Akhbar Cairo

توتر بين طهران وبرلين بعد أحكام هامبورج في قضية تجسس

تصعيد جديد في العلاقات بين إيران وألمانيا

دخلت العلاقات الإيرانية الألمانية مرحلة جديدة من التوتر، بعدما استدعت وزارة الخارجية الإيرانية السفير الألماني لدى طهران أكسل ديتمان إلى مقرها، للاحتجاج على ما وصفته طهران بمواقف وتصريحات ألمانية “ازدرائية” تجاه الجمهورية الإسلامية. وجاء هذا التحرك بعد أيام قليلة من أحكام قضائية صدرت في مدينة هامبورج الألمانية في قضية شديدة الحساسية تتعلق بالتجسس والتخطيط لهجمات ضد شخصيات بارزة مؤيدة لإسرائيل داخل ألمانيا.

التطور لا يبدو معزولًا عن سياق أوسع من التدهور في الثقة بين البلدين، خصوصًا في ظل تراكم ملفات خلافية تشمل الأمن، والعقوبات، وحقوق الإنسان، وسياسة إيران الإقليمية، فضلًا عن اتهامات ألمانية متكررة تتعلق بنشاط أجهزة مرتبطة بطهران على الأراضي الأوروبية.

ما الذي حدث في هامبورج؟

بحسب تقارير إعلامية ألمانية ودولية صدرت في منتصف أكتوبر 2026، أصدرت المحكمة الإقليمية العليا في هامبورج أحكامًا بالسجن على رجلين، أحدهما دنماركي يبلغ 54 عامًا والآخر أفغاني يبلغ 43 عامًا، بعد إدانتهما في قضية مرتبطة بأنشطة استخباراتية ومحاولة الإعداد لهجمات داخل ألمانيا. وذكرت التغطيات أن المحكمة قضت بالسجن لمدة 8 سنوات ونصف للأول و4 سنوات ونصف للثاني.

السلطات الألمانية قالت إن القضية ارتبطت بجمع معلومات عن شخصيات تمثل مؤسسات يهودية أو داعمة لإسرائيل في ألمانيا، من بينها جوزيف شوستر، رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، وفولكر بيك، السياسي السابق ورئيس الجمعية الألمانية-الإسرائيلية. كما أشارت تقارير ألمانية إلى أن المحكمة رأت أن المتهم الرئيسي تلقى تكليفات مرتبطة بما يعرف بـفيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني.

لماذا استدعت طهران السفير الألماني؟

وسائل إعلام إيرانية رسمية أفادت بأن الاستدعاء تم يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، حيث أبلغ مسؤولون في الخارجية الإيرانية السفير الألماني احتجاجًا رسميًا على المواقف التي صدرت من مسؤولين ألمان عقب القضية. وذكرت هذه التقارير أن طهران اعتبرت الاتهامات الألمانية جزءًا من نهج سياسي عدائي، لا يستند إلى قراءة متوازنة للوقائع.

الرسالة الإيرانية حملت بعدين واضحين: الأول رفض الربط بين الدولة الإيرانية والقضية التي نظرتها محكمة هامبورج، والثاني الاعتراض على لهجة برلين التي تعاملت مع القضية باعتبارها تهديدًا أمنيًا مباشرًا تمس جذوره مؤسسات إيرانية. بهذا المعنى، فإن استدعاء أكسل ديتمان لم يكن إجراءً بروتوكوليًا فحسب، بل إشارة سياسية إلى أن طهران اختارت الرد العلني على التصعيد الألماني.

برلين ردت أولًا باستدعاء السفير الإيراني

قبل خطوة طهران، كانت ألمانيا قد استدعت السفير الإيراني في برلين مجيد نيلي أحمد آبادي، وذلك بعد صدور الأحكام في هامبورج. الخارجية الألمانية أعلنت في 19 أكتوبر 2026 أنها تدين ما وصفته بأنشطة إيرانية بأشد العبارات، مؤكدة أنها لن تتسامح مع أي تهديد يستهدف الحياة اليهودية أو من يدافعون عنها داخل ألمانيا.

هذا الترتيب الزمني مهم لفهم طبيعة الأزمة الحالية: برلين بدأت بالاستدعاء الدبلوماسي، وطهران ردت بالمثل. وبالتالي فنحن أمام أزمة متبادلة، لا مجرد احتجاج أحادي الجانب. ويعني ذلك أن القضية مرشحة للاستمرار لبعض الوقت، حتى إذا لم تصل إلى مستوى خفض التمثيل الدبلوماسي أو اتخاذ إجراءات أشد.

