، لم تنجح القوى الليبية في تثبيت قاعدة دستورية وقانونية جامعة تسمح بإجراء اقتراع يحظى بقبول واسع. وتعاقبت منذ ذلك الحين مبادرات محلية وأممية عدة، بينها أعمال اللجنة الاستشارية التي شكّلتها البعثة الأممية في 4 فبراير 2025، وقدمت لاحقًا توصيات لمعالجة القضايا الخلافية في الإطار الانتخابي.

وتظهر الجولات الأخيرة أن الأمم المتحدة تحاول البناء على تلك التوصيات، عبر حوار مصغّر بصيغة 4+4 يضم ممثلين من أطراف ليبية مختلفة، بهدف الوصول إلى حلول عملية بدل الاكتفاء بالمبادئ العامة. وفي يونيو الماضي، أعلنت البعثة كذلك اختتام أعمال الحوار المهيكل الذي ضم أكثر من 120 عضوًا وعضوة من مناطق ليبيا المختلفة، مع مشاركة نسائية بلغت 35%، في محاولة لتوسيع قاعدة التشاور حول مستقبل العملية السياسية.

تحفظات داخلية لا تزال قائمة

رغم هذا التقدم، لا يخلو المسار من اعتراضات ليبية على آليات إدارة العملية. فقد عبّر رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي في أبريل 2026 عن تحفظه على الأسس التي بُني عليها تشكيل اللجنة المصغرة وآليات عملها، مؤكدًا ضرورة أن يستند أي مسار متعلق بالانتخابات إلى إطار قانوني ودستوري واضح. ويعكس هذا الموقف حجم الحساسية المحيطة بأي ترتيبات انتقالية أو تفاهمات تُخشى قراءتها باعتبارها تجاوزًا للمؤسسات القائمة أو للمخرجات السابقة.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا التطور لا ترتبط فقط بالشأن الليبي الداخلي، بل أيضًا بانعكاس الاستقرار السياسي في ليبيا على أمن الجوار الإقليمي، خاصة أن مصر كانت حاضرة في مسارات المتابعة الدولية الخاصة بليبيا، وشاركت مع دول الجوار في دعم تسوية سياسية تحافظ على وحدة المؤسسات وتحد من الفراغ الأمني.

دور حنا تيتيه والبعثة الأممية

تقود حنا س. تيتيه، وهي دبلوماسية غانية تشغل منصب الممثلة الخاصة للأمين العام ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هذا المسار السياسي في مرحلة شديدة التعقيد. ووفق التعريف الرسمي المنشور على مواقع الأمم المتحدة، تولت تيتيه المنصب في 2025 بعد خبرات دبلوماسية وإقليمية واسعة، بينها عملها وزيرة لخارجية غانا ومواقع أممية بارزة في الاتحاد الأفريقي والقرن الأفريقي.

وتتبنى البعثة تحت قيادتها مقاربة تقوم على الجمع بين التشاور الواسع، كما حدث في الحوار المهيكل، والعمل الفني المصغر، كما يظهر في اجتماعات 4+4. ويبدو أن الرهان الأممي الحالي هو الوصول إلى وثيقة اتفاق قابلة للتنفيذ، ولو على مراحل، بدل إبقاء العملية السياسية رهينة التباينات المفتوحة.

ما الذي يمكن أن يحدث بعد ذلك؟

إذا نجح فريق العمل المكلف في وضع صياغة نهائية تحظى بقبول أعضاء اللجنة المصغرة، فقد تمثل الوثيقة الناتجة أساسًا لخطوة تالية تشمل اعتماد التفاهمات سياسيًا أو عرضها على أطر أوسع للنقاش والتثبيت. لكن نجاح هذه المرحلة سيظل مرتبطًا بعدة عوامل:

  • مدى وضوح النصوص القانونية الخاصة بالاستحقاق الانتخابي.
  • قبول المؤسسات الليبية الرئيسية بأي مخرجات جديدة.
  • قدرة الأمم المتحدة على الحفاظ على الزخم وتوفير ضمانات سياسية كافية.
  • البيئة الأمنية والإدارية اللازمة لتنفيذ أي اتفاق على الأرض.

وفي ضوء ما صدر عن الجولات السابقة، يمكن القول إن هناك تقدمًا إجرائيًا واضحًا، لكن هذا لا يرقى بعد إلى اختراق نهائي للأزمة. فليبيا ما زالت تواجه تشابكًا بين الشرعية السياسية، والإطار الدستوري، وتوازنات المؤسسات، وهي ملفات يصعب فصل أحدها عن الآخر.

لماذا يهم هذا التطور المتابع العربي؟

تطورات الملف الليبي تظل من أكثر ملفات شمال أفريقيا حساسية، ليس فقط بسبب موقع ليبيا الجغرافي وثقلها النفطي، ولكن أيضًا لأن أي تقدم أو انتكاسة في مسارها السياسي ينعكس على المنطقة الأوسع، من أمن الحدود إلى أسواق الطاقة والهجرة غير النظامية. ومن هنا، فإن الإعلان عن تكليف فريق لصياغة الاتفاق النهائي داخل اجتماعات تونس يكتسب أهمية تتجاوز طابعه الإجرائي، لأنه يشير إلى أن المسار الأممي لا يزال قادرًا على إنتاج خطوات ملموسة، ولو ببطء.

الخلاصة أن اجتماع 6 يوليو 2026 لا يمكن اعتباره نهاية للأزمة الليبية، لكنه يمثل محطة تستحق المتابعة: تفاهمات متراكمة، توافقات جزئية، وفريق مكلف بوضع الصيغة النهائية. وفي بلد أنهكته الانقسامات والتأجيلات، قد تصبح دقة الصياغة هذه المرة عاملًا حاسمًا في تحديد ما إذا كانت خارطة الطريق الأممية ستتحول إلى مسار سياسي فعلي، أم ستبقى مجرد إطار تفاوضي جديد يضاف إلى أرشيف المحاولات السابقة.