توسيع الإعدام في الجزائر: تشدد جنائي ورسائل سياسية
الجزائر توسّع نطاق الإعدام: قانون جنائي أشد أم رسالة سياسية أوسع؟
أعاد البرلمان الجزائري فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في المجالين القانوني والسياسي، بعدما صادق المجلس الشعبي الوطني على مشروع قانون يعدّل ويتمّم قانون العقوبات، متضمناً توسيع الجرائم التي يمكن أن تُعاقب بالإعدام لتشمل إشعال الحرائق عمداً في صور محددة واختطاف الأطفال. وجاءت المصادقة خلال جلسة علنية ترأستها رئيسة المجلس الشعبي الوطني خليدة بوفدش، وهي أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ الغرفة السفلى للبرلمان الجزائري، بعد انتخابها في 28 يوليو 2026.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية الخطوة لا تتوقف عند مضمونها الجنائي المباشر، بل تمتد إلى ما تكشفه من تحولات في فلسفة الدولة تجاه الردع، وفي طريقة توظيف القوانين داخل المجال العام. فحين يوسَّع نطاق الإعدام في توقيت إقليمي مضطرب ووسط حساسيات اجتماعية متزايدة حول أمن الأطفال والكوارث البيئية، يصبح النص القانوني جزءاً من خطاب سياسي بقدر ما هو أداة عقابية.
ماذا أُقرّ داخل البرلمان الجزائري؟
المعطيات الرسمية الصادرة عن وكالة الأنباء الجزائرية والمجلس الشعبي الوطني تشير إلى أن مناقشة مشروع تعديل قانون العقوبات تصاعدت خلال سبتمبر 2026، إذ عقدت لجنة الشؤون القانونية والإدارية والحريات وحقوق الإنسان اجتماعاً تمهيدياً يوم 20 سبتمبر 2026 لدراسة المشروع، قبل الاستماع في 22 سبتمبر 2026 إلى ممثلين عن الهيئات المعنية بحماية الطفولة وحقوق الإنسان.
وخلال عرض المشروع، جرى التأكيد على أن الحرائق لم تعد تُعامل، في بعض صورها الخطيرة، باعتبارها مجرد اعتداء على ممتلكات عامة أو خاصة، بل كأفعال قد تمس الأمن والنظام العامين والاستقرار المجتمعي وحتى سير الاقتصاد الوطني. ومن هذه الزاوية، اقترح النص تشديد العقوبات إلى الحد الأقصى، بما في ذلك الإعدام في حالات محددة من الإضرام العمدي للنيران، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالغابات والغياض والحقول والأشجار والأخشاب.
كما تضمّن المشروع تشديداً مقابلاً في ملف اختطاف الأطفال، وهو ملف شديد الحساسية اجتماعياً وإعلامياً في الجزائر، على غرار ما هو قائم في دول عربية أخرى، حيث تتجاوز القضية بعدها الجنائي إلى شعور جماعي بالتهديد يطال الأسرة مباشرة.
لماذا الآن؟ خلفية الردع بعد مواسم الحرائق والقلق الاجتماعي
من الصعب قراءة هذا التعديل بمعزل عن السياق الجزائري خلال السنوات الأخيرة. فالبلاد عاشت مواسم متكررة من الحرائق الواسعة، خصوصاً في المناطق الغابية، وما صاحبها من خسائر بشرية ومادية وضغط سياسي على الدولة لإظهار قدر أكبر من الحزم. لذلك يبدو توسيع العقوبات هنا مرتبطاً بمحاولة رسم خط فاصل بين الكوارث الطبيعية وبين الحرائق المتعمدة التي تُقدَّم رسمياً باعتبارها تهديداً للأمن العام، لا مجرد جريمة تقليدية.
في المقابل، يمسّ بند اختطاف الأطفال وتراً اجتماعياً بالغ التأثير. ففي المجتمعات العربية عموماً، ومنها الجزائر ومصر، تُعد الجرائم التي تستهدف الأطفال من أكثر القضايا القادرة على تحريك الرأي العام والضغط باتجاه تشديد العقوبة. ولهذا، فإن المشرّع لا يتحرك فقط داخل منطق قانوني بحت، بل أيضاً تحت تأثير مطلب شعبي بالردع الصارم.
لكن هل يعني ذلك عودة فعلية إلى تنفيذ الإعدام؟
هنا تكمن المفارقة الأهم. فعلى الرغم من أن عقوبة الإعدام ما زالت قائمة في القانون الجزائري، فإن الجزائر لم تنفّذ أحكام إعدام منذ عام 1993، وفق ما تذكره وثائق أممية وتقارير حقوقية دولية متواترة. بمعنى آخر، هناك فارق بين توسيع المجال القانوني للعقوبة وبين تنفيذها فعلياً.
هذا الفارق يجعل القرار الحالي قابلاً لقراءتين متوازيتين:
- قراءة أولى: أن الدولة تريد رفع سقف الردع القانوني في الجرائم التي تثير غضباً عاماً واسعاً، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إنهاء التجميد العملي لتنفيذ الإعدام.
