Akhbar Cairo

تنسيق حكومي لوضع نموذج متكامل لزراعة الكتان وتصنيعه

تحرك حكومي جديد لإعادة بناء سلسلة قيمة الكتان في مصر

دخل ملف زراعة الكتان في مصر مرحلة جديدة من التنسيق الحكومي، بعد اجتماع موسع عقده المهندس خالد هاشم وزير الصناعة مع علاء فاروق وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، والدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي، إلى جانب الدكتور بهاء الغنام، المدير التنفيذي لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، لبحث تنفيذ نموذج متكامل يجمع بين الزراعة والتجهيز والتصنيع، بحضور مسؤولي الوزارات والجهات البحثية وأساتذة الجامعات.

أهمية الاجتماع لا تتعلق بمحصول زراعي تقليدي فقط، بل بقطاع قادر على ربط الأرض بالمصنع والتصدير، خاصة مع تزايد الاهتمام الرسمي في الشهور الأخيرة بتعميق التصنيع المحلي ورفع القيمة المضافة للخامات المصرية بدلاً من خروجها في صورتها الأولية.

لماذا يعود الكتان إلى الواجهة الآن؟

الكتان يُعد من المحاصيل التي تمتلك مصر فيها خبرة تاريخية، كما يدخل في صناعات متعددة، من الألياف والغزول إلى المنسوجات والزيوت ومنتجات أخرى مرتبطة بالتصنيع الزراعي. وفي هذا السياق، كانت وزارة الزراعة قد أكدت في مادة منشورة على موقعها الرسمي أن الكتان يُزرع على مساحة 50 ألف فدان، مع طرح رؤية تربط التوسع في الزراعة بتوطين الصناعة وزيادة القيمة المضافة.

هذا التوجه يتقاطع مع ما أعلنه رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي في 27 يوليو 2026 خلال استعراض الرؤية المقترحة لتطوير زراعة وصناعة الكتان في مصر، حيث شدد على دراسة حوافز زيادة المساحة المزروعة وتحسين جودة المنتج وتكامل أدوار الجهات المعنية، بمشاركة وزراء الزراعة والاستثمار والصناعة وممثلين عن جهاز مستقبل مصر وشركة طنطا للكتان والزيوت.

من هم الأطراف المشاركون في الملف؟

الاجتماع الأخير جمع أربع دوائر رئيسية في ملف واحد: الصناعة لتحديد احتياجات المصانع وسلسلة القيمة، والزراعة لتأمين الخام وتحسين الإنتاجية، والتعليم العالي والبحث العلمي لربط المراكز البحثية والجامعات بالتطبيق العملي، وجهاز مستقبل مصر الذي توسع دوره في السنوات الأخيرة داخل مشروعات الأمن الغذائي والتنمية الزراعية والصناعية.

ويشغل علاء فاروق منصب وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، وفق الصفحة الرسمية للوزارة، بعد خبرة مصرفية وزراعية كان من بينها رئاسة البنك الزراعي المصري. كما يتولى الدكتور عبد العزيز قنصوة حقيبة التعليم العالي والبحث العلمي منذ فبراير 2026، بينما يواصل الدكتور بهاء الغنام إدارة جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة الذي بات حاضراً في ملفات الزراعة والتخزين والتصنيع والشراكة مع القطاع الخاص.

ما الذي يعنيه «النموذج المتكامل» عملياً؟

المقصود بالنموذج المتكامل ليس مجرد زيادة مساحات الزراعة، بل إنشاء منظومة مترابطة تبدأ من التقاوي والبحوث الزراعية، ثم الحصاد والتجهيز الأولي، وصولاً إلى الغزل والتصنيع النهائي. هذا النوع من التكامل يهدف إلى تقليل الفاقد، ورفع جودة الألياف، وتوفير خام محلي مطابق للمواصفات التي تطلبها المصانع.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن النجاح في هذا المسار يعني انتقال مصر من بيع خام منخفض القيمة إلى تسويق منتجات مصنعة أو شبه مصنعة بعائد أعلى. كما يفتح المجال أمام جذب استثمارات جديدة في حلقات الغزل والتجهيز والصناعات المغذية.

وكان خالد هاشم قد أكد في تصريحات نشرتها بوابة أخبار اليوم خلال سبتمبر 2026 أن الكتان يمثل أولوية ضمن استراتيجية وزارة الصناعة، مع التركيز على تعميق التصنيع المحلي وزيادة الصادرات وتعزيز اندماج المنتج المصري في سلاسل الإمداد العالمية، مشيراً إلى أن مصر تمتلك قاعدة صناعية يمكن البناء عليها في هذا القطاع.

