Akhbar Cairo

توجيهات السيسي لإعادة هيكلة جهاز المشروعات: ما الذي يجب أن يتغير؟

إشارة سياسية جديدة.. لكن الاختبار الحقيقي في التنفيذ

يأتي توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بإعادة هيكلة جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر في توقيت شديد الحساسية للاقتصاد المصري، حيث تتزايد الحاجة إلى توسيع القاعدة الإنتاجية، وتخفيف الضغوط على سوق العمل، وفتح مسارات أسرع أمام الشباب للدخول إلى النشاط الاقتصادي الرسمي. ورغم أن دعم هذا القطاع ظل حاضرًا في الخطاب الرسمي منذ سنوات، فإن الحديث هذه المرة عن إعادة هيكلة يحمل دلالة مختلفة: المشكلة لم تعد في نقص المبادرات فقط، بل في طريقة عمل المنظومة نفسها.

البيانات الرسمية تُظهر أن الجهاز ليس كيانًا هامشيًا. فبحسب الموقع الرسمي لجهاز تنمية المشروعات، أُنشئ الجهاز بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 947 لسنة 2017 ليكون الجهة المعنية بتنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر وريادة الأعمال في مصر، ويعمل عبر 31 مكتبًا إقليميًا و33 وحدة شباك واحد، مع شبكة واسعة من الجمعيات الأهلية وفروع البنوك على مستوى الجمهورية. هذا الحجم المؤسسي يعني أن أي إعادة تنظيم داخله لن تكون مسألة إدارية بسيطة، بل خطوة تمس أحد أهم أذرع الدولة في ملف التشغيل والتنمية المحلية.

لماذا تبدو إعادة الهيكلة مطلوبة الآن؟

السبب الأول هو أن الاقتصاد المصري يحتاج، أكثر من أي وقت، إلى تحويل الدعم المعلن للمشروعات الصغيرة إلى زيادة فعلية في الإنتاج، لا إلى مجرد توسع في عدد القروض أو الملفات المفتوحة. التجربة المصرية خلال السنوات الماضية أثبتت أن توفير التمويل وحده لا يكفي إذا ظل المستثمر الصغير يواجه دورة طويلة من الموافقات، وصعوبة في استخراج التراخيص، وتعقيدًا في الوصول إلى الأراضي أو الوحدات الإنتاجية أو قنوات التسويق.

ومن هنا يمكن فهم مغزى الربط بين إعادة هيكلة الجهاز وبين تبسيط الإجراءات ودعم الشباب وزيادة الإنتاج. فالدولة المصرية نفسها تتحرك مؤخرًا باتجاه أوسع لتخفيف العوائق التنظيمية. ففي 17 فبراير 2026 وافق مجلس الوزراء على مشروع تعديل بعض أحكام قانون تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر رقم 152 لسنة 2020، متضمنًا تحديث تعريفات المشروعات بحسب حجم الأعمال ورأس المال، مع منح مرونة أكبر لمواءمة التعريفات مع الظروف الاقتصادية وطبيعة القطاعات المختلفة.

هذا التعديل ليس تفصيلاً قانونيًا منعزلًا، بل يكشف أن الحكومة تعيد النظر في البنية التنظيمية التي تحكم القطاع كله. وإذا كانت القواعد تتغير على مستوى القانون، فمنطقي أن تمتد المراجعة إلى الجهاز التنفيذي المسؤول عن التطبيق على الأرض.

من التمويل إلى الإنتاج.. أين يجب أن يتحول التركيز؟

المشكلة التقليدية في كثير من برامج دعم المشروعات في مصر هي أن النجاح يُقاس بحجم الأموال المضخوخة أو بعدد المستفيدين، بينما الأهم اقتصاديًا هو: كم مشروعًا استمر؟ وكم مصنعًا صغيرًا زاد إنتاجه؟ وكم ورشة تحولت إلى كيان رسمي قادر على التصدير أو الإحلال محل الواردات؟

اللافت أن التوجيهات الرئاسية السابقة كانت قد شددت بالفعل على التركيز على الصناعة والزراعة. ففي اجتماع رئاسي مع رئيس مجلس الوزراء ورئيس جهاز تنمية المشروعات في 20 أغسطس 2023، وجّه الرئيس السيسي بمواصلة دعم المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بما يلبي احتياجات رواد الأعمال، مع تركيز واضح على قطاعي الصناعة والزراعة في إطار تعميق التصنيع وزيادة الصادرات الصناعية والزراعية.

إذاً، فإن إعادة الهيكلة المطلوبة اليوم ينبغي أن تُقرأ باعتبارها محاولة لنقل الجهاز من دور الوسيط التمويلي إلى دور المحفز الإنتاجي. وهذا يعني، عمليًا، ربط أولويات التمويل بالمشروعات القادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية: الصناعات المغذية، التصنيع الغذائي، الحرف القابلة للتوسع، المشروعات الزراعية المرتبطة بسلاسل الإمداد، والخدمات المساندة للإنتاج المحلي.

الشباب بين الوعود والواقع

من الناحية السياسية، يحمل ملف المشروعات الصغيرة وزنًا خاصًا لأنه يرتبط مباشرة بفكرة العدالة في الفرص. فليس كل شاب في المحافظات قادرًا على دخول سوق الشركات الكبرى أو انتظار وظيفة حكومية. لذلك يصبح جهاز تنمية المشروعات، نظريًا، بوابة أساسية لتحويل فكرة “العمل الحر” من شعار إلى فرصة واقعية.

