تهديدات إيران لأوروبا: ردع سياسي أم توسيع لخطر المواجهة؟
رسالة إيرانية جديدة تتجاوز حدود الرد التقليدي
في أحدث مؤشر على اتساع دائرة التوتر الإقليمي، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إن أي دولة تتيح قواعدها أو منشآتها أو إمكاناتها لتنفيذ هجوم عسكري على إيران لا يمكنها أن تتوقع البقاء خارج نطاق الرد. الرسالة، التي صدرت خلال مؤتمر صحفي في طهران يوم الاثنين 24 أغسطس/آب 2026، حملت صياغة مباشرة تجاه أوروبا، بعدما أشار بقائي إلى أن القواعد والمنشآت العسكرية الأوروبية قد تصبح ضمن الأهداف إذا استُخدمت في أعمال عسكرية ضد بلاده.
أهمية هذا التصريح لا تكمن فقط في نبرته العالية، بل في توقيته أيضاً. فالمشهد الإقليمي يعيش بالفعل على إيقاع تصعيد متصل بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل وشبكة الحلفاء العسكريين من جهة أخرى. ولهذا، فإن التهديد الإيراني الجديد يبدو أقرب إلى محاولة رسم خطوط ردع مسبقة، لا مجرد تعليق دعائي عابر على تطورات الميدان.
ماذا قال إسماعيل بقائي فعلياً؟
بحسب ما أوردته تغطيات متطابقة صادرة في 24 أغسطس/آب 2026، شدد إسماعيل بقائي على أن استهداف “مصدر ومنشأ” أي عمل عدائي ضد إيران يُعد، من وجهة نظر طهران، حقاً مشروعاً في إطار الدفاع عن النفس. كما دعا الدول التي تتيح أراضيها أو قواعدها لمثل هذه العمليات إلى تحمل المسؤولية السياسية والقانونية عن ذلك. بعض التغطيات أشارت أيضاً إلى أن التصريحات جاءت رداً على تقارير غربية تتحدث عن احتمال استخدام قواعد على الأراضي الأوروبية في أي تحرك عسكري جديد ضد إيران.
في السياق نفسه، لفتت تقارير صحفية مصرية وعربية إلى أن بقائي أشار إلى معلومات تخص تحركات لطائرات أمريكية للتزود بالوقود، من طراز KC-135، قيل إنها أقلعت من بلغاريا، معتبراً أن أي انخراط من هذا النوع يتعارض مع القانون الدولي من وجهة نظر بلاده. ورغم تداول هذا التفصيل على نطاق إعلامي، فإن طبيعة هذه الادعاءات تظل مرتبطة بالرواية الإيرانية الرسمية، ولم أجد ما يسمح بتأكيدها من مصدر عسكري أوروبي علني مستقل حتى وقت الكتابة.
هل نحن أمام تهديد لأوروبا أم محاولة لردع واشنطن عبر أوروبا؟
من الناحية التحليلية، يبدو أن الرسالة الإيرانية تستهدف ثلاث دوائر في وقت واحد. الدائرة الأولى هي الولايات المتحدة نفسها، إذ تريد طهران القول إن أي بنية دعم لوجستي أو عملياتي للهجوم عليها ستُعامل باعتبارها جزءاً من الهجوم. الدائرة الثانية هي الحكومات الأوروبية، التي قد تجد نفسها مطالبة بإعادة حساب كلفة منح تسهيلات عسكرية، حتى لو لم تشارك مباشرة في القتال. أما الدائرة الثالثة فهي الرأي العام الدولي، حيث تحاول إيران تثبيت سردية مفادها أنها لا توسع الحرب، بل تحدد منذ الآن من تعتبره شريكاً في أي عدوان عليها.
لكن الفارق المهم هنا أن التهديد هذه المرة لا يقتصر على القواعد الأمريكية في المنطقة، بل يمد مظلة الردع إلى منشآت تقع داخل الفضاء الأوروبي إذا استُخدمت ضد إيران. وهذا التوسيع في الخطاب يعكس انتقالاً من منطق “الرد داخل المسرح الإقليمي” إلى منطق “تجريم شبكات الدعم العابرة للحدود”. عملياً، هذا لا يعني بالضرورة أن طهران قررت فتح مواجهة مع أوروبا، لكنه يعني أنها تريد رفع ثمن أي مساهمة أوروبية محتملة قبل وقوعها.
لماذا يهم هذا التطور القارئ في مصر؟
بالنسبة لمصر، لا يمكن النظر إلى هذا النوع من التصريحات باعتباره شأناً بعيداً. أي توتر إضافي بين إيران والغرب أو بين إيران وأوروبا ينعكس سريعاً على أمن الملاحة، وأسواق الطاقة، وكلفة التأمين البحري، وسلاسل الإمداد في المنطقة. ومصر بحكم موقعها الاستراتيجي وارتباطها المباشر بحركة التجارة العالمية عبر قناة السويس، تتأثر بصورة غير مباشرة بكل ما يمس استقرار الخليج ومضيق هرمز والبحر الأحمر.
