Akhbar Cairo

تيجراي مجددًا في بؤرة الخطر.. هل تعود الحرب إلى شمال إثيوبيا؟

شمال إثيوبيا أمام اختبار جديد بعد تجدد التوتر في تيجراي

عاد إقليم تيجراي في شمال إثيوبيا إلى واجهة المشهد الأفريقي خلال عام 2026، مع تصاعد التحذيرات من انزلاق المنطقة إلى موجة عنف جديدة قد تهدد ما تحقق منذ توقيع اتفاق بريتوريا لوقف الأعمال العدائية في 2 نوفمبر 2022. فبعدما مثّل الاتفاق، الذي رعاه الاتحاد الأفريقي، محطة حاسمة لإنهاء واحدة من أكثر حروب القارة دموية في السنوات الأخيرة، باتت مؤشرات الهشاشة السياسية والأمنية داخل الإقليم تثير مخاوف جدية من عودة القتال على نطاق أوسع.

وتأتي هذه التطورات في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة للقرن الأفريقي، وهي منطقة تتابعها القاهرة باهتمام بالغ نظرًا لتشابك الملفات الأمنية والسياسية في شرق أفريقيا والبحر الأحمر، فضلًا عن انعكاسات الاستقرار الإثيوبي على الإقليم كله.

ما الذي يحدث في تيجراي الآن؟

المعطيات المتاحة من تقارير صحفية موثوقة ومن بيانات مرتبطة بالاتحاد الأفريقي تشير إلى أن التوتر داخل تيجراي لم يعد مجرد خلاف سياسي بين أجنحة متنافسة، بل تحول في الأشهر الماضية إلى احتكاكات ميدانية واتهامات متبادلة تهدد أسس الترتيبات الانتقالية التي أعقبت الحرب. وقد حذر الاتحاد الأفريقي في بيان صدر في مارس 2025 من خطورة التطورات داخل جبهة تحرير شعب تيجراي، داعيًا جميع الأطراف إلى الالتزام بما نص عليه اتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع في بريتوريا عام 2022.

وخلال 2026، تحدثت تغطيات إقليمية ودولية عن اشتباكات مسلحة بدأت منذ يناير، لا سيما في مناطق متنازع عليها مثل تسيلمتي، وسط اتهامات بين قوى مرتبطة بالجبهة الشعبية لتحرير تيجراي والسلطات الفيدرالية ومجموعات موالية لها. كما ارتبط التصعيد بخلافات على إدارة الإقليم، وترتيبات الأمن، وملف عودة النازحين إلى المناطق المتنازع عليها.

أسماء الفاعلين الأبرز في الأزمة

من بين أبرز الأسماء المتداولة في المشهد جيتاشيو رضا، السياسي الإثيوبي المعروف، الذي شغل أدوارًا مركزية في إدارة المرحلة الانتقالية في تيجراي قبل انتقاله لاحقًا إلى موقع استشاري على المستوى الفيدرالي. وقد ظهر اسمه بقوة في السجال الدائر بشأن مستقبل الإقليم، كما نُسبت إليه تصريحات تعتبر بعض تحركات الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي خروجًا على الترتيبات التي أرساها اتفاق بريتوريا.

وفي المقابل، يظل دبرصيون جبر ميكائيل من الأسماء المحورية داخل جبهة تحرير شعب تيجراي، في ظل استمرار الانقسام داخل النخبة السياسية التيغرانية بشأن من يملك الشرعية التمثيلية والقدرة على إدارة الإقليم بعد الحرب. كما يبرز اسم اللفتنانت جنرال تادسي وريدي، الذي مُددت ولايته رئيسًا للإدارة المؤقتة في تيجراي لمدة عام إضافي اعتبارًا من 9 أبريل 2026 بقرار من رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في خطوة عكست صعوبة الانتقال السلس نحو انتخابات مستقرة داخل الإقليم.

لماذا يبدو المشهد أكثر خطورة هذه المرة؟

السبب الأول هو أن الحرب السابقة لم تكن مجرد نزاع محلي محدود. فالصراع الذي اندلع في نوفمبر 2020 بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وقوات جبهة تحرير شعب تيجراي، واتسعت ساحته لتشمل أطرافًا أخرى بينها القوات الإريترية، خلّف دمارًا واسعًا وخسائر بشرية هائلة. وتشير دراسة منشورة عام 2026 إلى تقدير يتجاوز 102 ألف وفاة بين من تزيد أعمارهم على 15 عامًا داخل تيجراي نتيجة النزاع، وهو رقم يعكس فقط جزءًا من الكلفة الفعلية للحرب.

