توتر رقمي بين بكين وبروكسل بعد غرامة «علي إكسبرس»
تصعيد جديد في النزاع الرقمي بين الصين والاتحاد الأوروبي
يتجه الخلاف التجاري والتقني بين بكين وبروكسل إلى مرحلة أكثر حساسية بعد الغرامة الضخمة التي فرضتها المفوضية الأوروبية على منصة علي إكسبرس، التابعة لمجموعة علي بابا. ففي 20 يوليو 2026 أعلنت المفوضية تغريم المنصة 550 مليون يورو بدعوى الإخفاق في الوفاء بالتزاماتها المنصوص عليها في قانون الخدمات الرقمية الأوروبي، ولا سيما ما يتعلق بتقييم المخاطر والحد من انتشار السلع غير القانونية أو غير الآمنة أو المقلدة عبر المنصة.
القرار الأوروبي لم يمر بهدوء في بكين. إذ أبدت وزارة التجارة الصينية اعتراضًا واضحًا على الخطوة، معتبرة أن الاتحاد الأوروبي يستخدم أدوات التنظيم الرقمي بصورة تضع أعباء إضافية على شركات التجارة الإلكترونية الصينية العاملة في أوروبا. ويعكس هذا الرد أن القضية لم تعد مجرد ملف تقني خاص بحوكمة المنصات، بل أصبحت جزءًا من التوتر الأوسع في العلاقات الاقتصادية بين الجانبين.
لماذا عاقب الاتحاد الأوروبي «علي إكسبرس»؟
بحسب بيان المفوضية الأوروبية، فإن التحقيق الرسمي في المنصة بدأ في 14 مارس 2024، في إطار تطبيق قواعد قانون الخدمات الرقمية على المنصات الإلكترونية الكبرى. وخلصت بروكسل إلى أن «علي إكسبرس» لم تتعامل بالشكل الكافي مع المخاطر المرتبطة ببيع منتجات غير مشروعة أو خطرة أو مقلدة داخل السوق الأوروبية، وهو ما عدّته المفوضية إخلالًا بالتزامات قانونية أساسية لحماية المستهلكين في دول الاتحاد.
ويعد قانون الخدمات الرقمية أحد أهم الأطر التنظيمية الأوروبية الحديثة للمنصات الإلكترونية، وقد أصبح ساري التطبيق بصورة مباشرة في الاتحاد الأوروبي منذ 17 فبراير 2024. ويمنح هذا القانون بروكسل صلاحيات أوسع لمراقبة المنصات الكبرى وفرض غرامات قد تصل إلى 6% من الإيرادات السنوية العالمية للشركة المخالفة إذا ثبت عدم الامتثال.
وفي حالة «علي إكسبرس»، قالت المفوضية إن المخالفات تتعلق بضعف تقييم المخاطر والتخفيف منها، خصوصًا في ما يخص السلع غير القانونية وغير الآمنة، إلى جانب ثغرات في آليات الرقابة على ما يُعرض للبيع على المنصة. كما أشارت البيانات الأوروبية إلى أن المنصة مُنحت مهلة حتى 20 أكتوبر 2026 لتقديم خطة عمل توضح الإجراءات التصحيحية المطلوبة.
ماذا قالت الصين؟
الرد الصيني جاء في سياق انتقاد أوسع للسياسات التجارية والتنظيمية الأوروبية تجاه الشركات الصينية. فوزارة التجارة في بكين اعتبرت أن الاتحاد الأوروبي يوسّع من استخدام قواعده التنظيمية بما يخلق، من وجهة النظر الصينية، حواجز رقمية أمام النشاط الطبيعي لشركات التجارة الإلكترونية الصينية في السوق الأوروبية.
وبرغم أن الصياغات الرسمية الصينية في الأسابيع الأخيرة ركزت في أكثر من مناسبة على ضرورة حماية الحقوق المشروعة للشركات الصينية في مواجهة ما تصفه بكين بإجراءات أوروبية تمييزية، فإن أهمية ملف «علي إكسبرس» تكمن في أنه يربط بين التجارة الرقمية والاحتكاك الجيو اقتصادي بين الطرفين. ففي 29 يونيو 2026 عقد وزير التجارة الصيني وانغ ون تاو مع مفوض الاتحاد الأوروبي للتجارة والأمن الاقتصادي ماروش شيفتشوفيتش أول اجتماع ضمن آلية المشاورات التجارية والاستثمارية بين الصين والاتحاد الأوروبي في بروكسل، وهو ما يعكس أن قنوات الحوار ما زالت مفتوحة رغم تصاعد الخلافات.