دور البحث العلمي والجامعات

إشراك وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في هذا الملف يحمل دلالة مهمة، لأن تطوير محصول مثل الكتان لا يعتمد على القرار الإداري وحده. فهناك احتياج إلى أصناف محسنة، ودراسات تتعلق بالإنتاجية والجودة، وطرق حديثة في التجهيز وفصل الألياف، إضافة إلى تدريب الكوادر الفنية القادرة على تشغيل خطوط الإنتاج بكفاءة.

هذا المسار يتماشى مع توجه أوسع أعلنته وزارة التعليم العالي في 2026 لدعم التعليم التطبيقي وربط الجامعات باحتياجات القطاعات الإنتاجية وسوق العمل. ومن هنا، يمكن أن يصبح ملف الكتان نموذجاً لاختبار التعاون بين الجامعات والمراكز البحثية من جهة، والوزارات التنفيذية والمصانع من جهة أخرى.

مستقبل مصر والأمن الغذائي والتصنيع الزراعي

حضور جهاز مستقبل مصر في مناقشات الكتان ليس مفاجئاً، في ظل اتساع صلاحياته ومشاركته في ملفات التوسع الزراعي والسلع الاستراتيجية. ووفق بيانات رئاسة الجمهورية، تابع الرئيس عبد الفتاح السيسي في 1 أكتوبر 2025 مستجدات مشروعات الجهاز، بما يشمل الزراعة والصناعة والثروة الحيوانية والتنمية العمرانية، مع التشديد على تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص وزيادة الإنتاج وتطوير منظومة التصنيع الزراعي.

كما ناقش مجلس النواب في 2026 مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، في خطوة تعكس اتساع دور الجهاز المؤسسي في المرحلة المقبلة. وبالنسبة لملف الكتان، فإن مساهمة الجهاز قد تكون حاسمة في توفير أراضٍ مناسبة، وربط الإنتاج الزراعي بالبنية اللوجستية والتخزينية، ثم توجيه الخام إلى مسارات تصنيع أكثر كفاءة.

الفرص والتحديات أمام الصناعة المصرية

رغم أن الكتان يملك ميزة نسبية لمصر، فإن بناء صناعة قوية حوله يتطلب التعامل مع عدة تحديات، منها:

  • زيادة المساحات المزروعة بما يضمن توافر خام مستقر للمصانع.
  • رفع جودة الألياف عبر الإرشاد الزراعي والبحوث التطبيقية.
  • تطوير حلقات التجهيز الأولي لتقليل الفاقد وتحسين المواصفات.
  • جذب استثمارات صناعية في الغزل والنسيج والصناعات القائمة على الكتان.
  • تأهيل العمالة الفنية وربط التعليم بسوق العمل.

وفي المقابل، تبدو الفرص كبيرة إذا نجحت الحكومة في تحويل الكتان إلى مشروع متكامل، خصوصاً مع توجه الدولة لزيادة الصادرات الصناعية والزراعية وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية. وكانت وزارة الزراعة قد أعلنت مطلع 2 يناير 2026 نجاح مصر في فتح 25 سوقاً جديدة وتصدير 405 سلع إلى 167 دولة، وهو ما يعطي مؤشراً على قدرة القطاع الزراعي المصري على التوسع عندما تتوافر المنظومة المتكاملة.

ما المتوقع بعد الاجتماع؟

حتى الآن، لم تُعلن تفاصيل تنفيذية كاملة أو جدول زمني نهائي للمشروع، لكن المؤشرات الرسمية تفيد بأن الدولة تتحرك نحو صياغة سلسلة قيمة للكتان تبدأ من الحقل وتنتهي بمنتج صناعي قابل للمنافسة. وإذا تُرجمت المناقشات إلى قرارات عملية، فقد يشهد القطاع خلال الفترة المقبلة خطوات تتعلق بالتوسع في الزراعة، وتحديد مناطق التجهيز، وربط المستثمرين بالخام المحلي، والاستفادة من الخبرات البحثية داخل الجامعات المصرية.

في المحصلة، يعكس الاجتماع توجهاً واضحاً داخل الحكومة المصرية: عدم الاكتفاء بزراعة المحاصيل، بل تحويلها إلى صناعات وطنية ذات قيمة مضافة. وبالنسبة للكتان، فإن نجاح هذا النموذج قد يمنح مصر فرصة لاستعادة موقع أقوى في صناعة تمتلك فيها تاريخاً وخبرة وطلباً تصديرياً يمكن البناء عليه.