السبب الثاني يرتبط باستمرار الأعباء الإنسانية. فبيانات المنظمة الدولية للهجرة تشير إلى أن تيجراي ما تزال من أكثر الأقاليم الإثيوبية استضافة للنازحين داخليًا بسبب النزاع، بينما تظل العودة الآمنة وإعادة الإعمار وتطبيع الخدمات الأساسية ملفات بعيدة عن الحسم الكامل. كما تؤكد تقارير أممية أن المجتمعات المحلية في الإقليم لا تزال تتعامل مع آثار النزوح، وانعدام الاستقرار، وتضرر المساكن وسبل العيش.

أما السبب الثالث فهو البعد الإقليمي. فالتوتر بين أديس أبابا وأسمرة عاد بدوره إلى الواجهة خلال 2026، مع اتهامات إثيوبية لإريتريا بدعم تحركات من شأنها زعزعة الاستقرار، في حين نفت أسمرة تلك الاتهامات. وهذا التشابك يزيد خطورة أي تصعيد داخل تيجراي، لأن الإقليم يقع في نقطة تماس حساسة بين الأزمة الإثيوبية الداخلية وحسابات الأمن الإقليمي في القرن الأفريقي.

اتفاق بريتوريا.. سلام لم يكتمل

عندما وُقع اتفاق بريتوريا في جنوب أفريقيا في 2 نوفمبر 2022، نصّ على وقف دائم للأعمال العدائية بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي، وفتح الباب أمام نزع السلاح تدريجيًا واستعادة الخدمات وإعادة دمج الإقليم ضمن ترتيبات الدولة الفيدرالية. لكن التنفيذ واجه منذ البداية عراقيل معقدة، من بينها الخلاف على الأرض والإدارة المحلية وملف القوات غير الفيدرالية وعودة المهجرين.

ولذلك، فإن الأزمة الحالية لا تعني بالضرورة انهيار الاتفاق رسميًا، لكنها تكشف بوضوح أن السلام في تيجراي ما يزال هشًا. كما أن تمديد ولاية الإدارة المؤقتة بدلًا من الانتقال السريع إلى انتخابات مستقرة يعكس أن البيئة السياسية والأمنية لم تنضج بعد بما يكفي لحسم مستقبل الإقليم عبر المؤسسات وحدها.

ماذا يعني هذا لمصر والمنطقة؟

من منظور مصري، لا يُقرأ ما يجري في تيجراي باعتباره شأنًا إثيوبيًا داخليًا فقط، بل باعتباره تطورًا يؤثر في معادلات أوسع داخل أفريقيا الشرقية. فكل اضطراب جديد في شمال إثيوبيا قد ينعكس على أمن الحدود، ومسارات التجارة، وخرائط التحالفات في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهي ملفات تحظى بأهمية مباشرة للأمن القومي الإقليمي. كما أن أي انزلاق إلى حرب واسعة سيزيد من الضغط على الجهود الأفريقية الرامية إلى احتواء النزاعات في المنطقة.

وفي هذا السياق، تتابع المنصات الرسمية المصرية المعنية بالشؤون الأفريقية تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، وتحذيرات مراكز بحثية دولية من أن التصعيد قد يقود إلى نزاع جديد إذا لم تُحتوَ الخلافات سريعًا عبر مسار سياسي وأمني منضبط.

السيناريوهات المحتملة

  • احتواء محدود للأزمة: عبر ضغوط من الاتحاد الأفريقي والسلطات الفيدرالية لمنع توسع الاشتباكات، مع الإبقاء على الترتيبات الانتقالية القائمة.
  • تصعيد داخلي داخل تيجراي: إذا استمر الانقسام بين الأجنحة السياسية والعسكرية، فقد تتكرر جولات عنف موضعية تقوض أي أفق للاستقرار.
  • تدويل أكبر للأزمة: وهو السيناريو الأخطر، إذا تشابكت المواجهة مجددًا مع التوتر الإثيوبي-الإريتري أو مع نزاعات حدودية ومناطق متنازع عليها.

خلاصة المشهد

التطورات الأخيرة في تيجراي تكشف أن إنهاء المعارك لا يعني بالضرورة إنهاء أسباب الحرب. فبعد أقل من أربع سنوات على اتفاق بريتوريا، ما زالت الجراح السياسية والأمنية والإنسانية مفتوحة في شمال إثيوبيا. وبين رهانات التهدئة ومخاطر الانتكاسة، يبدو أن الإقليم يقف مرة أخرى على حافة منعطف حساس، ستكون نتائجه مؤثرة ليس فقط على إثيوبيا، بل على استقرار القرن الأفريقي بأكمله.