من هو أكسل ديتمان؟

أكسل ديتمان هو السفير الألماني المعتمد لدى إيران منذ عام 2025، وفق بيانات وزارة الخارجية الألمانية وسفارة ألمانيا في طهران. ويعد من الدبلوماسيين الذين تولوا ملفات سياسية حساسة في السلك الخارجي الألماني، ويقود البعثة الألمانية في طهران في فترة توصف بأنها من الأكثر تعقيدًا في العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن استدعاء السفير في مثل هذا التوقيت يعكس أن الخلاف لم يعد محصورًا في بيانات صحفية أو مواقف إعلامية، بل دخل فعليًا إلى مربع الاحتجاجات الرسمية المتبادلة، وهو تقليد دبلوماسي يُستخدم عادة عندما ترغب دولة ما في إيصال رسالة اعتراض قوية من دون الوصول إلى القطيعة.

خلفية أوسع للأزمة بين البلدين

العلاقات بين ألمانيا وإيران شهدت خلال الفترة الماضية محطات توتر متلاحقة، من بينها الخلاف حول الملف النووي، والعقوبات الأوروبية، وملف الحرس الثوري، والاحتجاجات الداخلية في إيران، إضافة إلى تحذيرات أمنية ألمانية متكررة بشأن ما تسميه برلين “تهديدات هجينة” أو أنشطة استخباراتية عابرة للحدود.

وزارة الخارجية الألمانية تشير في موادها التعريفية الرسمية إلى أن الحكومة الاتحادية تبدي قلقًا خاصًا من أوضاع حقوق الإنسان في إيران، ومن برنامجها النووي، ومن سياساتها الإقليمية. كما تظهر بياناتها المحدثة أن برلين تبقي على نظرة أمنية متشددة تجاه التعامل مع طهران، في ظل مناخ إقليمي ودولي مضطرب.

وفي المقابل، تتمسك إيران بأن دولًا أوروبية، بينها ألمانيا، تتبنى مواقف سياسية منحازة ضدها، وتستخدم ملفات أمنية وقضائية للضغط عليها دبلوماسيًا. لذلك تنظر طهران إلى مثل هذه الأحكام والبيانات على أنها ليست قانونية فقط، بل جزء من معركة رواية سياسية أوسع.

ما دلالة الأزمة على المشهد الأوروبي الأوسع؟

القضية تتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين طهران وبرلين. فألمانيا تعد لاعبًا أساسيًا داخل الاتحاد الأوروبي، وأي تصعيد بينها وبين إيران ينعكس على مناخ النقاش الأوروبي بشأن العقوبات، وتصنيف الكيانات المرتبطة بإيران، والتعامل الأمني مع أي أنشطة يُشتبه في ارتباطها بطهران داخل القارة.

كما أن تركيز برلين على حماية المؤسسات والشخصيات اليهودية داخل ألمانيا يمنح القضية وزنًا داخليًا خاصًا، لأن هذا الملف يحظى بحساسية سياسية وأمنية كبيرة في الخطاب الرسمي الألماني. من هنا، يصعب توقع تراجع سريع في اللهجة الألمانية، حتى لو حرص الطرفان على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة.

ماذا بعد؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات مؤكدة على اتخاذ إجراءات دبلوماسية أكبر، مثل طرد السفراء أو تقليص مستوى التمثيل. لكن المؤكد أن الأزمة الحالية ستزيد من برودة العلاقات بين البلدين، وربما تدفع نحو مزيد من التدقيق الألماني والأوروبي في أي ملفات أمنية تمس إيران.

وبالنسبة للمتابع في مصر والمنطقة، تكشف هذه الأزمة كيف يمكن لقضية منظورة أمام محكمة محلية في مدينة أوروبية مثل هامبورج أن تتحول سريعًا إلى أزمة سياسية دولية. فعندما تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الملفات الجيوسياسية، تصبح المحاكمات الجنائية جزءًا من مشهد دبلوماسي أوسع، وتتحول بيانات الاستدعاء إلى رسائل نفوذ بقدر ما هي احتجاجات رسمية.

في المحصلة، يبدو أن استدعاء إيران للسفير الألماني أكسل ديتمان ليس حدثًا عابرًا، بل حلقة جديدة في مسار متوتر بين الجانبين. وما لم تظهر تهدئة سياسية واضحة، فمن المرجح أن تبقى قضية هامبورج واحدة من أبرز عناوين الشد والجذب بين طهران وبرلين خلال الأسابيع المقبلة.