Akhbar Cairo

تهديدات إسرائيلية بعد صعود فيلم «نازا» من غزة إلى البندقية

من مهرجان البندقية إلى قلب المعركة على الرواية

لم يعد الجدل حول فيلم «نازا» مجرد نقاش سينمائي عابر، بل تحوّل سريعاً إلى اختبار سياسي وأخلاقي داخل إسرائيل وخارجها. فبعد العرض العالمي الأول للفيلم في الدورة الثالثة والثمانين من مهرجان البندقية السينمائي، تصاعدت ردود الفعل الرسمية الغاضبة، وفي مقدمتها موقف وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي ميكي زوهر، الذي ارتبط اسمه في وسائل إعلام دولية بانتقادات حادة للعمل وبالدعوة إلى إجراءات عقابية ضد صنّاعه. وفي قلب هذه الأزمة يقف سؤال أبعد من الفيلم نفسه: ماذا يحدث حين تنتقل شهادات من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى شاشة دولية كبرى؟

الفيلم أخرجه الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور، وهما من الأسماء التي اكتسبت حضوراً عالمياً بعد مشاركتهما في الفيلم الوثائقي «لا أرض أخرى» الفائز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي طويل في مارس/آذار 2025. هذا الرصيد السابق منح «نازا» زخماً إضافياً قبل عرضه، لكنه جعل رد الفعل الرسمي الإسرائيلي أكثر حساسية أيضاً، لأن المسألة هنا لا تتعلق بمخرجين هامشيين، بل بصنّاع أعمال صار لهم وزن في دوائر السينما الدولية.

ماذا نعرف يقيناً عن «نازا»؟

بحسب البيانات المنشورة عن الفيلم في البرنامج الرسمي لـلا بينالي دي فينيسيا (@labiennale على إنستغرام)، عُرض «نازا» ضمن المسابقة الرسمية في مهرجان البندقية 2026، وكان الوثائقي الوحيد في المنافسة الرئيسية على الأسد الذهبي. كما توضح المواد التعريفية للمهرجان أن الفيلم يستند إلى شهادات 24 شخصاً من المطلعين والعسكريين الإسرائيليين، بينهم عناصر استخبارات وجنود، تحدثوا عن آليات الاستهداف والقتل في حرب غزة وكيفية اتخاذ القرارات داخل المنظومة العسكرية.

هذه النقطة مهمة جداً في فهم سبب الانفجار السياسي اللاحق. فالفيلم، وفق ما ظهر في التغطيات المتقاطعة، لا يقدّم اتهامات من خارج إسرائيل فقط، بل يبني مادته الأساسية على شهادات صادرة من داخل البنية التي نفذت الحرب نفسها. ولهذا فإن وقع الفيلم في المجال العام الإسرائيلي يبدو مختلفاً عن وقع أي تقرير حقوقي أو بيان أممي، لأن مصدر الشهادة هنا جزء من المؤسسة لا خصمها التقليدي.

التصفيق الطويل ليس تفصيلاً بروتوكولياً

التفاعل مع العرض الأول لم يكن محدوداً. فقد نقلت تغطيات صحفية دولية وعربية أن الفيلم حظي بتصفيق وقوفاً استمر نحو 25 دقيقة بعد عرضه في البندقية، وهو رقم استثنائي في تقاليد المهرجان، وأحد المؤشرات على أن العمل لم يُستقبل كوثائقي عادي، بل كحدث سياسي وثقافي ضاغط. وفي بيئة مثل مهرجان البندقية، حيث تتقاطع السينما مع الرأي العام الأوروبي والدولي، يصبح هذا النوع من الاستقبال رسالة تتجاوز القيمة الفنية إلى الاعتراف بقوة المادة التي يقدمها الفيلم.

ومن منظور مصري وعربي، فإن هذه اللحظة تكشف كيف انتقل ملف غزة من نشرات الأخبار والبيانات الإنسانية إلى ساحة الثقافة العالمية بوصفه موضوعاً يصعب احتواؤه أو عزله. حين يصفق جمهور مهرجان بهذا الشكل لوثائقي عن غزة، فالمسألة ليست فقط تعاطفاً مع الضحايا، بل أيضاً إقرار بأن الرواية الرسمية الإسرائيلية لم تعد قادرة على احتكار تفسير ما جرى.

أين تقف تهديدات ميكي زوهر؟

المتاح من المصادر الموثوقة يؤكد أن ميكي زوهر، وزير الثقافة والرياضة في إسرائيل، هاجم الفيلم بشدة بعد بروزه في البندقية، في سياق أوسع من اعتراضه المتكرر على الأعمال التي يرى أنها تسيء إلى صورة الجيش الإسرائيلي أو الدولة. لكن ما ينبغي التوقف عنده هو أن الحديث عن سحب الجنسية يندرج، سياسياً، ضمن خطاب الردع أكثر من كونه مجرد تعليق انفعالي. حتى عندما لا تتحول هذه التهديدات فوراً إلى إجراء قانوني ناجز، فهي تؤدي وظيفة واضحة: ترهيب الأصوات المخالفة، ووضع كلفة شخصية ومهنية على كل من يحاول نقل سردية مناقضة للرواية الرسمية.

