Akhbar Cairo

تنظيم السمسرة العقارية في مصر.. لماذا يراه أسامة مدكور أولوية؟

تنظيم السمسرة العقارية في مصر يدخل مرحلة أكثر صرامة

تتواصل في مصر الدعوات إلى إحكام الرقابة على مهنة السمسرة العقارية، في ظل اتساع السوق العقاري وتزايد حجم التعاملات المرتبطة بالبيع والشراء والتأجير. وفي هذا السياق، شدد النائب أسامة مدكور، عضو لجنة الإسكان والإدارة المحلية والنقل بمجلس الشيوخ وأمين مساعد التنظيم بحزب مستقبل وطن، على أن تنظيم هذه المهنة لم يعد مسألة إدارية فحسب، بل بات ضرورة لحماية المواطنين ودعم استقرار السوق العقاري وتعزيز بيئة استثمارية أكثر انضباطًا.

أهمية هذا الطرح لا تنفصل عن التحركات التشريعية والتنفيذية التي شهدتها الدولة خلال السنوات الأخيرة، والتي استهدفت ضبط نشاط الوسطاء العقاريين وتقليل الممارسات العشوائية التي كانت تفتح الباب أمام النزاعات ووقائع التضليل، بل وأحيانًا أمام شبهات الاحتيال وغسل الأموال.

ما الذي تغيّر في الإطار القانوني؟

التحول الأبرز بدأ مع القانون رقم 21 لسنة 2022، الذي عدّل بعض أحكام القانون رقم 120 لسنة 1982، ووسع المظلة القانونية لتشمل الوساطة التجارية والسمسرة العقارية. ووفق النصوص المنشورة في الجريدة الرسمية والمصادر الحكومية، أصبح مزاولة أعمال الوساطة أو السمسرة العقارية مقصورًا على من يكون اسمه مقيدًا في السجل المخصص لذلك لدى الجهة المختصة.

وبحسب ما عرضه مجلس النواب عند مناقشة مشروع القانون، فإن الهدف من التعديل كان مواجهة الفوضى التي تسربت إلى أجزاء من السوق العقاري، ووضع ضوابط واضحة لممارسة المهنة، مع إلزام الوسطاء بتقديم بيانات دقيقة عن الوحدات محل التعاقد، وفرض عقوبات على من يزاول النشاط دون قيد رسمي.

سجل رسمي للسماسرة ومهلة لتوفيق الأوضاع

شهد يناير 2026 خطوة تنفيذية مهمة، بعدما صدرت تعديلات على اللائحة التنفيذية المنظمة للنشاط، تضمنت استحداث سجل رسمي إلزامي لقيد السماسرة العقاريين، على أن يكون القيد شرطًا أساسيًا لمزاولة المهنة. كما منحت التعديلات العاملين في المجال مهلة 6 أشهر لتوفيق أوضاعهم، وهي مهلة تنتهي في يوليو 2026.

الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، بوصفها الجهة التي أُسند إليها الجانب الرقابي والتنظيمي، أكدت في بياناتها أن التعديلات الجديدة تمنحها صلاحيات المتابعة والتفتيش، إلى جانب التحقق من استيفاء شروط القيد والتجديد، واتخاذ إجراءات الشطب أو وقف القيد عند المخالفة. كما أشارت إلى أنه لن يُسمح بمزاولة النشاط بعد انتهاء المهلة إلا للمقيدين رسميًا.

لماذا يعتبر التنظيم حماية مباشرة للمواطن؟

حديث أسامة مدكور يستند إلى واقع يعرفه قطاع واسع من المصريين، خاصة في المدن الجديدة والمناطق التي شهدت توسعًا عمرانيًا سريعًا. فوجود وسيط غير مسجل أو غير مؤهل قد يعني غياب المعلومات الموثقة عن الوحدة، أو التلاعب في العمولة، أو تسويق مشروعات ووعود لا تستند إلى أوراق سليمة.

ومع التنظيم الجديد، يفترض أن يصبح من الأسهل على المواطن التحقق من صفة الوسيط الذي يتعامل معه، ومن مدى قانونية نشاطه، وهو ما يقلل مخاطر الوقوع في نزاعات تعاقدية أو عمليات تضليل. كما أن إلزام السماسرة بإمساك سجلات إلكترونية موثقة للعمليات والعقود والعمولات يمثل خطوة مهمة نحو توثيق حركة السوق بدلًا من الاعتماد على ترتيبات غير رسمية.

  • حماية المشترين والمستأجرين من الوسطاء غير المرخصين.
  • رفع مستوى الشفافية في تفاصيل التعاقد والعمولات.
  • تقليل المنازعات المرتبطة بغياب التوثيق أو تضارب البيانات.
  • دعم الثقة في السوق العقاري أمام المستثمر المحلي والأجنبي.

