Akhbar Cairo

تهديدات رضائي الرقمية: ماذا يعني استهداف كابلات الخليج؟

من التهديد العسكري إلى الضغط على البنية الرقمية

لم تعد رسائل التصعيد بين طهران وواشنطن محصورة في الصواريخ والقواعد العسكرية وناقلات النفط. في أحدث مؤشر على اتساع دائرة الردع، لوّح أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي بإمكان استهداف كابلات الإنترنت ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي المرتبطة بالولايات المتحدة في الخليج إذا تعرضت إيران لهجوم جديد. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام دولية عن تصريحات رضائي التي حملتها وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، فإن الحديث هذه المرة لا يدور فقط حول أهداف عسكرية تقليدية، بل عن الشرايين الرقمية التي تقوم عليها التجارة والخدمات والاتصالات في المنطقة.

أهمية هذا التلويح لا تكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته أيضًا. فالمنطقة تعيش أصلًا على إيقاع هشاشة أمنية متصاعدة منذ شهور، بينما أصبحت البنية التحتية الرقمية عنصرًا لا يقل حساسية عن خطوط الطاقة والممرات البحرية. وعندما يصدر مثل هذا التحذير من مسؤول إيراني بهذا المستوى، فإن الرسالة تتجاوز الضجيج الإعلامي إلى اختبار حدود الردع، وإلى تذكير خصوم طهران بأن كلفة أي مواجهة جديدة قد تمتد إلى الاقتصاد الرقمي نفسه.

ماذا قال رضائي تحديدًا؟

تقارير منشورة خلال الأسبوع الماضي أكدت أن رضائي تحدث عن كابلات ومراكز بيانات ومنشآت ذكاء اصطناعي في الخليج وفي محيط مضيق هرمز باعتبارها أصولًا أمريكية أو مرتبطة بالمصالح الأمريكية، محذرًا من أنها قد تدخل دائرة الاستهداف إذا تجددت الحرب. وكالة أسوشيتد برس أشارت إلى أن تصريحاته نُقلت عن وكالة إرنا الإيرانية الرسمية، بينما تناولت صحف عربية، بينها المصري اليوم، المضمون نفسه بصياغات متقاربة، ما يمنح أصل التصريح قدرًا معتبرًا من التحقق الصحفي.

لكن من المهم التوقف عند نقطة أساسية: حتى الآن لا توجد مؤشرات علنية موثقة على وقوع هجوم جديد من هذا النوع بالفعل، كما لا توجد تفاصيل تنفيذية أو أسماء منشآت بعينها أعلن عنها رسميًا. لذلك يبقى التصريح في نطاق التهديد السياسي-الأمني أكثر من كونه إعلانًا عن عملية وشيكة.

لماذا أصبحت الكابلات ومراكز البيانات هدفًا محتملًا؟

السبب بسيط ومعقد في الوقت نفسه. الكابلات البحرية والبرية لم تعد مجرد بنية اتصالات تقنية، بل هي العمود الفقري للاقتصاد الحديث: المدفوعات العابرة للحدود، الحوسبة السحابية، أسواق المال، الخدمات الحكومية، الإعلام، التجارة الإلكترونية، وحتى أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على مراكز بيانات ضخمة وقدرات اتصال فائقة. ولهذا فإن التهديد بها يوازي عمليًا تهديدًا بتعطيل الحياة الاقتصادية دون الحاجة إلى احتلال أرض أو ضرب منشأة نفطية.

تحليلات متخصصة من TeleGeography، وهي من أبرز الجهات الدولية المتابعة لخرائط الكابلات البحرية، تشير إلى أن الخليج يمتلك مزيجًا من الكابلات البحرية والروابط البرية البديلة، وأن دولًا مثل البحرين وقطر والكويت ترتبط أيضًا بشبكات برية عبر السعودية، بينما تتمتع الإمارات بميزة إضافية تتمثل في وجود كابلات مهمة على سواحل الفجيرة المطلة على خليج عُمان لا داخل الخليج العربي فقط. غير أن هذه البدائل لا تعني حصانة كاملة؛ إذ تؤكد التحليلات نفسها أن الطاقة الاستيعابية للمسارات البرية قد لا تكفي لتعويض كامل إذا تعرضت مسارات بحرية رئيسية لضرر واسع.

مضيق هرمز: الاختناق البحري والرقمي معًا

عادة ما يُنظر إلى مضيق هرمز باعتباره ممرًا حاسمًا لشحنات النفط والغاز، لكن قيمته في عالم الاتصالات لا تقل حساسية. المنطقة المحيطة به تضم مسارات كابلات ومحطات إنزال وشبكات مراكز بيانات تخدم الخليج والأسواق الدولية. لهذا فإن أي تهديد هناك لا يضغط فقط على أسعار الطاقة، بل يثير أيضًا أسئلة حول استمرارية الخدمات الرقمية والربط بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.