بكلمات أخرى، ليست القضية أن وزيراً غاضباً هاجم فيلماً، بل أن السلطة السياسية تتعامل مع العمل الفني بوصفه تهديداً أمنياً أو وطنياً. وهنا تتقاطع الثقافة مع منظومة العقاب. هذه ليست سابقة معزولة في إسرائيل؛ فالسينما هناك تعيش منذ سنوات تحت ضغط تمويلي وتشريعي متزايد كلما اقتربت من ملفات الاحتلال، والجيش، والفلسطينيين.

لماذا يخيف الفيلم المؤسسة الرسمية؟

لأن «نازا» لا يناقش فقط نتائج الحرب، بل يسائل منطقها الداخلي. التغطيات المتاحة عن الفيلم تشير إلى أنه يعرض شهادات عن الاستهداف القائم على المراقبة والتقنيات والقتل عن بُعد، بما في ذلك أدوار مرتبطة بالتحليل الاستخباراتي واختيار الأهداف. هذا النوع من السرد ينسف الحجة الإسرائيلية المألوفة التي تختزل سقوط المدنيين في «أخطاء فردية» أو «أضرار جانبية». وإذا اقتنع الرأي العام بأن هناك نمطاً مؤسسياً لا حوادث متفرقة، فإن الجدل ينتقل من أخلاقيات الحرب إلى بنية القرار العسكري نفسه.

لهذا يمكن فهم العصبية السياسية تجاه الفيلم باعتبارها معركة استباقية على التأثير. فالمهرجانات الكبرى لا تمنح جوائز فقط؛ إنها تنتج شرعية رمزية. وعندما يدخل فيلم عن غزة إلى المسابقة الرسمية في البندقية ويحمل أسماءً سبق أن وصلت إلى الأوسكار، فإن احتمالات تحوله إلى مرجع بصري وسياسي ترتفع كثيراً.

السياق الأوسع: غزة ما زالت جرحاً مفتوحاً

الحديث عن الفيلم لا يمكن عزله عن الواقع الميداني. فالتقارير الإنسانية الصادرة في سبتمبر/أيلول 2026 تواصل الإشارة إلى أوضاع كارثية في قطاع غزة، من بينها اتساع انعدام الأمن المائي وتعطل الإمدادات الإنسانية والاعتماد الكبير على المساعدات. وفي تقرير إنساني أممي بتاريخ 11 سبتمبر/أيلول 2026، أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن 91% من الأسر التي جرى تقييمها في غزة تواجه مستويات متوسطة إلى مرتفعة من انعدام الأمن المائي. هذه الأرقام لا تثبت ما في الفيلم وحدها، لكنها تشرح لماذا يجد العمل هذا الصدى: لأنه يأتي بينما الكلفة الإنسانية للحرب ما زالت ماثلة يومياً.

وبالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه الزاوية أكثر أهمية من متابعة السجال الثقافي المجرد. مصر، بحكم الجغرافيا والدور السياسي والإنساني، ليست بعيدة عن تداعيات غزة. لذلك فإن أي عمل يوثق آليات الاستهداف داخل الحرب لا يخص دوائر الفن الأوروبية فقط، بل يلامس نقاشاً إقليمياً حول العدالة والمساءلة وحدود القوة العسكرية.

ما الذي تكشفه الواقعة عن إسرائيل نفسها؟

  • أولاً: هناك اتساع في الفجوة بين المؤسسة السياسية والتيارات الثقافية أو الصحفية التي ترفض الصمت.
  • ثانياً: السلطة لم تعد تكتفي بنفي الاتهامات، بل تسعى إلى نزع الشرعية عن من يطرحها.
  • ثالثاً: كلما خرجت الشهادة من الداخل الإسرائيلي نفسه، ازداد التوتر الرسمي، لأن ذلك يضعف سردية «التحيز الخارجي».
  • رابعاً: المعركة على غزة لم تعد ميدانية وإعلامية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة ذاكرة وصورة وأرشيف.

خلاصة تحليلية

إذا كان فيلم «نازا» قد فجّر هذا القدر من الغضب، فذلك لأنه أصاب نقطة حساسة: احتكار السرد. تهديدات ميكي زوهر لا تبدو، في هذا المعنى، مجرد رد فعل على وثائقي، بل محاولة لإرسال رسالة إلى كل فنان أو صحفي أو شاهد يفكر في كسر الإجماع الرسمي. لكن paradox اللحظة أن هذه التهديدات نفسها قد تمنح الفيلم عمراً أطول وتأثيراً أوسع؛ فكل محاولة لخنق رواية كهذه تجعل الفضول العالمي تجاهها أكبر.

في النهاية، قد يربح مسؤول جولة خطابية داخل السياسة الداخلية، لكن الأفلام التي تلتقط لحظة تاريخية دامية وتضعها أمام العالم تملك قدرة مختلفة على البقاء. ومن هذه الزاوية، فإن قضية «نازا» ليست فقط قصة فيلم عن غزة، بل قصة دولة تخشى أن تتحول شهادات أبنائها إلى وثيقة إدانة يصعب محوها.