كما أن القاهرة تتحرك، في العادة، من زاوية مختلفة عن منطق الاستقطاب الحاد. فالموقف المصري الرسمي في الأيام الأخيرة ركز بوضوح على التهدئة ورفض الحلول العسكرية. وزارة الخارجية المصرية نشرت خلال أغسطس/آب 2026 سلسلة مواقف واتصالات أكدت أن التصعيد الراهن في إيران والمنطقة يهدد الأمن والاستقرار الإقليميين، وأن الدبلوماسية والحوار يظلان السبيل الوحيد لمعالجة الأزمة. كما أجرى وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي اتصالات مع أطراف عربية وأوروبية وإيرانية لدعم خفض التصعيد والعودة إلى المسار التفاوضي.
الزاوية القانونية والسياسية: أين تقف حدود “حق الرد”؟
إيران تبرر خطابها بالاستناد إلى مبدأ الدفاع عن النفس، وهو مبدأ معروف في القانون الدولي، لكنه يبقى دائماً محل نزاع سياسي وقانوني عند التطبيق. فالسؤال المركزي ليس فقط: هل يحق للدولة الرد؟ بل: ما طبيعة الهدف الذي يمكن اعتباره جزءاً من العدوان؟ وهل يكفي تقديم تسهيلات أو دعم لوجستي أو فتح المجال أو القاعدة كي تصبح المنشأة هدفاً مشروعاً؟
هذا هو جوهر الإشكال الذي تحاول طهران حسمه مسبقاً لصالحها في الخطاب السياسي. أما في الواقع الدولي، فإن هذا النوع من التوسيع في تعريف “المشاركة في العدوان” يظل محل خلاف كبير، خصوصاً إذا تعلق بأراضي دول أوروبية عضو في ترتيبات أمنية معقدة داخل حلف شمال الأطلسي. ولهذا، فإن التهديد الإيراني قد يكون مفهوماً أيضاً باعتباره أداة ضغط سياسية أكثر منه إعلاناً لقرار عسكري وشيك.
أوروبا بين الحذر الأمني والحرج السياسي
أوروبا تجد نفسها هنا أمام معادلة صعبة. فمن جهة، لا تريد أن تبدو رخوة أمام التهديدات الإيرانية، ومن جهة أخرى تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة أوسع لا يخدم مصالحها، خصوصاً في ظل أزمات الطاقة والأمن والهجرة التي تتفاقم مع كل انفجار جديد في الشرق الأوسط. لذلك، قد تميل العواصم الأوروبية إلى الإبقاء على قدر من الغموض بشأن أي دور لوجستي أو عسكري مباشر، مع مضاعفة الرهان على الضغوط الدبلوماسية والعقوبات ورسائل الردع غير المباشر.
وإذا قرأنا التصريح الإيراني في هذا الإطار، يمكن القول إن طهران لا تراهن فقط على قدرتها العسكرية، بل على حساسية القرار الأوروبي تجاه المخاطر. فمجرد إدخال القواعد الأوروبية إلى معادلة التهديد يكفي لرفع مستوى القلق داخل المؤسسات الأمنية والسياسية في القارة، حتى لو لم يتحول ذلك إلى مواجهة فعلية.
ما الذي قد يحدث بعد ذلك؟
السيناريو الأول هو بقاء التصريحات في إطار الحرب النفسية والردع المتبادل، وهو السيناريو الأقل كلفة والأكثر ترجيحاً إذا نجحت الوساطات الجارية. السيناريو الثاني هو استمرار التصعيد اللفظي مع تحركات عسكرية غير مباشرة، مثل إعادة تموضع القوات أو تكثيف الأنشطة البحرية والجوية. أما السيناريو الأخطر فهو أن تقع ضربة جديدة ضد إيران من منصة أو قاعدة مرتبطة بأراضٍ أوروبية، بما يدفع طهران إلى اختبار تهديدها عملياً، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر اتساعاً من الاشتباك.
حتى الآن، تبدو مصر متمسكة بخيار احتواء الأزمة قبل أن تصل إلى هذه النقطة. وهذا الموقف يعكس إدراكاً عملياً بأن المنطقة لم تعد تحتمل حرباً إضافية مفتوحة، وأن أي شرارة جديدة ستتجاوز حدودها سريعاً إلى الاقتصاد والأمن والبحر والتجارة.
الخلاصة
تهديد إيران باستهداف قواعد ومنشآت عسكرية أوروبية إذا استُخدمت ضدها ليس مجرد عنوان صاخب؛ إنه رسالة سياسية مدروسة هدفها توسيع كلفة المشاركة في أي هجوم محتمل على طهران. لكن ما يحدد وزن هذه الرسالة في النهاية ليس قوة عباراتها، بل قدرة الأطراف المختلفة على كبح منطق التصعيد. بالنسبة للقارئ المصري، الأهم ليس فقط متابعة ما قاله إسماعيل بقائي، بل فهم ما يعنيه ذلك لمعادلة الأمن الإقليمي، ولموقع مصر في لحظة تتزايد فيها الحاجة إلى الدبلوماسية أكثر من أي وقت مضى.