لكن هذه الفرصة كثيرًا ما تتعثر بين المركزية الإدارية واختلاف الممارسات من محافظة إلى أخرى. ورغم امتلاك الجهاز شبكة مكاتب واسعة، فإن التحدي يظل في توحيد الخدمة، وتسريع القرار، وتقليل الاحتكاك البيروقراطي، وتوسيع أدوات الدعم غير المالي مثل التدريب، ودراسات الجدوى، والتسويق، والمساعدة في الترخيص والتقنين. هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر مع توجه حكومي معلن نحو بناء بيئة أعمال أكثر وضوحًا وشفافية، كما ظهر أيضًا في ميثاق الشركات الناشئة الذي أطلقته الدولة في 7 فبراير 2026، ويتضمن أكثر من 80 إجراءً تنفيذيًا لتبسيط الإجراءات وتحسين بيئة ريادة الأعمال.

صحيح أن الشركات الناشئة تختلف عن المشروعات الصغيرة التقليدية، لكن الرسالة واحدة: الدولة باتت تعترف بأن العقبة ليست التمويل وحده، بل تعقيد المسار الحكومي من البداية حتى التوسع.

هل تعني الهيكلة تغييرًا في الأدوات أم في الفلسفة؟

السيناريو الأضعف أن تقتصر إعادة الهيكلة على تعديل إداري أو نقل اختصاصات بين قطاعات داخل الجهاز. أما السيناريو الأهم فهو أن تعيد الدولة تعريف وظيفة الجهاز بالكامل: من جهة تمنح قروضًا وتوقع بروتوكولات، إلى منصة موحدة تجمع التمويل والتراخيص والتدريب والتسويق وربط المشروع بالطلب الفعلي في السوق.

هناك مؤشرات على أن بعض هذا التفكير مطروح بالفعل. فالجهاز يعلن في أخباره الرسمية عن التوسع في أدوات مثل التأجير التمويلي والتخصيم لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، مع ضخ نحو 754.5 مليون جنيه لتمويل 25 عقدًا بالتعاون مع نحو 15 شركة ومؤسسة مالية غير مصرفية، بما ساهم في دعم مئات المشروعات. كما يواصل توقيع تمويلات جديدة مع بنوك وشركات تمويل متناهي الصغر، بينها عقود بمئات الملايين من الجنيهات.

هذه الأرقام مهمة، لكنها تطرح السؤال نفسه: هل تذهب الموارد إلى القطاعات الأكثر قدرة على رفع الإنتاج والتشغيل؟ أم أن جزءًا معتبرًا منها يظل موزعًا على أنشطة محدودة الأثر الاقتصادي؟ هنا تظهر قيمة إعادة الهيكلة إذا اقترنت بنظام تقييم جديد يربط الدعم بمؤشرات مثل الاستمرارية، والتشغيل، والإنتاجية، والتصنيع المحلي، والتصدير.

الرهان المصري: دمج غير الرسمي وتحريك المحافظات

أحد أكبر التحديات التي يواجهها أي إصلاح في هذا الملف هو الاقتصاد غير الرسمي. والتعديلات الحكومية الأخيرة على قانون المشروعات فتحت الباب مجددًا أمام تسهيل أوضاع الكيانات غير المرخصة عبر تراخيص مؤقتة وتقنين الأوضاع خلال مدد محددة.

ومن منظور تحليلي، فإن نجاح إعادة هيكلة الجهاز سيُقاس بقدرته على الوصول إلى المحافظات والمناطق الأقل استفادة، لا الاكتفاء بالقاهرة والمدن الكبرى. الأخبار الصادرة عن الجهاز نفسه تعكس هذا الاتجاه، سواء عبر التعاون مع هيئة تنمية الصعيد لدعم فرص المشروعات في محافظات الصعيد، أو عبر العمل مع المحافظات وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتحديد الفرص الاستثمارية والاحتياجات المحلية.

وهذا مهم جدًا للقارئ المصري: لأن المشروعات الصغيرة ليست مجرد ملف اقتصادي في العاصمة، بل قضية تنمية إقليمية ترتبط بفرص العمل، والهجرة الداخلية، وتقليل الفجوات بين المحافظات.

الخلاصة: القرار مهم.. لكن النجاح مرهون بثلاثة شروط

في التقدير النهائي، فإن توجيه الرئيس السيسي بإعادة هيكلة جهاز تنمية المشروعات يحمل إشارة سياسية قوية إلى أن الدولة تريد نتائج أسرع وأوضح من هذا القطاع. لكن تحويل الإشارة إلى أثر اقتصادي يتطلب ثلاثة شروط أساسية:

  • أولًا: اختصار الرحلة الإدارية أمام صاحب المشروع، بحيث تصبح خدمات التمويل والترخيص والتقنين والتدريب أقرب إلى منظومة واحدة.
  • ثانيًا: إعادة توجيه الموارد نحو الأنشطة الإنتاجية الأكثر قدرة على خلق وظائف وزيادة المعروض المحلي وتقليل الواردات.
  • ثالثًا: وضع نظام صارم لقياس الأثر، لا يكتفي بعدد القروض والعقود، بل يراقب بقاء المشروعات ونموها ومساهمتها الفعلية في الاقتصاد.

المعنى السياسي الأعمق هنا أن المشروعات الصغيرة لم تعد ملفًا اجتماعيًا فقط، بل أصبحت جزءًا من معركة الإنتاج والنمو والاستقرار الاقتصادي. وإذا كانت إعادة الهيكلة ستنقل الجهاز من منطق “صرف التمويل” إلى منطق “بناء مشروع منتج وقابل للاستمرار”، فستكون الخطوة أكثر من تعديل إداري؛ ستكون إعادة تعريف لدور الدولة في تمكين الاقتصاد الصغير داخل مصر.