- قراءة ثانية: أن توسيع النصوص قد يمهد مستقبلاً لبيئة سياسية وقانونية أكثر تقبلاً للعودة إلى التنفيذ، إذا ما تصاعدت الضغوط الداخلية أو وقعت حوادث كبرى.
وفي هذا المعنى، يصبح القانون رسالة مزدوجة: إلى الرأي العام المحلي بأن الدولة تتشدد، وإلى الفاعلين داخل المنظومة القضائية بأن الجرائم المستهدفة انتقلت إلى خانة التهديد الأقصى.
خليدة بوفدش ورمزية المشهد البرلماني
ترأست الجلسة رئيسة المجلس الشعبي الوطني خليدة بوفدش، التي انتُخبت في 28 يوليو 2026 رئيسة للغرفة السفلى، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ البرلمان الجزائري. هذه الرمزية لا ترتبط مباشرة بمضمون قانون العقوبات، لكنها تضفي على المشهد بعداً سياسياً إضافياً: فبرلمان يدخل مرحلة جديدة على مستوى التمثيل والوجوه القيادية، لكنه في الوقت نفسه يمرر واحداً من أكثر التشريعات صرامة في باب العقوبات.
كما حضرت الجلسة ممثلةً للحكومة وزيرة العلاقات مع البرلمان كوثر كريكو، بينما قاد عرض المشروع في مراحله التحضيرية داخل المجلس وزير العدل حافظ الأختام لطفي بوجمعة. وهذا الحضور التنفيذي المكثف يكشف أن الملف لم يكن تفصيلاً تشريعياً عادياً، بل أولوية سياسية وقانونية للحكومة.
ماذا يعني القرار من زاوية سياسية؟
في قسم تحليلات ورأي، الأهم ليس فقط رصد ما حدث، بل فهم ما يعنيه. ويمكن تلخيص الدلالات الأبرز في النقاط التالية:
- أولاً: الدولة الجزائرية تميل إلى توسيع مفهوم الجرائم التي تُعامل باعتبارها تهديداً جماعياً، لا مجرد أفعال فردية.
- ثانياً: التشدد في جرائم الحرائق واختطاف الأطفال يمنح السلطة استجابة سريعة لمخاوف الرأي العام، خصوصاً في الملفات ذات الكلفة الإنسانية العالية.
- ثالثاً: الإبقاء على التجميد العملي للتنفيذ، إن استمر، يسمح للسلطة بالجمع بين الحزم القانوني وتفادي الكلفة الدولية المترتبة على استئناف الإعدامات.
- رابعاً: هذا النوع من التعديلات يكشف أن السياسة الجنائية في المنطقة المغاربية ما زالت تنجذب إلى منطق الردع الأقصى كلما تعلّق الأمر بجرائم تمس الأطفال أو الأمن البيئي والاجتماعي.
زاوية مصرية: لماذا يهم القارئ هنا؟
بالنسبة للمتابع في مصر، فإن التطور الجزائري يستحق الانتباه لسببين. الأول أن الجدل حول العقوبة الأشد ليس شأناً محلياً جزائرياً فقط، بل جزء من نقاش عربي أوسع حول العلاقة بين الردع والعدالة والحقوق. والثاني أن الجرائم التي استهدفها التعديل، أي الحرائق المتعمدة واختطاف الأطفال، من القضايا التي تولّد عادةً مطالبة شعبية بعقوبات قصوى في أغلب المجتمعات.
ومن ثم، فإن ما جرى في الجزائر يقدّم مثالاً واضحاً على كيفية تحوّل التشريع إلى مساحة توازن بين ثلاث قوى: الخوف المجتمعي، والحسابات السياسية، والصورة الحقوقية للدولة. السؤال المفتوح ليس فقط: هل يكفي تشديد العقوبة لخفض الجريمة؟ بل أيضاً: هل يظل الإعدام هنا أداة تنفيذ فعلية، أم مجرد سقف رمزي أعلى داخل القانون؟
الخلاصة
المصادقة البرلمانية الجزائرية على توسيع الجرائم المشمولة بعقوبة الإعدام تمثل تطوراً مهماً في السياسة الجنائية للبلاد، خصوصاً مع إدراج الحرائق العمدية واختطاف الأطفال ضمن الجرائم الأشد خطورة. لكن القيمة الحقيقية للقرار ستُقاس لاحقاً على مستويين: كيف ستطبقه المحاكم، وما إذا كانت الجزائر ستبقي على التجميد العملي لتنفيذ الإعدام القائم منذ 1993.
حتى ذلك الحين، يبدو أن الرسالة الأوضح هي أن الدولة تريد أن تقول إنها مستعدة للذهاب بعيداً في الردع، حتى لو ظل التنفيذ نفسه مؤجلاً. وهذه، في حد ذاتها، ليست مجرد مسألة قانونية، بل مؤشر سياسي على طبيعة المرحلة التي تعيشها الجزائر اليوم.