Akhbar Cairo

توصيات أولى ندوات «مقام» تفتح النقاش حول قانون الأحوال الشخصية

توصيات أولى ندوات «مقام» تعيد ملف الأحوال الشخصية إلى الواجهة

أعلنت الدكتورة رحاب التحيوي، رئيس مؤسسة «مقام» لمحو الأمية القانونية وحقوق الإنسان، أبرز توصيات أولى الندوات التي نظمتها المؤسسة لمناقشة مشروع قانون الأحوال الشخصية، في وقت يتسع فيه الجدل العام داخل مصر بشأن شكل القانون المرتقب وحدود التوازن بين حقوق الزوجين ومصلحة الطفل واستقرار الأسرة.

التحيوي عرضت حزمة ملاحظات ركزت على مراجعة نظام الخلع، وإعادة النظر في سن الحضانة، وعدم التوسع في إسقاط الحضانة بسبب الزواج، مع الدعوة إلى عدم ربط الرؤية أو الاستضافة بسداد النفقات، باعتبار أن العلاقة بين الطفل ووالديه لا ينبغي أن تتحول إلى أداة ضغط متبادلة بين الطرفين. كما طالبت بالمساواة في المسؤولية القانونية والعقوبات بين الأبوين متى تعلق الأمر بالإخلال بالواجبات الأسرية.

ما الذي طرحته رحاب التحيوي في الندوة الأولى؟

بحسب التصريحات المنشورة لرئيسة المؤسسة خلال مايو 2026، فإن النقاش الذي تدفع به «مقام» ينطلق من زاوية دستورية واجتماعية في آن واحد، إذ شددت التحيوي على أن أي صياغة جديدة لقانون الأسرة يجب أن تراعي مبادئ الشريعة الإسلامية المنصوص عليها في المادة الثانية من الدستور، إلى جانب المادة العاشرة الخاصة بحماية الأسرة، والمادة 80 المتعلقة بالمصلحة الفضلى للطفل.

وفي هذا السياق، اعتبرت أن باب الطلاق خلعًا يحتاج إلى ضبط إجرائي أكبر، خصوصًا مع استمرار الجدل حول كون الحكم الصادر فيه غير قابل للطعن، وهو ما وصفته بأنه يثير تساؤلات قانونية مرتبطة بمبدأ التقاضي على درجتين. كما لفتت إلى أن آليات إعلان الزوج بالدعوى تستحق مراجعة أكثر إحكامًا للحد من أي تلاعب إجرائي محتمل.

أما في ملف الحضانة والرؤية، فقد رأت التحيوي أن المشروع المطروح يثير إشكاليات عملية تمس الطفل بصورة مباشرة، داعية إلى إعادة تقييم السن الحالية للحضانة، مع طرح فكرة خفضها في إطار نقاش أوسع يراعي التطورات الاجتماعية وتغير طبيعة التنشئة والوعي لدى الأطفال. كذلك انتقدت سقوط الحضانة عن الأب أو الأم لمجرد الزواج على نحو آلي، معتبرة أن المسألة يجب أن تبقى محكومة في النهاية بقدرة الحاضن على رعاية الطفل ومصلحته الفعلية.

الرؤية والاستضافة خارج منطق المقابل المالي

من بين أبرز التوصيات التي خرجت بها الندوة الأولى رفض ربط حق الرؤية أو الاستضافة بسداد النفقة. هذا الطرح يعكس اتجاهًا حقوقيًا يعتبر أن صلة الطفل بوالديه حق مستقل لا يصح استخدامه كوسيلة عقاب أو ابتزاز قانوني. كما دعت التحيوي إلى تطوير نظام الاستضافة بما يسمح بعلاقة أكثر طبيعية بين الأبناء والطرف غير الحاضن، بدل الاكتفاء بنموذج الرؤية التقليدي في أماكن وأوقات محدودة.

هذا النقاش يتقاطع مع ما يشهده المجال العام في مصر خلال 2026، حيث خصص المجلس القومي لحقوق الإنسان سلسلة من 13 جلسة استماع لمشروع قانون الأحوال الشخصية، بمشاركة برلمانيين وقضاة وأساتذة قانون وممثلين عن المجتمع المدني، لمناقشة ملفات النفقة والرؤية والاستضافة والحضانة والولاية التعليمية والصحية.