السوق العقاري في قلب أجندة الدولة

الاهتمام بتنظيم السمسرة العقارية لا يأتي بمعزل عن النظرة الأوسع إلى السوق العقاري المصري باعتباره أحد القطاعات المؤثرة في الاقتصاد. ففي 9 يونيو 2026، ناقشت لجنة الإسكان والمرافق العامة والتعمير بمجلس النواب، بحضور الدكتورة رنده المنشاوي وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، رؤية الوزارة بشأن تنظيم السوق العقاري وآليات تطويره وتعزيز كفاءته.

ووفق ما نشره مجلس النواب عن الاجتماع، تناولت المناقشات قضايا الشفافية والحوكمة واستقرار السوق وتحقيق التوازن بين أطراف المنظومة العقارية، إلى جانب بحث وسائل تحفيز الاستثمار في القطاع. هذه المناقشات تعكس أن ملف السمسرة ليس تفصيلًا هامشيًا، بل جزء من إعادة ترتيب أوسع للسوق العقاري بما يتناسب مع الطفرة العمرانية التي شهدتها مصر خلال العقد الأخير.

العقوبات والالتزامات.. رسالة واضحة للسوق

النصوص القانونية المنظمة للنشاط لا تكتفي بوضع شروط القيد، بل تتضمن أيضًا عقوبات على من يمارس المهنة خارج الإطار الرسمي. وتشير المواد التي تناولت تنظيم الوساطة العقارية إلى عقوبات قد تصل إلى الحبس لمدة لا تزيد على سنتين وغرامة تتراوح بين 50 ألف جنيه ومليون جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين، بحق من يزاول النشاط دون قيد قانوني.

هذه الرسالة التشريعية تعني أن الدولة لم تعد تنظر إلى السمسرة العقارية باعتبارها نشاطًا هامشيًا يمكن تركه للممارسات الفردية، بل كمهنة يجب أن تخضع لمعايير واضحة من الترخيص والرقابة والإفصاح الضريبي والتدريب.

التدريب والتأهيل.. من الوساطة التقليدية إلى الاحتراف

من بين أبرز ما فرضته التعديلات الأخيرة اشتراط اجتياز دورات تدريبية متخصصة للقيد في السجل، وهو تطور مهم في سوق اعتمد لسنوات طويلة على الخبرة الشخصية أو العلاقات المباشرة دون إطار مهني منظم. كما جرى التأكيد على متطلبات الإفصاح، والالتزام الضريبي، وحفظ بيانات العمليات، وهي عناصر ترتبط مباشرة بفكرة تحويل الوساطة العقارية إلى نشاط احترافي قابل للرقابة والمحاسبة.

وبالنسبة للمواطن المصري، فإن هذا التطور قد ينعكس على جودة الخدمة نفسها؛ إذ يصبح الوسيط مطالبًا بمعرفة أوضح بالجوانب القانونية والإجرائية والمالية المرتبطة بالصفقة، وليس مجرد طرف يسعى إلى إتمام البيع مقابل عمولة.

قراءة في تصريح أسامة مدكور

ما طرحه النائب أسامة مدكور يتقاطع بوضوح مع هذا المسار العام. فالتشديد على أن تنظيم السمسرة العقارية ضرورة وطنية يعكس إدراكًا بأن حماية المواطن لا تتحقق فقط عبر العقوبة بعد وقوع المخالفة، بل أيضًا عبر بناء سوق أكثر انضباطًا من البداية، تكون فيه بيانات الوسطاء معروفة، وشروط الممارسة محددة، وآليات الرقابة قائمة.

كما أن ربط التنظيم بـاستقرار السوق وجاذبية الاستثمار يحمل دلالة مهمة؛ فكلما كانت قواعد السوق أوضح، زادت الثقة في التعاملات، وقلت فرص الفوضى، وأصبح القطاع أكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال دون تحميل الأفراد مخاطر غير محسوبة.

خلاصة المشهد

المؤكد أن ملف السمسرة العقارية في مصر دخل مرحلة جديدة عنوانها التنظيم الإلزامي والرقابة الأوسع. وبين القانون الصادر في أبريل 2022، والتعديلات التنفيذية المنشورة في يناير 2026، والمهلة التي تنتهي في يوليو 2026، تبدو الدولة ماضية في إعادة ضبط هذا النشاط على أسس قانونية ومهنية أكثر وضوحًا.

وفي هذا الإطار، يكتسب تصريح النائب أسامة مدكور أهمية خاصة، لأنه يضع القضية في موقعها الصحيح: حماية المواطنين أولًا، ثم دعم سوق عقاري أكثر شفافية وكفاءة، بما يخدم الاقتصاد الوطني ويحد من العشوائية التي لازمَت المهنة لسنوات.