اللافت أن الحديث عن استهداف الكابلات يتقاطع مع تصاعد الاهتمام العالمي بحماية البنية التحتية تحت البحر، بعد سنوات من تنامي الاعتماد على الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. فكلما زاد اعتماد الحكومات والشركات على البيانات، ارتفع الوزن الاستراتيجي للمسارات التي تنقلها.

ماذا يعني ذلك لمصر؟

بالنسبة للقارئ المصري، لا تبدو القضية بعيدة كما قد توحي الجغرافيا. مصر ليست فقط دولة مطلة على ممرات بحرية حيوية، بل هي أيضًا عقدة رئيسية في حركة الاتصالات الدولية بين الشرق والغرب. خرائط الكابلات الحديثة الصادرة عن TeleGeography تُظهر بوضوح كثافة الهبوطات الكابلية في مصر، كما تبرز الدور المتنامي الذي تلعبه المصرية للاتصالات في ربط البحرين الأحمر والمتوسط عبر مسارات أرضية متنوعة داخل سيناء وعلى جانبي قناة السويس.

هذا يعني أن أي اضطراب واسع في الخليج يمكن أن يعيد توجيه الأنظار أكثر إلى المسارات البديلة عبر مصر، وفي الوقت نفسه قد يرفع من قيمة التأمين والحماية والاستثمار في المرونة الشبكية. من هنا، فإن التهديد الإيراني، حتى لو بقي في إطار الرسائل، يسلط الضوء على حقيقة أن الأمن القومي لم يعد منفصلًا عن أمن البيانات والاتصالات.

هل المنطقة مكشوفة فعلًا؟

الإجابة الأدق: ليست مكشوفة بالكامل، لكنها ليست محصنة أيضًا. دول الخليج راكمت خلال السنوات الأخيرة استثمارات كبيرة في مراكز البيانات والربط السحابي، مستفيدة من موقعها بين آسيا وأوروبا وأفريقيا ومن الطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي. لكن الاعتماد على نقاط عبور بعينها، وعلى منشآت عالية الكلفة وسهلة التأثير الرمزي، يجعل هذه البنية هدفًا مغريًا في منطق الردع المتبادل.

من الناحية العملية، أي هجوم واسع على الكابلات أو مراكز البيانات لن يؤدي بالضرورة إلى “إطفاء الإنترنت” بالكامل، لأن الشبكات الحديثة مصممة بدرجات من التكرار والبدائل. لكن الأثر قد يظهر في صورة بطء، ارتفاع كلفة النقل، اضطراب خدمات سحابية، وتأخير في تعاملات الشركات والأسواق. وفي بيئة مشحونة أصلًا، يكفي هذا النوع من الإرباك لخلق موجة قلق اقتصادي تتجاوز مكان الضربة نفسها.

بين الرسالة السياسية والقدرة الفعلية

في قسم تحليلات ورأي، الأهم ليس ترديد التهديد بحرفيته، بل قراءة ما وراءه. رضائي لا يتحدث هنا كمسؤول يلوّح بسلاح تقليدي فقط، بل كصاحب رسالة تقول إن طهران مستعدة لنقل ساحة الاشتباك إلى البنية التحتية ذات القيمة العليا للولايات المتحدة وشركائها. وهذه صياغة تنسجم مع تطور مفهوم الحرب في المنطقة: من استهداف القواعد والموانئ إلى استهداف تدفق الطاقة والبيانات معًا.

ومع ذلك، ينبغي الحذر من المبالغة. فتنفيذ ضربات مؤثرة ضد بنية رقمية إقليمية أو عابرة للحدود ليس أمرًا بسيطًا، وتبعاته السياسية والاقتصادية قد ترتد على أطراف عديدة، بينها دول لا ترغب طهران في خسارتها. لذلك قد يكون المقصود من التصريحات أساسًا تعظيم كلفة الردع ورفع سقف التهديد، أكثر من إعلان نية فورية لتنفيذ هجمات على هذا المستوى.

خلاصة المشهد

تهديد محسن رضائي يكشف بوضوح أن معارك الشرق الأوسط لم تعد تُقرأ فقط عبر خرائط الصواريخ والأساطيل، بل أيضًا عبر خرائط الكابلات ومراكز البيانات والخدمات السحابية. وفي منطقة مثل الخليج، حيث يتقاطع النفط مع الألياف الضوئية، يصبح أي تصعيد عسكري تهديدًا مزدوجًا: للاقتصاد المادي والاقتصاد الرقمي في آن واحد.

بالنسبة لمصر، الرسالة الأهم هي أن قيمة الموقع الجغرافي لم تعد تقاس بالممرات البحرية فقط، بل كذلك بممرات البيانات. وإذا كان الخليج يواجه اختبار هشاشة البنية الرقمية تحت الضغط الجيوسياسي، فإن القاهرة تملك فرصة لتعزيز دورها كعقدة اتصالات أكثر أهمية، بشرط استمرار الاستثمار في التنوع والمسارات البديلة والحماية التقنية. في النهاية، الحرب الحديثة لا تبحث فقط عن إسكات المدافع، بل عن قطع الإشارة أيضًا.