قضية تتجاوز منصة واحدة
لا تبدو غرامة «علي إكسبرس» حدثًا منفصلًا عن التوجه الأوروبي الأشمل نحو تشديد الرقابة على المنصات العملاقة، سواء كانت أمريكية أو صينية. فبروكسل كثّفت خلال العامين الماضيين من استخدام قانون الخدمات الرقمية لملاحقة ملفات تتعلق بسلامة المستخدمين، والمنتجات المقلدة، وشفافية الإعلانات، وآليات التوصية بالمحتوى والسلع.
وفي هذا الإطار، ترى المؤسسات الأوروبية أن تشديد القواعد بات ضروريًا مع اتساع الاعتماد على التجارة الإلكترونية العابرة للحدود. أما الصين فتنظر إلى بعض هذه الإجراءات باعتبارها جزءًا من بيئة أكثر صعوبة تواجهها شركاتها في أوروبا، خصوصًا مع تصاعد التحقيقات التجارية والصناعية في ملفات أخرى تتجاوز الاقتصاد الرقمي.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن المنصات الكبرى المصنفة ضمن الفئة الخاضعة لأقسى مستويات الرقابة الأوروبية تخضع لمتطلبات خاصة بسبب حجمها وتأثيرها الواسع داخل الاتحاد. وكانت المفوضية الأوروبية قد أدرجت «علي إكسبرس» ضمن هذه الفئة في قراراتها الأولى الخاصة بالمنصات الكبرى الصادرة في 25 أبريل 2023.
ماذا يعني ذلك للمستهلكين والأسواق؟
بالنسبة للمستهلك الأوروبي، تحاول بروكسل تقديم هذه الغرامات باعتبارها وسيلة لحماية السوق من المنتجات الخطرة والمزيفة وتحسين مستوى المساءلة على المنصات الرقمية. لكن بالنسبة للشركات، وخصوصًا الشركات الصينية، فإن الرسالة تبدو أكثر تعقيدًا: العمل داخل أوروبا بات يرتبط بتكاليف امتثال أعلى، ورقابة أدق، ومخاطر تنظيمية لا يمكن تجاهلها.
وفي مصر والمنطقة العربية، تُتابَع هذه التطورات باهتمام لأنها تكشف كيف تتحول التجارة الإلكترونية من مجرد نشاط بيع وشراء عبر الإنترنت إلى ساحة تنافس سياسي وتجاري عالمي. فكل تشديد تنظيمي داخل سوق بحجم الاتحاد الأوروبي ينعكس بصورة أو بأخرى على سلاسل الإمداد، وأسعار بعض السلع، ونماذج عمل المنصات الدولية.
كما أن القضية تسلط الضوء على سؤال أكبر يهم المتابع العربي: إلى أي مدى يمكن أن تتحول قوانين تنظيم الفضاء الرقمي إلى أدوات نفوذ اقتصادي وجيوسياسي؟ الإجابة لم تعد نظرية، لأن الصدام الحالي بين الاتحاد الأوروبي والصين يُظهر أن المنصات الإلكترونية باتت في قلب التوازنات الدولية الجديدة.
السيناريو المقبل بين بكين وبروكسل
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على تراجع أوروبي عن القرار، كما لا يظهر أن بكين ستتعامل مع الملف باعتباره مسألة فنية محدودة. ومن المرجح أن تسعى «علي إكسبرس» إلى تقديم خطة امتثال خلال المهلة المحددة، بالتوازي مع استمرار الضغط السياسي الصيني لاحتواء تداعيات القضية على شركاتها الأخرى.
المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت القضية ستتوقف عند حدود الغرامة والتنظيم، أم أنها ستصبح حلقة جديدة في سلسلة الاحتكاكات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي. لكن المؤكد أن غرامة 550 مليون يورو على «علي إكسبرس» لم تعد مجرد خبر اقتصادي عابر، بل تحولت إلى عنوان بارز في معركة النفوذ على مستقبل التجارة الرقمية العالمية.
أبرز النقاط في القضية
- 20 يوليو 2026: المفوضية الأوروبية تعلن تغريم «علي إكسبرس» 550 مليون يورو.
- 14 مارس 2024: بداية التحقيق الرسمي الأوروبي في المنصة.
- 17 فبراير 2024: بدء التطبيق المباشر لقانون الخدمات الرقمية في الاتحاد الأوروبي.
- 20 أكتوبر 2026: آخر موعد أمام «علي إكسبرس» لتقديم خطة عمل تصحيحية.
- وانغ ون تاو وماروش شيفتشوفيتش قادا في يونيو 2026 مشاورات تجارية بين الجانبين في بروكسل.