مسار رسمي موازٍ: الحكومة والبرلمان والحوار المجتمعي

التحركات الأهلية والحقوقية الجارية لا تأتي بمعزل عن المسار التشريعي الرسمي. ففي 29 أبريل 2026 وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون بإصدار قانون الأسرة، وفق ما أعلنه المستشار محمود حلمي الشريف وزير العدل، الذي وصف المشروع بأنه خطوة مهمة نحو تطوير منظومة الأحوال الشخصية وتخفيف الأعباء الإجرائية عن المتقاضين، ومن بين ملامحه توحيد بعض طلبات النفقات والأجور والمصروفات في دعوى واحدة بدل تعدد الدعاوى أمام أكثر من محكمة.

وبالتوازي، يواصل المجلس القومي لحقوق الإنسان جلساته الحوارية، مؤكدًا أن تقييم أي نص جديد يجب أن ينطلق من أثره العملي على استقرار الأسرة المصرية، وأن مصلحة الطفل يجب أن تظل المعيار الحاكم عند مناقشة مسائل الحضانة والرؤية والاستضافة والولاية. هذا المناخ يوضح أن مشروع القانون لم يعد مجرد ملف قانوني تقني، بل قضية اجتماعية تمس ملايين الأسر بصورة مباشرة.

لماذا يثير سن الحضانة هذا الجدل الواسع؟

يبقى سن الحضانة من أكثر البنود حساسية في أي محاولة لتعديل قانون الأحوال الشخصية في مصر. فالمطالبة بخفضه، كما طرحتها ندوة «مقام»، تقابلها في المقابل اتجاهات حقوقية أخرى تتحفظ على هذه الفكرة، وتدعو إلى الإبقاء على الضمانات الحالية أو تطويرها بما يحفظ الاستقرار النفسي للطفل بعد الانفصال. لذلك يبدو أن هذا الملف سيكون من بين أكثر النقاط سخونة في جلسات الاستماع والحوارات المجتمعية المقبلة.

القاسم المشترك بين مختلف الأطراف، رغم تباين المواقف، هو أن النصوص القائمة لم تعد كافية وحدها للتعامل مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، وأن الحاجة أصبحت ملحة لقانون أكثر وضوحًا وقدرة على التنفيذ، يحد من النزاعات الممتدة أمام محاكم الأسرة، ويمنع تحول الخلاف بين الزوجين إلى ضرر مزمن يقع على الأبناء.

بين العدالة الأسرية وتوازن الحقوق

ما طرحته رحاب التحيوي في أولى ندوات «مقام» يعكس اتجاهًا يطالب بأن يكون قانون الأحوال الشخصية الجديد أكثر توازنًا بين الحقوق والواجبات، وأقل اعتمادًا على المعالجات الجزئية أو الاستجابات اللحظية لضغط الرأي العام. فالقضية، في جوهرها، ليست انتصارًا لطرف على آخر، بقدر ما هي محاولة لبناء إطار قانوني يحافظ على كيان الأسرة حتى في لحظات التفكك، ويضمن ألا يدفع الأطفال ثمن الصراع بين الكبار.

ومع استمرار جلسات الاستماع الرسمية وتعدد المبادرات المجتمعية، يبدو أن مصر تتجه إلى مرحلة أكثر انفتاحًا في مناقشة قانون الأسرة، حيث لم تعد الملفات الشائكة مثل الخلع، والحضانة، والرؤية، والاستضافة، والولاية، موضوعات مؤجلة، بل صارت في قلب نقاش عام ينتظر ترجمة عملية داخل نص تشريعي قابل للتطبيق ويحظى بقدر واسع من التوافق.

  • أبرز التوصيات المطروحة: مراجعة تنظيم الخلع وإجراءاته.
  • في الحضانة: إعادة فتح النقاش حول السن والمعايير الحاكمة لها.
  • في الرؤية والاستضافة: عدم ربطها بالنفقة أو المقابل المالي.
  • في العقوبات والمسؤوليات: المطالبة بمقاربة أكثر مساواة بين الأبوين.
  • في المسار العام: التمسك بحوار مجتمعي واسع قبل إقرار القانون نهائيًا.

وفي ظل ما تشهده الساحة المصرية حاليًا من مناقشات متشابكة حول مشروع القانون، تبقى الكلمة الفصل لصياغة تشريعية دقيقة توازن بين الدستور، والواقع الاجتماعي، وحقوق المرأة، وحقوق الرجل، وقبل كل شيء المصلحة الفضلى للطفل.